فصل في تغسيل الميّت

           يجب كفاية تغسيل كل مسلم سواء كان اثني عشريا(1) أو غيره(2) لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثني عشري

تغسيل الميّت

          (1) وهذا ما عليه ضرورة المذهب بل يستفاد منه ضرورة الدين.

          (2) وهو ممّا عليه المشهور وهذا ما ذهب اليه جماعة كالشهيد في الذكرى وفي نهاية الاحكام والتذكرة عليه الاجماع، والمهم انه ممّا لا خلاف فيه في وجوب تغسيل الميّت على نحو الواجب الكفائي وان الحكم منوط في المسلم دون تغسيل الكافر حيث وردت الادلة بحسب عمومها واطلاقها كما في قول الصادق  عليه‏السلامغسل الميّت واجب[1]، وورد أيضاً في خبر ابي خالد: اغسل كل الموتى الغريق واكيل السبع وكل شيء إلا ما قتل بين الصفين[2] وبما دل على وجوب الصلاة عليه[3] وذلك بقرينة عدم الفصل بين الصلاة والغسل وقد اشكل على الأوّل بانه منساق الى اصل الشرع وفي الثاني بانه وارد للعموم بلحاظ انواع سبب الموت وليس النظر إلى انواع الاعتقاد والافراد والثالث للاجماع على امتناع الفضل فهو غير ثابت[4].

         إلا انه يمكن رد ما في الأوّل فان ما يدعى بانه وارد في مقام اصل التشريع ولبيان اصل الوجوب دون النظر فيه إلى جهة الشمول والعمومية فانّه يمكن ان يقال بان الجملة إذا اخذت ناظرة إلى جهة حذف المتعلق فانّه يفيد العموم كما ان الكلام بالنسبة إلى الثاني وهو انه في مقام بيان انواع الموت وليس لبيان انواع الموتى فانّه يقال بعدم الفرق بين الامرين بعد ارجاعهما الى جهة انتزاعية كما انه بالنسبة إلى الثالث حيث ورد الاجماع في خصوص صلاة الميّت المسلم واما تسرية الحكم إلى الغسل فان ذلك ممّا يحتاج فيه إلى الدليل، هذا مع ان ما ورد من الادلة في الغسل موجب للتنظيف للميّت وجعله اقرب إلى رحمة اللّه‏ واليق بشفاعة الملائكة ولتلاقيه وهو طاهر، كل ذلك لا يدل على شمول الحكم لهم وانما هي منصرفة عنهم هذا مع ان مثل هذه التعليلات لم يقصد بها العلة الحقيقة وانما جيء بها لبيان الحكمة، وما يدعى بامكان دعوى الاجماع على وجوب غسل غير المؤمنين فقد ثبت من قبل جملة من الفقهاء ممن يخالف ذلك بل احتمل تنزيل الوجوب في كلام المدعى على التقية، وحكي عن المفيد النص على الحرمة لغير التقية.

          واما ما يقال بانه قد وردت الادلة على حسن المعاملة مع المخالفين بل ورد بوجوب المعاملة مع المخالف معاملة المسلم[5].

          وهذا ما يدل على وجوب الالتزام وان كانت منساقة إلى دور المعاشرة حتى ورد انه لا يعامل مع موتاهم معاملة الكلاب كما ذكره الشيخ الاعظم الانصاري  قدس‏سره فانّه يقال انما كان مثل تلك الموارد لاجل حسن المدارة وهذا يختص بالامور الاجتماعية دون ما يتعلق بالامور العبادية لوجوب الغسل وما يرتبط فيه قصد القربة وعدمه هذا مع انه قد ورد عن بعض الفقهاء وان كان ذلك مخالف لما عليه معقد الاجماع حيث صرح بالبناء على كفر المخالفين وهذا ما ذكر في مبحث نجاسة المخالف واستدل في التهذيب كما ورد في المقنعة بان المخالف لاهل الحق كافر فيجب أن يكون حكمه حكم الكفار إلا انه يرد على هذا الاتجاه حيث قد اشكلنا بعدم تمامية الاستدلال وانهم المسلمون ظاهرا وان ما ذكر باطلاق الكفر عليهم لا يراد به المعنى المصطلح، والمهم انه لابد ان يغسل بعنوان المسلم للاجماع وان اختلف بالنسبة إلى تغسيله هل يغسّل غسل الولاية أو غسل المخالف نفسه لقاعدة الزموهم بما الزموا به انفسهم، إلا أن جريان القاعدة في مورد المسألة لا يخلو من نظر لان موردها انما يتم في حال ما يقع التكليف فعلاً عليهم دون ما لو كان موجها علينا، بينما المنساق من القاعدة ان يكون الثقل علينا وليس موجها عليهم هذا مع ان عموم القاعدة يحتاج إلى اقرار من عمل الاصحاب على شمولها وتعرض صاحب الجواهر  قدس‏سره الى كون التغسيل خطابا للمغسّل لا للميّت، وعليه فالقاعدة لا تجري في حق الميّت واما بناء على شمول القاعدة للميّت أيضاً إلا أنها أيضاً محل المناقشة في ناحية الصغرى وذلك لأنّ الميّت يرى الالتزام في حال صحة الغسل من قبل الحي الّذي هو مثله دون ما لو كان المغسل شيعيا حيث لا يعترف بصحة عمله واما لو كان النظر إلى المغسل بالنسبة إلى ولا يجوز تغسيل الكافر(1) وتكفينه ودفنه بجميع اقسامه من الكتابي والمشرك والحربي والمغالي والناصبي والخارجي والمرتد والفطري والملي إذا مات بلا توبة،

المخالف فيكون بحسب نظر الشيعي عدم صحة غسل السني لما يعتقده أن اتيان العمل لابد من قصد القربة وهو فاقد له وعليه فإن القاعدة انما تتم في حال كون المغسل مخالفا لما يصح الانطباق عليه.

          واما اجراء الغسل على طريقة اهل الخلاف بما انه في حال التقية فذلك بناء على ان تغسيله بنحو انقلاب الحكم الواقعي الأوّلي إلى الحكم الثانوي فيحدث بذلك غسلاً واقعيا له دون مجرد الحكم الظاهري أو يقال بتمامية الغسل لأجل المداراة و انّه ممّا يترتب عليه آثاره بذلك اللحاظ هذا ما عليه جامع المقاصد و انّه أمر بتغسيل موتاهم وهذا ممّا يوجب ترتب الاثر وبذلك لا يجب الغسل بمسه كما انه من حيث الارجاع إلى السيرة وان كان البناء على ما اسلفناه فان القاعدة لا تنطبق على مورد البحث لأنّ التغسيل إذا قدّر في حال التقية فيختلف بحسب المباني واما السيرة فتحتاج إلى الاقرار من فعل الاصحاب وعلى أي حال لو قدّر ان المخالف غسل مخالفا مثله ولم يأت بشروطه الصحيحة عند المخالف فهل يجب على الامامي ان يعيد الغسل مرة أخرى على طبق المخالف أو يجتزء به وان كان فاقدا للشروط.

          (1) الكافر ممّا يعم بالاصل المشرك والكتابي أو بالتبع كالارتداد الفطري والملي أيضاً ما لم يرجع الى التوبة، أو ما كان معتقدا بالوهية الامام علي  عليه‏السلام أو ما كان ناصبيا وهو الّذي يظهر البراءة من الامام علي  عليه‏السلام أو يسبه، وكذا الخارجي الّذي يعتقد بعدم أحقية الامام علي  عليه‏السلام في قضية التحكم بين الحكمين فان الجميع محكومون بالكفر فلا يجوز غسلهم وهذا ما يدل عليه قوله تعالى:«وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ»[6]، بالاضافة إلى موثقة عمار عن الصادق  عليه‏السلام عن النصراني يكون بالسفر وهو مع المسلمين فيموت قال  عليه‏السلام : لا يغسله مسلم ولا كرامة ولا يدفنه ولا يقوم على قبره وإن كان أباه[7].

         وأيضا بما ورد في احتجاج الإمام الحسين  عليه‏السلامعلى معاوية عليه الهاوية وقوله  عليه‏السلام : لكنا لو قتلنا شيعتك ما كفناهم ولا غسلناهم ولا صلينا عليهم ولا دفناهم.

          بالإضافة إلى دعوى الإجماع وفي مورد الشك الأصل جريان البراءة عن وجوب غسله وتجهيزه، وأما ما يقال بأن الإسلام بني على الرحمة والسلم والمحبة فكيف يتعاطى مثل ذلك بترك الكافر ولا سيما ممّا يوجب في ترك غسله ودفنه نشر الأوبئة والاسلام يحافظ على مثل ذلك، وبما أن رسالته عامة و انّه كما ورد في قوله تعالى:«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» فإنه يقال بأن الإسلام وإن بُني على الرحمة والعطف والمحبة ولكن الكافر لما اصرّ على عناده وعدم رجوعه إلى جادّة الحق والصواب فلابد أن يؤاخذ باشد الأحوال ويحاسب الكافر على طبق نفسيته وأما بالنسبة إلى ترك ما يستلزم منه نشر الأوبئة فلو علم بأن ترك دفنه يستلزم منه التلوث البيئي فالإسلام حريّ بذلك فيوجب دفنه بالعنوان الثانوي وليس بالعنوان الأولي.

واطفال المسلمين بحكمهم(1) واطفال الكفار بحكمهم(2) وولد الزنا من المسلم بحكمه ومن الكافر بحكمه(3) والمجنون ان وصف الاسلام بعد بلوغه مسلم وان وصف الكافر كافر،

          (1) حيث ان اطفال المسلمين محكومون تبعا بحكم آبائهم فيجب تجهيزهم من جهة الغسل والكفن والصلاة عليهم في بعض الاعمال المشرعة في حقهم والدفن كل ذلك للاجماع والسيرة القطعية والاخبار الواردة في تغسيل الصبي والصبية والصلاة على الصبي إذا عقل ولا تشرع الصلاة عليه إلا بعد تغسيله.

          (2) كما إن اطفال الكفار بحكم التبعية لآبائهم أيضاً من الآثار اللاحقة لهم مثل النجاسة وعدم جواز تجهيزهم وذلك بالإمكان عن طريق الاستدلال بالسيرة من كافة المسلمين حيث لم يسمع من أحد أنه تصدى المسلم لتغسيل ولد الكافر في عصر من العصور أو في زماننا أيضاً.

          (3) لأنّ ولد الزنا راجع إلى ابويه عرفا وليس رجوعه لهما بنحو الأمر الشرعي كما هو المقرر في محله ولذا بالنسبة إلى ولد الكافر عن زنا فإنه أيضاً محكوم بالتبعية ولا يلحق به شرعا لأنّ الأديان السماوية كاليهودية والنصرانية لا تقر به ولدا شرعا وإن اقرت به القوانين المسيحية ولكن ذلك ليس بنحو الأمر التشريعي.

          والمهم ان ولد الزنا من المسلم اما ان يلحق به شرعا وحقيقة بالاضافة إلى كونه ولدا عرفا وهذا ما عليه رأي السيد الاستاذ  قدس‏سره[8] كما ان الاتجاه المعاكس يرى بأنه يلحق به عرفا دون الالحاق به شرعا وحقيقة وهذا ما عليه المختار وان اتصل جنونه بصغره فحكمه حكم الطفل في لحوقه بأبيه وامه(1) والطفل الاسير تابع لآسره ان لم يكن معه ابوه أو امه بل وجده أو جدته(2)

 

لدينا بان قلنا بان ولد الزنا لا يجوز له ان يتزوج امه أو اخته او عمته او خالته او سائر ما يطلق له بالمحارم العرفية كما لا يجوز للاب ان يتزوج ابنته لانها بنته عرفا وان لم تكن ابنته شرعا ولكن يترتب عليه من حيث الاثار فيحكم عليه باحكام الاسلام والّتي من جملتها وجوب تغسيله.

          كما ان ولد الزنا من الكافر فهو محكوم بالكفر فيترتب عليه احكام الكفر تبعا له من ناحية انعقاد النطفة فيحمل على نجاسة نطفة الانعقاد وبنجاسة المعتقد.

          (1) لأنّ تحقق الجنون أمر عرضي فاذا كان قبل عروض الجنون مسلما فهو محكوم بالاسلام من غير فرق بين الجنون الادواري أو الاطباقي في حال موته فيحكم عليه بالاسلام كما ان الحال بالنسبة إلى الكافر أيضاً يحكم عليه بالكفر وتترتب عليه آثار الكفر كذلك .

          ثم ان عروض الجنون على الشخص ان كان بالغا فهو مسلم ويكون جنونه العارض عليه ممّا يطلق عليه بالمسلم المجنون وكذا بالنسبة إلى الكافر إذا كان بالغا يطلق عليه بالكافر المجنون واما لو كان عروض الجنون قبل البلوغ فهو تابع لابويه في ناحية ترتب الآثار عليه فلا يحكم عليه بالغسل ولا بالدفن وذلك بالنظر إلى الحكم المولوي الاولي، ولكن لايمنع عليه بالدفن بالحكم الثانوي كما اسلفناه.

          (2) وذلك بما ان المناط في الاسير ان كان مع ابيه وامه وجده أو جدته فهو تابع لهم بحكم التبعية ومحكوم بالكفر ومع فقدهم فالتبعية تلحق بالآسر، وقد أشرنا اليه في بحث النجاسات والمطهرات، و انّه على الخلاف بان الاسير تابع للابوين ولقيط دار الاسلام بحكم المسلم(1) وكذا لقيط دار الكفر ان كان فيها مسلم يحتمل تولده منه،

 

أو يلحق بالآسر مطلقا من غير الارجاع إلى التفصيل فيما لو كان مع الابوين يلحق بهما ومع عدمهما يلحق بالسابي كل ذلك قد حررناه في بحث النجاسات فراجع.

          (1) بما انه في دار الاسلام فيحكم عليه بالاسلام واما لو كان الطفل لقيط دار الكفر فان احتمل ان يكون متولدا من المسلم وان المسلم كان متوطنا في دار الكفر فيحكم عليه بالاسلام أيضاً وكذا لو كان المسلم اسيرا أو كان ممّا احتمل تولد الطفل منه فانّه يحكم عليه بالاسلام وان لم يحتمل تولده منه فيلحق بالكافر أو ان المورد بما انه خاضع لآسره فيكون محكوما له بناء على تمامية صدق السبي له أو كون المناط في الرجوع إلى التبعية للآسر بما انه يعكس دور الحاكمية وليس لمطلق التبعية للابوين.

           والمهم ان لقيط دار الاسلام بحكم المسلم فهو ما عليه المشهور وان هذه المسألة ممّا لا خلاف فيها وادعى على ذلك الاجماع وذلك على فرض كونه كاشفا عن رأي المعصوم عليه‏السلام .

          إلا أن يقال بانه يمكن ان يحكم على لقيط دار الاسلام تحت الضابطة العامة بأنه يجب تغسيل كل ميت وان لقيط دار الاسلام من جملة تلك المصاديق الّتي يجب غسلها لانطباق كبرى الميّت عليه .

          فانّه يقال ان المورد من باب التمسك بالعام في الشبهة المصداقية حيث يحتمل أن يكون اللقيط ولد الكافر فلا يمكن ان يحكم على صحة العموم وقد اشار السيد الاستاذ  قدس‏سره إلى ان الملاك في الشبهات المصداقية ليس راجعا إلى الشك في التخصيص ليدفع بأصالة العموم وانما هو من جهة الشك في انطباق عنوان الخارج عن المشكوك فيه ولا يمكن معه التمسك بالعام[9].

         واما ما ورد ان كل مولود يولد على الفطرة أو قوله تعالى:«فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا»[10]، وان احتمل ان يكون مثل ولد اللقيط في اصل خلقته وتكوينه ممّا بنى على الفطره وان الدين عند اللّه‏ الاسلام ولكنها منصرفة إلى التوحيد ولا يراد به فطرة الاسلام بالمعنى المصطلح إلا أن يقال بأنه ورد ان كل مولود يولد على الفطرة إلا ان ابويه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، وهذا ما يؤكد على ان الطفل في اصل خلقته بعيد عن كل الصراعات العقائدية والدينية وهو بحسب فطرته يسير على طبق الاسلام الواقعي إلا ان التغيير يقع من قبل البيئة أو كما ورد في قوله تعالى اخبارا عن ابراهيم  عليه‏السلام «كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ»[11]، فان كل ذلك ممّا يؤكد على ثبوت الاسلام في واقع الانسان وفطرته .

          إلا انّه يقال بانه لولا دعوى الاجماع والنقل بعدم الخلاف بانه يحكم عليه بالنجاسة فالادلة بحسب ظاهرها قابلة للحمل على قول المدعى إلا ان الكلام على نحو التفصيل في المقام لأنّ سلسلة الانبياء كلهم في مقام عرض واقع الاسلام على اختلاف في ناحية مراحل التشريع وإلا فكلهم على نهج واحد وان الدين عند اللّه‏ الاسلام في كافة الاديان ترمز إلى خط واحد من غير اختلاف في ناحية جواهرها وان اختلفت في ناحية التفريعات بلحاظ الظروف والازمان وان ما جاء به ابراهيم عليه‏السلامليس محض التوحيد كما تصوره السيد الاستاذ  قدس‏سرهبل انما هو لبيان
جوهر الاديان تحت عنوان كبروي عام لجميع سلسلة الانبياء ولذا تجد مثل شعيب ويعقوب ويوسف  عليه‏السلام كلها تؤكد على دين ابراهيم عليه‏السلام وهكذا الحال إلى جد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهفانهم مؤمنون بدين ابراهيم عليه‏السلام كل ذلك يكشف عن التزام الابناء بالعنوان الكبروي العام لسلسلة الانبياء ولم يكن هناك اختلاف جوهري فيما بين الاديان.

          وعليه يكون الطفل محكوما بالاسلام الواقعي دون الاسلام الظاهري ولكن مسألة الطهارة والنجاسة مرجعهما إلى عالم التشريع المنبثق من واقع التشريع الّذي يكون تابعا لابويه ولا يترتب عليه بالاسلام الواقعي وهذا نظير ضمان الطفل عندما يتلف شيئا فانّه ضامن واقعا وان سقط عنه التكليف بالفعل لحديث الرفع.

          وبالجملة ان كافة الانبياء تشترك تحت الاصول الكلية العامة من التوحيد والنبوة والعدل الإلهي والاعتراف بالمعاد بالاضافة إلى الرجوع في ناحية الاصول التشريعية العامة وان اختلفت مسيرة بعض الانبياء عن بعض في جهة التفريعات وهذا لا يضر في اصل الموضوعات العامة الّتي اشترك فيها عامة الانبياء.

          ويتضح من هذا العرض انه لابد من الرجوع إلى المبنى سواء كان بالنسبة إلى عنوان الطفل المسلم أو الطفل الكافر وان الحكم الشرعي ممّا يترتب تارة على عنوان المسلم كما اشترط في جواز تزويج المرأة أن يكون الرجل في الكفاءة بعنوان المسلم و انّه لا يجوز تزويج المرأة غير المسلمة فان كل ذلك كاشف عن الرجوع إلى العنوان دون ما يترتب على المعنون ويترتب على ذلك الثمرة وهي كون المرأة لو ارادت ان تزوج نفسها من مسلم أو كافر فمقتضى الشك بالعنوان يوجب استصحاب عدم اتصافه بالاسلام فلا يصح ان تزوج نفسها منه إلا بعد إحراز موضوعه لعدم وجود حالة سابقة فيستصحب عدم الاسلام، كما انه بالنسبة إلى الكافر حيث يترتب الاثر بنجاسته كما لا يصح تغسيله ولكن كما أشرنا بان العنوان إذا اخذ كاشفا عن المعنون دون لحاظ محض العنوان فانّه لا يترتب عليه الاثر من حيث هو وعليه إذا شك في فرد بانه ممّا ينطبق عليه عنوان الكفر أو الاسلام فلا مجال لاستصحاب عدم اسلامه بملاك كون الكفر من الامور العدمية وانما هو من الامور الوجودية بلحاظ ارجاعه إلى تقابل العدم والملكة، حيث اخذت اعدام الملكات قسطا من الوجود كما يقال لفاقد البصر بالاعمى لأنّه ليس بمعنى عدم الاتصاف بالبصر وانما مؤداه الاتصاف بعدم البصر.

          والملاحظة لدينا في هذا العرض ان ما تصوره السيد الاستاذ  قدس‏سره من ارجاع الكفر إلى الامر الوجودي بما انه من نوع العدم والملكة لا يخلو من مناقشة اذ ملاك الامر الوجودي بحسب مدلوله المطابقي شيء وارجاعه إلى العدم والملكة شيء آخر، لأنّه بالمآل راجع إلى المدلول الالتزامي او ما نصطلح عليه بالامر التضميني لا التضمني، والمهم ان العنوان سواء كان بالنظر إلى الكفر أو الاسلام لا يمكن جريان استصحابهما إلا بالقياس إلى اضافتهما إلى المعنون في كل منهما وهذا ممّا يوجب الاستصحاب من احدهما ثبوت الطرف الآخر وهذا من نوع الاصل المثبت وهو ممّا لا يمكن الالتزام به.

          وينتج من ذلك عدم اتصاف اللقيط بالاسلام كما لا مجال لاتصافه بالكفر لأنّه من من استصحاب وجود احدهما يوجب استصحاب اتصاف عدم وجود الآخر وهو من نوع الاصل المثبت وإذا قدر تعارض الاستصحابين في ناحية كل طرف فيتساقطان فيلزم من ذلك البراءة في كلا الفردين فيوجب بذلك غسله، وكذا في عدم ولا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير والكبير(1) حتى السقط إذا أتمّ اربعة اشهر ويجب تكفينه ودفنه على المتعارف

الحكم عليه بالنجاسة وفي حال الرجوع إلى الاطلاقات مما يوجب الحكم بوجوب تغسيل كل من دار الاسلام أو دار الكفر اذا احتمل كونه من مسلم.

          (1) وذلك بما ان الحكم اخذ على نحو القضية الحقيقة فلا يفرق الحال فيه بين الصغير والكبير، وهذا ما عليه اطلاق الادلة كما انه لا يفرق بين السقط وغيره وان اشترط في السقط بما اكتمل له اربعة اشهر وهذا ما عليه في الجواهر بانه لم اجد خلافا فيه وحكي عن الخلاف الاجماع عليه بالاضافة إلى الروايات، وذلك كما ورد في رواية زرارة عن الصادق عليه‏السلام قال: السقط إذا تمَّ له ستة أشهر، وفي مرفوعة احمد بن محمد: إذا تمَّ للسقط أربعة أشهر غسل.

          وقال إذا تمَّ له ستة أشهر فهو تام، وذلك ان الحسين بن علي عليه‏السلام ولد وهو ابن ستة أشهر وأيضاً بما ورد في موثقة سماعة عن الصادق عليه‏السلام قال: سألته عن السقط إذا استوت خلقته يحب عليه الغسل واللحد والكفن ، قال: نعم كل ذلك يجب عليه.

          والمراد من مرفوعة احمد بقوله: إذا تمَّ للسقط وهو ما يصلح للحياة والبقاء وهو ابن ستة اشهر وذلك لقرينة ما في قوله: إذا تمَّ له ستة اشهر فهو تام، وذلك ان الحسين بن علي عليه‏السلام ولد وهو ابن ستة أشهر، بيان لاجل صدق التمامية على ما يصلح للحياة وان التعبير في موثقة سماعة في قوله إذا استوت خلقته تكامل صورته المادية من النطفة الى العلقة الى المضفة و بعدها الى أربعة اشهر وذلك لبيان صورة الانسان وهذا ما يدل عليه ما في موثقة ابن الجهم المروية في الكافي في باب بدء خلق الانسان من كتاب النكاح قال سمعت ابا الحسن الرضا عليه‏السلام يقول: قال ابو جعفر عليه‏السلام ان النطفة تكون في الرحم اربعين يوما ثم تصير علقة اربعين يوما فإذا كمل اربعة اشهر بعث اللّه‏ ملكين خلاقين فيقولان يارب ما تخلق ذكر أو انثى فيؤمران .

          وعليه يكون المناط في وجوب تغسيل السقط بما اكتملت جهته المادية والصورية أربعة اشهر، إلا أن شرط اربعة اشهر هل يراد به الشرط الواقعي بنحو الموضوعية أو ان الاربعة اخذت طريقا لاتمام الصورة بحيث انه لو علم بتمام الصورة قبل الاربعة لوجب تغسيله، والّذي يستفاد من موثقة سماعة في قوله: إذا استوت خلقته من غير اشتراط اربعة اشهر وهكذا بما هو ظاهر مرفوعة احمد بن محمد لاجل غلبة استواء الخلقة وليس النظر إلى اتمام اربعة ولكن حيث ذهب المشهور إلى اعتبار اربعة اشهر وهو مقتضى الاحتياط كما في ذلك.

           واما تكفينه فهذا ما عليه ظاهر موثقة سماعة في قوله  عليه‏السلام عليه الغسل واللحد والكفن[12] إلا ان صدق الكفن عليه اما بنحو العناية أو يراد به لغه بما يخالف مفهوم الكفن عليه، والمشهور هو الأوّل أو يقال بالتفصيل فيما إذا كان واصلا إلى تمام اربعة اشهر فيكفن[13].

         وهذا ما ذهب اليه المشهور واما إذا كان اقل من اربع فليف بخرقة وبذلك لا مجال لما ذهب اليه المحقق والعلامة وغيرهما من انه يلف وذلك بالنسبة إلى السقط الّذي اكتمل اربعة اشهر بل حكمه كسائر المكلفين، وأما ما دون ذلك فيلف بخرقة، وفي الفقه الرضوي كما اوجب تكفينه لعموم وجوب تكفين الميّت كما وجب تحنيطه واليه ذهب جماعة أيضاً.

لكن لا تجب الصلاة عليه(1) بل لا تستحب أيضاً، واذا كان السقط اقل من أربعة اشهر لا يجب غسله بل يلف في خرقة ويدفن(2).

          (1) وهذا ممّا لا خلاف فيه فلا يجب الصلاة عليه حيث ورد انه لا يجب على الصبي الّذي لم يبلغ ست سنين كما انه لا تشرع الصلاة عليه استحبابا لعدم الدليل على ذلك .

          (2) وإذا كان السقط اقل من اربعة اشهر فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه وهذا ممّا عليه مذهب العلماء كما ذهب اليه في المعتبر ومن غير خلاف كما في الجواهر، ويستفاد بما في مكاتبة محمد بن الفضيل عن الباقر  عليه‏السلام عن السقط كيف يصنع به فكتب اليه: السقط يدفن بدمه في موضعه وذلك بالحمل عليها بما دون الاربعة اشهر .

          ويتضح انه يفرق بين ما كان بعد الاربعة اشهر فانّه ينفخ فيه الروح بخلاف ما دون ذلك وهذا ما ذكره الشيخ الانصاري  قدس‏سره في رسالته في مبحث الطهارة وذكر بان ذلك مبني على ما يظهر من النبوى المحكي انه إذا أبقي اربعة اشهر ينفخ فيه الروح وان كان في نظر علماء الطب خلاف ذلك حيث يرون ان الروح تولج قبل الاربعة هذا كله بناء على ان مقالة الاطباء حجة وإلا فالمرجع إلى الروايات فانها اقوى ولعلهم لا يفرقون بين ولوج الروح كمادة بخارية محركة للجسم وبين نمو الجسم عن طريق الجينات وما فيها من النمو في ناحية الحركة في ذات الجسم، وهو ممّا يختلف حقيقة عن طبيعة الروح وجوهرها.

          والمهم ان جهة الفرق بين السقط بما انه قد ولجته الروح بالفعل أو ان الاعتبار بما يكون اطلاق الميّت عليه عرفا أو حقيقة أو شرعا، الظاهر عدم صدق الميّت على السقط فلا يطلق عليه بالميت عرفا.


[1]» الوسائل باب1 غسل الميّت ح 1 . 

[2]» الوسائل باب 14 غسل الميّت ح 3 .

 [3]» الوسائل باب 37 صلاة الجنازة.

 [4]» نقلاً عن المستمسك ج 4 ص 65 .

 [5]» الوسائل باب 1 من أبواب احكام العشرة.

 [6]» التوبة / 84 . 

[7]» الوسائل باب 8 من غسل الميّت ح 1.

 [8]» التنقيح ج 8 ص 89 .

 [9]» التنقيح ج 8 ص 91 .

 10]» الروم / 30 .

 [11]» آل عمران / 67 .

 [12]» الوسائل باب 12 غسل الميّت ح 1 .

 [13]» الفقه الرضوي ص 19 .