|
المناقشات فى الموثقة
ثمّ ان المحقق الخراساني قدسسره قد أورد على الموثقة بعدة مناقشات:
المناقشة الاولى
انّ الموثقة و انّ دلّت على وجوب الوضوء عند عدم كون الدم ثاقباً الا
انّها لا تدلّ على عدم وجوب الغسل حينئذٍ لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة
أي من جهة وجوب الغسل و عدمه، و انّما وردت للدلالة على وجوب الوضوء حينئذٍ فلا
يمكن التمسك باطلاقها في الحكم بعدم وجوب الغسل حينئذٍ.
المناقشة الثانية
انّ ما ورد في قوله عليهالسلام: «و ان كان الدم لا يثقب الكرسف، توضأت
و دخلت المسجد و صلّت كل صلاة بوضوء» لم يكن ذلك في مقام الوضوء المصطلح.
و
انّما كان في بيان الاغتسال من أجل النظافة و الطهارة ولو قصد منه الوضوء المصطلح
لاستلزم من ذلك التكرار في الرواية حيث تعرضت الى وجوب الوضوء في آخر الرواية.
و ذلك في قوله: و صلّت كل صلاة بوضوء. و بذلك تصبح الموثقة موافقة لما
بنى عليه قدسسره من وجوب الغسل الواحد عند ما لا يتحقق ثقب الدم.
المناقشة الثالثة
انّ ما تدلّ عليه الموثقة في حال عدم ثقب الدم الكرسف، و بذلك لا يجب
الغسل بنحو الاطلاق ممّا فيها من البيان على ذلك، ولكن مع ذلك تعرضت الموثقة الى
وجوب الوضوء بما انّها في دور الاستحاضة و لم تتعرض الى وجوب الغسل. و هذا يثبت انّ
من عدم التعرض لوجوب الغسل يدلّ على عدم وجوبه.
و هذا لا يمنع من رفع اليد عن اطلاق الموثقة، و حملها على موثقة سماعة
فتوجب بذلك تقييدها بعدم ثقب الدم، فان ذلك ممّا يوجب عليها الغسل مرّة واحدة و
ينتج من عرض ذلك ان الموثقة و ان كان ظاهرها وجوب الوضوء على المستحاضة في حال عدم
ثقب الدم الكرسف، الا ان موثقة سماعة دالة على كون الوضوء و ان وجب عليها ذلك لكنه
منضم اليه الغسل. و بضمّ الرواية الثانية الى الاولى يدلّ على ان وظيفة المستحاضة
في حال عدم ثقب الدم الكرسف انّما يجب عليها ان تغتسل مرّة واحدة مع الوضوء لكل
صلاة لأنّها محدثة بالحدث الأصغر و كذا بالحدث الأكبر فيجب عليها الوضوء و الاغتسال
و هذا ما سلكه المحقق الخراساني قدسسره.
المناقشة الرابعة
مع فرض عدم ملاحظة تلك المناقشات السابقة فيمكن دعوى ان الموثقة لا دلالة
لها على ايجاب الوضوء عند ما لا يكون الدم ثاقباً و ذلك في حال عدم كون الدم احمر
اللون و انّما لسان الموثقة أخذ فيها الاطلاق.
و عليه لا مانع من حملها على الدم الاصفر و ذلك للاستناد الى موثقة سماعة
الدالة على ان الدم الاحمر إذا لم يثقب الكرسف وجب فيه الغسل، و ذلك بما يستوضح من
ذيلها قوله: «هذا و ان كان دمها عبيطاً».
و هذا ما يثبت عدم المنافاة بين موثقة معاوية و موثقة سماعة في ناحية حمل
المطلق على المقيّد. و بذلك يصبح صورة جمع بين الروايتين من حيث ان الدم الأحمر إذا
كان ثاقباً يجب فيه الاغسال الثلاثة و ان لم يثقب فيجب الغسل واحداً.
و امّا الدم الاصفر فيفرق بين الكثير العرفي و بين القليل العرفي، فيجب
الغسل في الأوّل و الوضوء في الثاني.
نقد المناقشات
امّا المناقشة الاولى؛ بانّ الموثقة لم تكن في مقام البيان عن عدم
الثقب فيرد عليه بانّه كيف يتم سوق الرواية لجهة عرض ترتب الاغسال عند الثقب، و عدم
الغسل الا مرّة واحدة عند عدم الثقب. و مع ذلك لم تكن في مقام البيان إلاّ في خصوص
الوضوء بينما البيان عام و عليه لا معنى لجعل الاختصاص في جانب دون جان أو أنّه لا
بيان للجمع فيلزم في ذلك حصول اللغوية للجميع.
و امّا المناقشة الثانية؛ انّه لم تستعرض الوضوء المصطلح و انّما
هي في مقام الوضوء بمعنى النظافة و الطهارة العامة. و يرد عليه بانّ التكرار امّا
ان يكون لغرض التوضيح، و امّا ان يكون للتأكد في الحكم، و أمّا ان يكون مسهجعاً؛
ولكن سوق الرواية لم يقصد بذفك بعد فرض انّه ورد الوضوء بالمعنى المقابل للغسل و لا
يراد به بمعنى النظافة و الطهارة المطلقة.
و عليه فقوله عليهالسلام: «و صلّت لكل صلاة بوضوء واحد»، بمعنى انّها
مكلفة باتيان الوضوء، بما انّها مستحاضة بالصغرى فيجب عليه الوضوء لكل فريضة بما
يقابل الحدث الاكبر للمستحاضة بانّ تأتي بالغسل لكل صلاة لبيان نقطة التقابل بين
الحكمين.
و امّا المناقشة الثالثة؛ حيث يرى دلالة الموثقة أخذت بنحو
الاطلاق من حيث عدم الغسل في حال عدم ثقب الدم الكرسف فيوجب بذلك الوضوء لكونها في
مقام البيان من تلك الجهة فيؤخذ بموثقة معاوية من حيث اطلاقها و ينظر الى موثقة
سماعة من حيث تقييدها، و عند ذلك يحمل المطلق على المقيد و يكون المحصل انّه في حال
الانضمام يتم القول بانّه مع الوضوء لابدّ أن يوجب عليها الغسل أيضاً.
ولكن يرد عليه بأنّ أخذ موثقة سماعة مقيّدة إذا كانت في مقام ناظريتها
لتمام الجملة في موثقة معاوية. و امّا إذا كانت مرددة بين ورودها على تمام الجملة
أو بعضها تكون مجمله.
و بذلك ينقطع الحكم على تمام موضوعه لعدم التقيد الى تمام موضوع الحكم و لا
سيّما إذا كانت الجملة الاولى مباينة مع الجملة الثانية في ناحية ترتب الحكم؛ أمّا
على الأوّل أو الثاني حيث انّ من شؤون التقييد ان يرجع الى تمام الموضوع في مؤدى
الجملة بما تعكس جهة اطلاقية.
و امّا المناقشة الرابعة؛ فقد ذكرنا بانّ الملاك في ارجاع وجوب
الاغسال الثلاثة الى ما كان الدم ثاقباً للكرسف بما له من القوة فى الدفع دون النظر
الى جهة اختلاف بين لون الدم أحمر أو اصفر حتّى يؤخذ بذلك في اطلاق الموثقة من حيث
اللون ثمّ بعد ذلك تقيّد بموثقة سماعة.
هذا مع ان الارجاع الى التقييد إذا كان فيما بين الاطلاق و التقييد بين
المخالفة و المنافاة و الملاحظ فيما بين موثقة معاوية و بين موثقة سماعة عدم
المنافاة فلا موجب للحمل.
و هذا ما أشار اليه السيد الأستاذ قدسسره كما في قوله: مضافاً الى انّه
لا موجب اصلاً لتقييد الصحيحة (أي الموثقة) بالموثقة و هي رواية سماعة اذ لا تنافى
بينهما و لا تماسّ، و ذلك لأنّ الموضوع فى الموثقة على ما فسرناه انّما هو الدم
الثاقب فهو ممّا لم يتعرض له فى الموثقة اصلاً و الصحيحة متعرضة لحكمه و مع عدم
التماسّ بينهما فى الدم غير الثاقب لا موجب لجعل احداهما مقيدة لاطلاق الاخرى.
و المهمّ انّ المرجع في ذلك كله الى مقالة المشهور في ناحية التقسيم
الثلاثي دون التقسيم الثنائي، و عليه يقع للاستحاضة ثلاثة أقسام:
1 ـ القليلة و هي كون الدم لم يثقب الكسرف فعليها الوضوء لكل صلاة.
2 ـ و المتوسطة و ذلك في صورة ما لو كان الدم ثاقباً للكرسف فعليها الغسل
واحداً و الوضوء لكل صلاة.
3 ـ و إذا كانت كثيرة و ذلك عند ما يثقب الدم الكرسف مع تجاوزه عن حد
الكرسف فيجب عليها الوضوء و الغسل لكل صلاة.
و هذا ما تقتضيه الأدلّه السابقة الّتي تمسك بها المشهور في اثبات
التقسيم الثلاثي دون التقسيم الثنائي كما لا يخفى.
و امّا الارجاع الى وصف الدم بما أنّه اصفر و ذلك بما يناط في معرفته الى
العرف، و يكون المقياس في تشخيص الموضوع من خلال ان سيلان الدم بذلك الوصف بحسب نظر
العرفي بنحو يسرى الى الكرسف مع خروجه عن حده، فيجب فيه ثلاثة أغسال، و إذا كان
قليلاً بحسب نظر الرف أيضاً و ذلك عند ما لم يثقب الكرسف فيجب فيها الوضوء دون
الحكم عليها بالاغتسال.
و الملاحظ من المحقق الخراساني قدسسره في هذا الموضوع انّه قد التزم بوجوب
الاغسال الثلاثة في حال وجوب غسل واحد في موقع من بحثه كما انّه أوجب الوضوء في
مورد آخر و ان كان بحسب سيره لم يكن متفقاً مع المشهور في ناحية الترتيب حيث يرى
وجوب الاغسال الثلاثة في صورة تجاوز الدم الكرسف عند ما يكون الدم أحمر أو سال بما
يعتبر في نظر العرف كثيراً في صورة صفرة الدم أيضاً كما أوجب الغسل مرّة واحدة عند
خروج الدم الأحمر غير المتجاوز عن الكرسف سواء كان الدم ثابتاً للكرسف أم لا، كما
أنّه أوجب الوضوء فى الدم الاصفر إذا كان قليلاً بحسب نظر العرف و قد ساق أدلّة على
وجوب الاغسال الثلاثة في حال كون الدم اصفر و إذا نظرنا الى ما بين وجوب الاغسال
الثلاثة فى الدم الاصفر و بين بعض الروايات توجب الوضوء و في كل منهما جهة اطلاق و
بذلك تحصل المعارضة على نحو التباين.
و نرى فيما بين المتعارضين انّه يمكن حصول شاهد جمع كما رواه محمّد بن
مسلم فى الحامل قد استبان حبلها ترى ما ترى الحائض من الدم؟ قال: تلك الهراقة من
الدم ان كان دماً أحمر كثيراً فلا تصلّي و ان كان قليلاً اصفر فليس عليها الاّ
الوضوء.
ولكن مع الغض عن الارجاع الى شاهد الجمع يمكن أن تكون المعارضة فيما بين
الطائفتين فبالنظر الى الطائفة الاولى عند تحقق الصفرة الكثيرة فى الحكم بوجوب
الاغسال الثلاثة بالحمل على ما إذا كانت الاستحاضة كثيرة ممّا يوجب في خروج الدم
الاصفر ان يكون ثاقباً للكرسف و متجاوزاً عنه كما انّه بالنسبة الى الطائفة الثانية
ان تكون ناظرة الى عدم ثقب الدم الكرسف، و عليه تحمل على كون الدم اصفر من غير ثقب
الكرسف فيوجب بذلك الحكم عليها بعدم الاغتسال من دون فرق بين كون الدم الأحمر غير
ثاقب للكرسف أو كان الدم أصفر و هو أيضاً غير ثاقب للكرسف فيحكم عليهما أيضاً بعدم
الاغتسال في كل منهما.
و يكون المحصل من الطائفة الثانية وجوب الوضوء مع الصفرة في جميع الأقسام
الكبيرة و المتوسطة و القليلة كما ان المحصلّ من الطائفة الاولى وجوب الغسل عند ما
يكون الدم اصفر كثيراً، و ينتج من ذلك اطلاق الطائفة ا لاولى فتحمل على الطائفة
الثانية فتوجب بذلك تخصيصها و يكون النظر الى المستحاضة الكثيرة عند الصفرة لابدّ
من وجوب الأغسال الثلاثة، كما انّه بالنسبة الى المستحاضة المتوسطة و القليلة حكمها
وجوب الوضوء.
و امّا ما ورد في صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج، قال: سألت ابا ابراهيم
عليهالسلام عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر ثمّ طهرت و صلّت، ثم رأت
دماً أو صفرة؟ قال: ان كانت صفرة فلتغتسل و لتصل و لا غسل عن الصلاة.
فان ظاهرها وجوب الغسل مع فرض الدم اصفر و لم توجب الوضوء. و هذا ممّا
يوجب المعارضة بين هذه الصحيحة و الطائفة الثانية. و يكون بذلك حصول نسبة العموم من
وجه لأنّ ما تدلّ عليه صحيحة عبدالرحمن مطلقه من غير أن تقييد بالمرة الواحدة أو
بثلاث مرات؛ ولكن يستدعى اخراج المستحاضة القليلة عن اطلاقها لاستلزامها ان تكون
بعين ما استقر عليها وجود الدم ان يكون أصفر و يكون لك فى الحكم أقوى ممّا يكون
عليه إذا كان الدم احمر. و هذا ممّا ينافي ثبوت الحكم على المستحاضة القليلة بعدم
وجوب الاغتسال.
و يكون من مجموع ما يستفاد من ظاهر صحيحة الحجاج من الروايات الاخرى أن
الصحيحة لسانها وجوب الاغتسال بما يشمل الكثيرة و المتوسطة و لم توجب الحكم بالوضوء
بخلاف بقية الروايات، فانّها توجب الوضوء.
و عليه ينتج الحكم بوجوب الوضوء للقليلة و الغسل للمتوسطة و الكثيرة و
يكون بذلك صورة جمع بين الروايات. و هذا ما عليه مسلك المشهور.
فالاولى: ان تتلوث القطنة بالدم من غير غمس فيها، و حكمها وجوب الوضوء
لكل صلاة فريضة كانت أو نافلة(1) و تبدل القطنة أو تطهيرها.
»
الوسائل، باب 17، ابواب الحيض، ح 1.
»
الوسائل، باب 5، ابواب النفاس، ح 2.
|