سؤال تنويع الطعام

          بما أن طبيعة الإنسان يحتاج إلى تعدد أنواع الطعام فإذا استمر على طعام واحد في ظرف اسبوع يصيبه الملل وعدم الاشتهاء بل ربما تكون النفس يصيبها رد الفعل وعدم التقبل من ذلك الطعام فكيف والحال أنهم قد استمروا بأكل المن والسلوى بمقدار أربعين سنة في فترة التيه فكان اشتهائهم لأطعمة متنوعة بمقتضى الطبيعة البشرية ولم يطلبوا غير ما هم عليه ويقال ان الإنسان يمضي على ما تعود عليه ولو كان ذلك الشيء غير مرغوب عند الآخرين.

وعليه مما يفرض في طلبهم على نحو المعصية ربما يقال ان تبديل النوع بنوع آخر لم يخرج عن دائرة العقلاء والقرآن لم يورد ما ينافي ذلك.

وعليه ما هو قوله اهبطوا مصراً هل قصد به المعصية أو أن ما يدل عليه قوله فإن لكم ما سألتم لا يثبت المعصية وإنما هو من نوع الإجابة على الطلب وليس من نوع المعصية وتأخير الاستجابة ربّما يقع لأغراض عقلائية كما في قوله تعالى «وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤِهِ مِنْهَا» .

          ثم ان قولهم لن نصبر على طعام واحد ـ وكان غرضهم طلب تنوع الطعام لما وصلوا إلى مرحلة الإشباع وقلة الرغبة لوحدة الطعام.

          إلا أنه ربما يقال بأن تقديم السؤال على نحو الإنكار فيه دلالة على المعصية كما في قوله تعالى اتستبدلون الّذي هو أدنى بالذي هو خير ـ فان ما بنى على مثل أكل المن

والسلوى فى واقعهما هو خير وافضل مما تستبدلونه فى مثل البقل والقثاء والفوم والعدس وبما أنه في علم اللّه‏ ان ما استبدلوه لم يكن فيه مصلحة لهم ربما يقال فان الاستفهام كان انكارياً وهو مما يدل على المعصية.

          ولكن يمكن دفع جهة العصيان لأن طلبهم لم يكن عن عدم استجابة وإنما كان للكشف عن عدم إمكان استمرارية ذلك لعدم تقبل نفوسهم بحسب العادة البشرية فقالوا لن نصبر على طعام واحد بما أن (لن) تفيد النفي فى المستقبل وأنهم لم ينكروا حكم اللّه‏ في حقهم وإنما أرادوا بيان الكشف عن عدم استجابة نفوسهم في ما يكلونه في المستقبل لرفض نفوسهم وحصول الملل من طعام واحد[1].

وان كان بحسب تصورنا ان كشف السلوك في عدم الاستجابة في نوع من الطعام يثبت الكشف عن هوية عدم التقبل في الأحكام ويكون ذلك من نوع المعصية وان التعبير في قوله تعالى أ تستبدلون الّذي هو أدنى بالذي هو خير وطلب ما هو أدنى فيه دلالة على عدم إدراك المصلحة ولا سيما أن الأوامر والنواهي تابعة للمصالح والمفاسد في المتعلق دون الخطاب على خلاف من يذهب إلى أن المصالح والمفاسد قائمان فى ذات الخطاب كما عليه الخط الاشعري.

          ثم ان قولهم لن نصبر على طعام واحد بيان عن وحدة النوع في الطعام وليس لبيان وحدة النهج والعادة لأن ما تقتضيه نفوسهم في ناحية الاشمئزاز وحدة النوع والحقيقة ووحده النهج إنما يكشف عن حالة السلوك ويبدو من العجز عدم الثقافة إلى أن وحدة النهج ترتبط العالم الحالة الإجتماعية في دور الممارسة في نوعية العمل الواحد وهم غير ناظرين إلى هذا الجانب لأن غرضهم طلب المأكل المتحد في الحقيقة دون الإنكار على وحدة النهج في العمل الّذي يمارسونه.


 

[1] . تفسير فخر الرازي ج1 ص99.