|
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ
قوله تعالى «كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» ـ ذكر في
المجمع قلنا لهم كلوا من الشيء اللذيذ وقيل المباح الحلال وقيل المباح الّذي يستلذ
أكله الّذي رزقناكم ـ أي أعطيناكم وجعلناه رزقاً لكم.
قوله تعالى وما ظلمونا ـ أي نقصونا بكفرانهم لأنعمنا التي انعمنا به على
بني الإنسان قوله تعالى ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ـ أى ينقصون وذكر معنىآخر وهو
عبارة وما ضرونا ولكن كانوا أنفسهم يضرون.
قوله تعالى «وَإذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ» يراد من
الدخول الاقتحام والولوج وان الفرق بين الدخول والاقتحام ان الثاني دخول مع صعوبة
والأول دخول من غير صعوبة.
والمراد من القرية في هذه الآية بيت المقدس كما يدل عليه قوله تعالى
إدخلوا الأرض المقدسة وقيل أنها أريحا قرية على مقربة من بيت المقدس وكان فيها
بقايا من قوم عاد وهم العمالقة.
قوله تعالى فكلوا منها حيث شئتم ـ أي كلوا أين شئتم رغداً بمعنى أنكم في
سعة لكم الحق في الاستمتاع بما شئتم من طعام القرية بعد المن والسلوى وذكر أنه ذكر
لهم على نحو الإباحة لغنائمها وتملك أموالها.
قوله تعالى إدخلوا الباب هو إشارة إلى باب مخصوص أو باب حطة من بيت
المقدس وهو الباب الثامن كما ورد عن مجاهد وقيل باب القبلة التي كان يصلي إليها
موسى عليهالسلام وبنو إسرائيل وقال جماعة هو باب القرية لأنهم لم يدخلوا القرية
فى حياة موسى.
قوله تعالى سجداً اشارة إلى أنه يراد به عند الدخول لابد أن تركعوا
وتسجدوا وهو عبارة عن شدة الانحناء كما ورد عن إبن عباس وقال غيره ان معناه إدخلوا
خاضعين متواضعين وذكر فى المجمع وقيل معناه ادخلوا الباب فإذا دخلتموه فاسجدوا
للّه سبحانه شكراً.
وكلمة حطة كما ذكر الحسن وقتادة وأكثر أهل العلم معناه حط عنا ذنوبنا وهو
أمر بالاستغفار قوله تعالى «وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ» سنزيدهم فوق ما
يستحقونه من الثواب على نحو التفضل منه دون الاستحقاق.
قوله تعالى «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي
قِيلَ» الخ.
تشير الآية تارة الى ناحية التشريع مقابل التشريع الآخر وأخرى لمجرد
المخالفة لأحكام اللّه أعم من التشريع وغيره وبما أن الآية ناظرة إلى كلمة التبديل
وجعل قول محل قول آخر يقصد به التشريع وهو محرم ولكن اختلف في موضوع ذلك المبدل وهو
الغير بما هو قيل انهم قالوا بالسريانية (ها طا ـ سما قاتاه) أو حطا سماقاتا ومعناه
حنطة حمراء بها شعيرة وكان قصد السخرية وعدم التوجه لما أمروا به أو قصد بالتعبير
بالحنطة لقصد التجاهل والاستهزاء وقد طلب منهم أن يدخوا الباب سجداً وطؤطر لهم
الباب ليدخلن كذلك فدخلوه زاحفين على استاههم فخافوا في الدخول
وان كان بحسب التصور هو المعنى الثاني إذ التبديل قد ورد في قوله تعالى «يُرِيدُونَ
أنْ يُـبَدِّلُوا كَلامَ اللّهِ» وهو معنى إتيان العقل على نحو المخالفة
المطلقة لا بمعنى التشريع هذا مع أن الحطة كلمة عربية فلم يعرفها السريانيون وإنما
بمعنى ما يؤدي مؤداها.
والمهم أن ما ذكر في قوله تعالى «وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّدا»
فمثل ما ورد عن إبن عباس والضحاك ومجاهد وقتادة إنه باب يدعى الحطة من بيت المقدس
وذكر معنى آخر وهو يعني بالباب جهة من جهات القرية ومدخلا إليها كما أنه اختلف في
مفاد السجود فقال الحسن البصري أراد به نفس السجود الّذي هو الصاق الوجه بالأرض
ولكن يمكن مخالفته كما ذكره الفخر ان الظاهر يقتضي وجوب الدخول حال السجود أو يراد
من السجود معنى الركوع كما ورد ذلك عن ابن عباس.
ثم ان قوله تعالى «وَقُولُوا حِطَّةٌ» وهو أنه بعد أن تم الحكم
عليهم بالسجود على اختلاف أنواعه والمفاد الكلي هو الخضوع والتذلل للّه فيكون
الدخول موصوفاً بالخضوع مقروناً بالتوبة لتحط ذنوبهم عندما يلتمسون اللّه بحط
ذنوبهم التي مارسوها.
ولكن الكلام في تحديد هذه اللفظة بنفسها أو بغيرها من مؤداها فان المروي
عن إبن عباس إنهم أمروا بهذه اللفظة بعينها وإن كان من المحتمل خلاف ذلك لأن كلمة
حطة عربية وهم يتكلمون السريانية فلم تكن موافقة في ناحية نفس اللفظ وإنما المراد
مما يؤدي مؤدي حطة مقرونة بالتوبة والندامة.
قوله تعالى «نَغْفِرْ لَكُمْ» وهو أنه بعد أن تقدموا إلى الباب
والدعاء بالحط عن تلك الذنوب الّتي اقترفوها يكون الدليل الامتناني من اللّه عليهم
ان يغفر لهم تلك الذنوب ويكون قبول التوبة واجباً عقلاً وليس بخطاب شرعي ولذا لا
ينافي ذكره في معرض الإمتنان.
قوله وسنزيد المحسنين ـ يطلق كلمة المحسن على من فعل الإحسان للغير أو
يراد بالمحسن فاعل إحسان الطاعة والإنقياد فيكون محسناً لنفسه على عدم الإساءة
فتكون الزيادة منه سبحانه لفاعل الإحسان إحساناً منه على غيره كما يدل عليه قوله
تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ـ بمعنى المجازاة في الإحسان بأكثر مما صنعوه بغض
النظر عن طبيعة الإنسان هل من سنخ نفس ذلك الإحسان أو من غير نوعه.
قوله تعالى «الَّذِينَ ظَلَمُوا» بيان لما أقدموا عليه من
المخالفة في مؤدى التبديل فيكون ذلك ظلماً لأنفسهم.
قوله تعالى «فَأنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزا مِنْ
السَّمَاءِ» ذكر الزجاج ان الرجز والرجس معناهما واحد وهو العذاب.
قوله تعالى «بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ» المعنى أنهم الخارجون عن
الطاعة والدخول في المعصية وورد ان كلمة الفسق الخروج المضر يقال فسقت الرطبة إذا
خرجت من قشرها وفي الشرع عبارة عن الخروج عن الطاعة الى معصيته.
|