قراءة مصر

          وردت القراءة للفظ مصر تارة بالتنوين وهو قراءة مشهورة وأخرى تقرء من

غير تنوين كما ورد عن ابن مسعود وأبي ابن كعب من غير تنوين وفي قوله تعالى «اهْبِطُوا مِصْرا» ذكر الحسن الألف في مصرا زيادة من الكاتب.

 

مصر الفرعونية أو مصر البلد

           اختلف في إطلاق كلمة مصر هل يراد بها الفرعنة فإذا قرءت من غير تنوين فيراد بها الفرعنة لأنها معرفة وإذا قرءت منونة يراد بها البلد وحيث انهم قد منعوا عن دخول الأرض المقدسة كما ورد في قوله تعالى «فَإنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ» فيمكن ان يراد بمصر هي المعهودة دون مطلق البلد الا أن مثل هذا الاستظهار غير واضح الدلالة.

 

الأصل الاجتماعي

          مما تدل عليه الظاهرة القرآنية في هذه الآية إنها تعكس طبيعة الممارسة في نمط معين من المأكل والمشرب قد تحكمت الظروف البيئية كما هو الحال في مثل عروض المجاعة لمجتمع أفريقيا عندما أصابهم الجفاف وقلت الأمطار فإذا قدر أن استمروا بطعام معين أو شراب من الآبار التي تجمعت فيها الارواث فذاك لحالة بيئية عرضية وليست بئية طبيعية وحيث ان بني إسرائيل إصيبوا بالتيه لمدة أربعين سنة ولم يكن لهم مستقر ومستودع فينتقلون ليل نهار فلم يمتلكوا الطعام والماء كل ذلك بما كسبت نفوسهم من اظهار العصيان والطغيان لأحكام اللّه‏ وعدم الخضوع لأوامره ونواهيه.

          ثم توجه البيان الإلهي أنه في حال تغيير وضعكم المعيشي وارادة التبديل من الفيض الإلهي إلى الرجوع للحالة الإجتماعية السائدة فقال لهم اهبطوا مصرا وتطلعوا عن الحياة الإجتماعية العامة وخذوا بمسألتكم من طلب التغيير في المأكل والمشرب.

          وقد أوضحت الآية عن الأدوار التي يمارسونها في المجتمعات السابقة من قتل الأنبياء وعدم الاستقامة في أفكارهم والاثارة في انفعالاتهم المرتجلة وتعديهم على
كرامة الآخرين فكان جزاؤهم الذلة والمسكنة والغضب الإلهي سواء كان في عالم الدنيا أم الآخرة كما أن الآية تشير إلى نكتة اجتماعية هامة وهي أن ما تستقر عليه الحياة البيئية من نمط معين في المأكل والمشرب فإذا أراد تغيير ذلك النمط لابد أن يغير الحياة البيئية أيضاً لأن التوافق بين البيئة التي يعيشها من المأكل والمشرب تتناسب مع الحياة البيولوجية في جسمه فإذا غير هذا النمط من الطعام لابد أن يغير الحياة البيئة أيضاً وهذا ما تدل عليه الآية في قوله تعالى لن نصبر على طعام واحد وقوله تعالى «أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدْنَى» وقوله تعالى «اهْبِطُوا مِصْرا» إذ مفاد الآية الأولى تغيير في الطعام والثانية تشير إلى التغيير في الأدنى من الطعام كل ذلك في ظروف التيه والضياع والآية الثالثة تغيير في البيئة من التيه إلى الانتقال إلى مصر وهي البلاد الأخرى فكان نظر القرآن إلى التجانس البيئي فان له الأثر في ناحية التفاعل وحصول الملائمة.

وعليه تكون هذه الآية متجهة إلى الكشف عن دورين في الحياة الإجتماعية.

1 ـ العادة

2 ـ البيئة

          وان النظر إلى تأثير البيئة على العادة وتأثير العادة على البيئة وان تغيير البيئة تارة بمقياس واقعي وأخرى بمقياس طبيعي وإن الميزان في جهة الحاكمية على وجود الأمر الواقعي دون الأمر الطبيعي لأخضاع الطبيعة تحت المقياس الواقعي الّذي يحدد من قبل اللّه‏ في اخضاع الطبيعة تحت الوجود الواقعي الّذي تشير الآية بقوله تعالى «أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[1].

 

الأصل الاجتماعي

          مما يمكن ان يلتفت إليه ان الآية الكريمة تشير إلى دور آخر وهو التغيير الإجتماعي وهو أن يسير عليه سلوك الإنسان تارة على نحو الوضع الاجتماعي العام فمثل المأكل والمشرب أو اللباس أو تحقق نمط من الأخلاق الإجتماعية فإنه ينتهج
نمطاً من الحياة الاجتماعية العامة وأخرى يحدث بذلك التغيير لظروف عارضة فيحدث حركة تغييرية فإذا أصيب المجتمع بحالة طارئة كالهجرة أو الانتقال من بيئة إلى بيئة أخرى يوجب تغييراً في تلك الناحية ولكن مثل هذا التغيير ربما يكون ملائماً في النمط الاجتماعي وربما لا يكون ملائماً والآية ترشد إلى مثل هذا التغيير غير الملائم وإنما يجب أن يخضع تحت أمور واقعية تحدد من قبل واضعها في ناحية أصل تكوينها.

          بالإضافة إلى ما يمارسونه المجتمع الإسرائيلي من التعدي على كرامة الأنبياء وقتلهم بغير حق فإن مثل هذا العمل يكشف عن طبيعتهم الاعتدائية ولذا كان مورد سخط اللّه‏ عليهم وغضبه لامناء وحيه.

 

الأصل النفعي

          يمكن ان يقع الرائد النفعي ان حقيقة الإنسان تتطلب طلب النفع واللذة الّتي يمكن أن يتعايش معها دون إتخاذ ما لم يلائم طبيعته الذاتية فلما كان بنو إسرائيل أصبحوا في أسر الصحراء والضياع أربعين سنة اصطدموا بمخالفة طبيعتهم وعدم استجابة ما يخالف لذتهم فى الحياة وان ما يمارسونه من المأكل والمشرب خلاف تلك اللذة المرتسمة في هوية حياتهم فكان طلبهم على طبق الفطرة فلم يكن طلبهم مورد مخالفة الطبيعة البشرية فاقحامهم على اتخاذ لذة منافية لطبيعتهم خلاف المجرى الطبيعي ولا يكون ذلك من باب العدل الإلهي ان يقهرهم على أمر مخالف للحياة الإجتماعية العامة.

          ولكن يمكن رد هذا الإتجاه فان طلبهم في خلاف ما رسم لهم من المأكل والمشرب بعد أن كانوا مورد الإمتحان والغضب الإلهي فلابد أن يستجيبوا لذلك الحكم والقانون الإلهي لأنه سبحانه انما جعل مأكلهم المن ـ العسل أو مادة سكرية مقوية ـ تلائم طبيعة تلك البيئة للمقاومة في تلك الفترة والسلوى نوع من اللحم وهو ايضاً مما يلائم مزاجهم فان مثل هذا المأكل مما يعلم به اللّه‏ من وجود مصلحة فيه الّذي
لا يدركه مجتمع بني إسرائيل فكيف إذا قارنا طلبهم بالفوم وهو نوع من الحنطة أو الثوم في تفسير آخر أو العدس والبصل والبقل فإن ما أودعه اللّه‏ في المن والسلوى غذاء حيوي أعظم من المآكل المتعارفة فاللذة التي ترتسم في طبيعة الأمور العرفية فإنها أقل قيمة وأدنى مما إختاره اللّه‏ إليهم لما يعلم به من المصلحة الواقعية فاللذة الحقيقية المادية في نظر خالقها أعظم من اللذة الشائعة في تلك الاعراف السائدة في مأكلهم ومشربهم وان استحوتها عرفيا إلا أنها لا تنطوي على المصالح الواقعية التي تنعكس في طبيعتهم في تلك الظروف.

          وبالجملة عندنا اللذة على انواع:

1 ـ اللذة بما يدركه بحسب المذوق الفردي.

2 ـ اللذة بما يدركه طبيعى المجتمع البشري.

3 ـ اللذة بما تنطوي على المصلحة والملاك الواقعي ـ (اللذة المادية).

وأما اللذة غير المادية

مثل اللذة في المعرفة فهي أعمق وأتم من اللذة المادية في استمرارها وتأثيرها في نفسية الإنسان.


 

[1] . راجع بذلك كتابنا علم الاجتماع بين المتغيّر والثابت القسم الأول.