(مسألة 5) اذا خرج المني بصورة الدم وجب الغسل ايضاً بعد العلم بكونه منياً(1).

(مسألة 6) المرأة تحتلم كالرجل ولو خرج منها المني حينئذ وجب عليها الغسل و القول بعدم احتلامهن ضعيف(2).

 (1) فانه بعد احراز موضوع المني بحسب النظر العرفي دون الارجاع الى مقام الموازين العلمية في اصل صيرورة المني و كان ابتداءً من الدم او عدمه و انما الاعتبار على وجوده الفعلي بما له حقيقة عرفية فاذا اختلط لونه بلون الدم فلا اعتبار بارجاعه الى اصله بناء على انه في اصل وجوده من الدم و انما ما عليه في وصف المني من الشهوة و الخروج بدفق و فتور الجسد و مثل مجى‏ء الحمرة المختلطة مع المني مع فرض مقومية المنى من الاوصاف السابقة لا يجعل ذلك اللون له الاثر في موضوع المني حيث قد يحدث اللون باسباب كثرة الانزال و المواقعة و عندئذ لسنا في حاجة الى مقالة ما حكي عن النهاية من عدم وجوب الغسل في حال اتصافه باللونية الدمية حيث يرى انه ما لم يثبت الاستحالة الحق بالدم و انما الميزان ثبوت الموضوع عرفاً و عليه لابد من وجوب الغسل ما لم يثبت خروجه عن حقيقة المني عرفاً.

(2) من الادلة السابقة يتضح ان المرأة اذا طرء عليها الاحتلام و انها تنزل كما ينزل الرجل و انه لا فرق في وجوب الاغتسال عليها بينها و بين الرجل و لذا قال فى المدارك لا فرق في وجوب الغسل بالانزال بين الرجل و المرأة باجماع علماء الاسلام و الاخبار الواردة به متظافرة انتهى.

و ان كان المحكي في المقنع القول بعد احتلامهن و هو قول ضعيف.

و المراد بانزالهن ما يناسب الخروج على مستوى فوهة الفرج دون بما يتبادر من الانزال بالنسبة الى الرجل و هو الخرج عن مقام الآلة الى البدن.

(مسألة 7) اذا تحرك المني في النوم عن محله بالاحتلام و لم
يخرج الى الخارج لا يجب الغسل كما مر(1) فاذا كان بعد دخول الوقت و لم يكن عنده ماء للغسل هل يجب عليه حبسه عن الخروج؟ او لا؟ الاقوى عدم الوجوب و ان لم يتضرر به بل مع التضرر يحرم ذلك فبعد خروجه يتيمم للصلاة نعم لو توقف اتيان الصلاة في الوقت على حبسه بان الم يتمكن من الغسل و لم يكن عنده ما يتيمم به و كان على وضوء بان كان تحرك المني في حال اليقظة و لم يكن في حبسه ضرر عليه لا يبعد وجوبه فانه على التقادير المفروضة لو لم يحبسه لم يتمكن من الصلاة فى الوقت ولو حبسه يكون متمكناً.

 (1) الاعتبار في وجوب الغسل اذا خرج المني من الآلة الى خارج البدن و اما مجرد تحرك المني في اطار الآلة من دون الخروج الى البدن لا يجب الغسل و لا يصدق عليه عنوان الجنابة من دون فرق بين الرجل و المرأة الا ان الرجل يعقبه الخروج عن دفق ولكن المرأة يكون خروج منيها مع الشعور بالتلذذ و ان كان باقياً في الرحم او على فوهة الفرج ولو بمقدار يسير.

و اما اذا كان التحرك في نفس دائرة المحل من غير الخروج و ان شعر باللذة فان ذلك لا يحكم عليه بوجوب الغسل.

و اما وجوب حبسه في ظرف عدم وجود الماء فان لم يستلزم الضرر عليه فالاقوى وجوب الحبس و الا كان عليه الارجاع الى التيمم.

 

(مسألة 8) يجوز للشخص اجناب نفسه ولو لم يقدر على الغسل و كان بعد دخول الوقت. نعم اذا لم يتمكن من التيمم ايضاً لا يجوز ذلك و اما في الوضوء فلا يجوز لمن كان متوضئاً و لم يتمكن من الوضوء لو احدث ان يبطل وضوءه اذا كان بعد دخول الوقت ففرق في ذلك بين الجنابة و الحدث الاصغر و الفارق النص(1).

 (1) ان اجناب نفسه في الامور المباحة فلا يخلو الامر اما ان يكون في الوقت او فيما قبل الوقت او بعد الوقت فهذه ثلاث صور:

فان كان في الوقت يمكنه اتيان الجنابة ولكنه تماهل الى ان خرج الوقت فيجب عليه الغسل.

و اما فيما بعد الوقت او فيما قبله فان كان له القدرة على اتيان التيمم فانه يجوز له الجنابة في فرض عدم القدرة على الاغتسال. هذا مع البناء على ان التيمم واف بتمام المصلحة بغض النظر عن الارجاع الى المباني و هو ان وجوب كل واجب موقت مشروط بالوقت مطلقاً من غير فرق بين كون الوقت دخيلاً في ملاك الواجب او كان دخيلاً في المقدمات الوجوبية او يؤخذ فى الوقت على نحو حسن الخطاب او كون المبنى بان فعلية كل واجب مشروط متوقف على ما هو شرط لوجوبه على نحو ان يكون من الامور التي لها دخالة في ملاكه سواء بنحو اختياري أم غيره أو يكون البناء على ان وجوب كل مقدمة وجودية تابعةٍ لوجوب ذيها من حيث الاطلاق و الاشتراط او ان البناء على عدم فعلية وجوب المقدمة قبل فعلية ذيها الى غير ذلك من المبانى فانه متى ما ثبت في مقام الدلالة و الاثبات كما يدل عليه صحيحة اسحاق بن عمار عن الصادق  عليه‏السلام عن الرجل يكون معه اهله في السفر لا يجد الماء أياتى اهله؟ قال  عليه‏السلام : ما احب ان يعفل الا ان يخاف على نفسه.

 

قال: قلت فيطلب بذلك اللذة او يكون شبقاً الى النساء؟ فقال  عليه‏السلام : ان الشبق الذي لا يتمكن من حفظ نفسه الا بصعوبة يخاف على نفسه، قال قلت: طلب بذلك اللذة قال  عليه‏السلام : هو حلال[1]. فانها دالة على جواز الاقتراب و ان لم يقدر على الغسل.

و حمل الرواية على من كان في السفر بعيد لعدم الاختصاص بذلك لمجرد عدم القدرة على الماء كما انه لا مجال لاختصاصه بالزوجة بل يعم حتى المملوكة و المتمتع بها هذا مع فرض القدرة على الاتيان بملاك الطهارة لعدم الفوت في اتيان الواجب.

و عندئذ تدل على الجواز فيكفي صحة الجنابة مع فرض القدرة على التيمم و اما بالنسبة الى الادلة الثبوتية فقد اشرنا الى مبانيها في المجال الاصولي مفصلاً بالاضافة الى التمسك بالجواز من خلال ما تمسك به المشهور على جواز الاجناب بعد الوقت في حال القدرة على التيمم كما لا يخفى.

و اما اجناب المكلف نفسه قبل الوقت ففي حال علمه بعدم القدرة على الغسل في الوقت له القدرة على التيمم فانه جائز له ذلك و لم ينقل خلاف على ذلك و هذا بخلاف العلم في كون التأخير يستلزم منه ان يكون فاقداً للطهورين فانه يجب عليه الاحتفاظ بالقدرة على الطهارة المائية او الترابية كما يحرم عليه تفويت الوضوء قبل الوقت و اما في صورة القدرة على التيمم فيجوز له التفويت حتى في مثل اراقة الماء قبل الوقت و نحوه كما لا يفرق التفويت قبل الوقت و بعده.

 

(مسألة 9) اذا شك في انه هل حصل الدخول ام لا لم يجب عليه الغسل و كذا لو شك في ان المدخول فيه فرج او دبر او غيرهما فانه لا يجب عليه الغسل(1).

(مسألة 10) لا فرق في كون ادخال تمام الذكر او الحشفة موجباً للجنابة بين ان يكون مجرداً او ملفوفاً بوصلة او غيرها الا ان يكون بمقدار لا يصدق عليه الجماع(2).

 (1) الاصل عدم الدخول و عندئذ لا يترتب عليه حكم الجنابة و هكذا لو شك في المدخول فيه لا يجب عليه الغسل ما يحرز الموضوع.

(2) الميزان في الحكم بالجنابة هو التقاء الختانين على نحو المباشرة او مع اللف فان كلاً منهما يصدق عليهما موضوع الادخال الذي ثبت فيها عنوان التقاء الختانين او يقال ان الاعتبار هو ادخال مقدار الحشفة و ان المراد بالتقاء الختانين اخذ على نحو الطريقية لغيبوبة الحشفة كما عليه اتجاه السيد الاستاذ  قدس‏سره[2].

و هذا ما عليه ايضاً في شرح المفاتيح لكاشف الغطاء نسبته الى الفقهاء و هو كون الالتقاء بما يصدق عليه غيبوبة الحشفة.

ولكن في القواعد قال و في الملفوف نظر و احتمل في النهاية عدم حصول الجنابة به لا رب استكمال اللذة يحصل برفع الحجاب كما انه فرق بين ما لو كانت الخرقة لينة و خفيفة لا تمنع وصول بلل الفرج الى الذكر و حصول الحرارة من احدهما الى الآخر و ما ليست كذلك بحصول الجنابة بالاولى دون الثانية.

و يرد عليه ان الميزان بما يصدق عليه حد الجماع سواء كان عن طريق اللذة   

     

   (مسألة 11) في الموارد التي يكون الاحتياط في الجمع بين
الغسل و الوضوء الاولى ان ينقض الغسل بناقض من مثل البول و نحوه ثم يتوضأ لان الوضوء مع غسل الجنابة غير جائز(1) و المفروض احتمال كون غسله غسل الجنابة.

 و عدمها و ما ذهب اليه القائل بالتفصيل يناسب مقالة العامة حيث ذكر في مفتاح الكرامة ان اعتبار الخرقة ليانة و خشونة احد وجهى الشافعي.

(1) فان اخذ الاحتياط بنحو قصد الوجه و قصد الامر فيمكن الرجوع الى مقالة الماتن  قدس‏سره و اما اذا كان القصد بنحو الرجاء فلا مانع منه. هذا مع انه لو اخذ الوضوء بما انه احد اطراف العلم الاجمالي و لم يقصد فيه على نحو التشريع فلا مانع منه و انما الاشكال فيما لو علم بالوجه الذي قصد الوضوء من اجله حيث انه اذا لم يعقبه بالحدث لم يثبت لديه علم جزمي في نية الوجوب لاحتمال ان يكون جنباً في الواقع و قد اغتسل و المفروض عدم وجوب الوضوء في حال القيام بالغسل.

 

 

 

فصل فيما يتوقف على الغسل من الجنابة

 

و هي امور:

الاول: الصلاة واجبة او مستحبة اداء و قضاء لها(1) و لاجزائها

(1) الاول لاشتراط الصلاة ـ بما انها وجود عبادي عام ـ على الطهارة من الحدث سواء على نحو الحدث الاكبر كالجنابة ام الاصغر كالبول و الريح و النوم و نحوها و عليه فان الصلاة مما يتوقف على وجود الغسل و قد ثبت بالكتاب و السنة و بالاجماع.

فما دل عليه الكتاب قوله تعالى: « اذا قمتم الى الصلاة  ... و ان كنتم جنباً فاطهروا ... او لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً »[3].

و اما السنة فلتظافر النصوص الكثيرة في عدة ابواب من الفقه الشاملة للصلاة الواجبة و المستحبة الادائية منها و القضائية و ورد في قوله  عليه‏السلام : لا صلاة الا بطهور.

المنسية(1) و صلاة الاحتياط(2) بل و كذا سجدتا السهو على الاحوط(3). نعم لا يجب في صلاة الاموات(4) و لا في سجدة الشكر و التلاوة.

 (1) الثاني: مما يشترط فيه الطهارة ايضاً الاجزاء المنسية من الصلاة كالسجدة او التشهد على فرض تمامية القول بان التشهد كالسجدة مما يجب فيه القضاء لكون البناء على الاجزاء الصلاتية اخرت عن موضعها الاصلي الى موضوع آخر و بذلك يتشرط فيها كما يشترط في الصلاة نفسها من الطهارة و ان كان لفظ القضاء بالمعنى المصطلح ما كان الاتيان بالمأمور به خارج الوقت فاطلاق القضاء على مثل الاجزاء المنسية كالسجدة و التشهد يكفى اطلاق القضاء عليهما ولو كان على نحو استبدال مكان بمكان آخر و عندئذ يؤخذ وجود الشرائط التي في اصل المركب الصلاتي الى تمام الاجزاء ولو كانت متغيرة الى موضع آخر.

(2) و كذا الحال ايضاً بالنسبة الى صلاة الاحتياط فانه يشترط فيها الطهارة لذا اطلاق في قوله  عليه‏السلام لا صلاة الى بطهور و ان كان بحسب المختار لدينا ان صلاة الاحتياط مستقلة و لم تكن جزءً من الصلاة الفائتة ولكن مع ذلك يشترط فيها الطهارة من غير فرق بين القول بالاستقلال او بالجزئية.

(3) لعدم اطلاق الادلة على انهما اخذتا جزئيتين و انما المستفاد من ظاهر الروايات كونهما مرغتمتين للشيطان لتنفره من السجود فكان في حال النسيان بسبب ما اوجده الشيطان من تلاحق الصور فاوجب لدى قوته الذهنية بعداً عن الصور المستدركة فارغم بالسجود لانه ابغض ما عنده سجود العبد لربه. هذا مع ان الاصل البراءة من الحكم عليه بالطهارة.

(4) حيث ثبت من الادلة المعللة بانها دعاء و ليست بصلاة ذات ركوع و سجود و بذلك لا يشترط فيها الطهارة و هكذا الحال بالنسبة الى سجدة الشكر و التلاوة و عند الشك يكون مجرى البراءة.

الثاني: الطواف الواجب دون المندوب(1) لكن يحرم على الجنب دخول مسجد الحرام فتظهر الثمرة فيما لو دخل سهواً و طاف فان طوافه محكوم بالصحة. نعم يشترط في صلاة الطواف الغسل ولو كان الطواف مندوباً.

(1) بما ان الطواف ان اخذ على نحو المتممية في الحج او في العمرة يكون واجباً سواء كان بنحو الاصالة من حيث ذاته او من حيث كونه واجباً بالنذر كما انه يقع مندوباً و امراً عبادياً من حيث ذاته ايضاً. و هذا نظير النوافل المبتدئة الذي يكون مستحباً كما ورد الطواف بالبيت صلاة فاما بالنسبة الى الطواف الواجب فيشترط فيه الطهارة و اما بالنسبة الى المندوب فيدعى انه يؤتى به ولو كان عن حدث اصغر و ان كان البحث يستدعى طوراً من الكلام حيث يتصور على انحاء:

1 ـ اما بالنسبة الى الطواف الواجب فيشترط فيه عدم الجنابة في الطواف الواجب و هذا ما دلت عليه جملة من الروايات:

منها: صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه ابى الحسن  عليه‏السلام قال: سألته عن رجل طاف بالبيت و هو جنب فذكر و هو في الطواف؟ قال: يقطع الطواف و لا يعتد بشيء مما طاف[4].

و منها: صحيحة علاء عن محمّد بن مسلم قال: سألت احدهما  عليهماالسلام عن رجل طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور؟ قال: يتوضأ و يعيد طوافه و ان كان تطوعاً توضأ و صلى ركعتين[5].

و منها: صحيحة جميل عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام انه سئل اينسك المناسك و هو ...............  

 على غير وضوء؟ فقال: نعم الا الطواف بالبيت فانه فيه صلاة[6].

و منها صحيحة معاوية بن عمار قال: قال ابو عبداللّه‏  عليه‏السلام لا بأس ان يقضى المناسك
كلها على غير وضوء الا الطواف بالبيت الوضوء افضل
[7].

فمن مجموع هذا العرض الروائي انه يستفاد منها عدم صحة الطواف في حال الجنابة كما ان من طاف طواف الفريضة من غير طهور عليه الاعادة و اما بالنسبة الى الطواف المستحب فيعتبر فيه الوضوء كما هو الدال عليه في صحيحة علاء عن محمد بن مسلم.

هذا مع ان لسان مثل صحيحة معاوية غير منظور فيها لخصوص عنوان الجنابة لانها من حيث اصل موضوعها غير متجهة الى ناحية عنوان الوضوء و لذا ذكر الوضوء بالنسبة الى غير الواجب و عليه يكون بالنسبة الى الطواف المندوب يشتطر فيه عدم الجنابة.

و اما في صورة النسيان او الاجبار على الدخول فى المسجد الحرام و نحوهما فانه لم يشترط فيه قيد عدم الجنابة و الرجوع الى الفرق بين الطواف الواجب و المندوب بما تدل عليه صحيحة علاء عن محمّد بن مسلم[8] حيث اوجبت الاعادة في الواجب في صورة عدم الوضوء ولكنها لم توجب الاعادة فى الطواف المندوب و انما اوجبت فيه الوضوء للصلاة كما في قوله و ان كان تطوعاً توضأ و صلى ركعتين.

الثالث: صوم شهر رمضان و قضائه(1) بمعنى انه لا يصح اذا اصبح جنباً متعمداً او ناسياً للجنابة؛ و اما سائر الصيام ما عدا رمضان و قضائه فلا يبطل بالاصباح جنباً و ان كانت واجبة.

نعم الاحوط في الواجبة منها ترك تعمد الاصباح جنباً نعم الجنابة العمدية في اثناء النهار تبطل جميع الصيام حتى المندوبة منها و اما الاحتلام فلا يضر بشيء منها حتى صوم رمضان.

 (1) مما يتوقف عليه الواجب كصوم شهر رمضان و قضائه الا بالغسل فان من اصبح
جنباً في شهر رمضان و كان متعمداً او ناسياً لجنابته يوجب بطلان صومه.  و المهم ان البحث في هذه المسألة يحتاج الى رسم امور:

1 ـ النظر الى شرطية الصوم ان لا يكون مجنباً في اول دخول الفجر الصادق عليه و انما عليه الاصباح على طهارة من الحدث الاكبر بحيث ان يكون آن دخول الفجر متطهراً و هذا ما عليه المشهور و اعدى على ذلك الاجماع كما يبدو من كلمات بعض الاعلام كالعلامة في التذكرة[9] و المنتهى[10] و ابن ادريس في السرائر[11] و الشيخ في الخلاف[12] و ان كان الشيخ الصدوق ذكر في المقنع رواية يحتمل فيها عدم شرطية الطهارة من الحدث الاكبر.

و كذا ما ورد عن المحقق الاردبيلي  قدس‏سره في شرح الارشاد الميل الى عدم الاعتبار و ذكر صاحب الحدائق عن المحقق الداماد في رسالته الموضوعه في

 مسائل التنزيل اعتبار عدم شرطية الطهارة من الحدث الاكبر في صحة الصوم صريحاً[13].

الا انه يحتاج الى استعراض جملة من الروايات في ابواب متفرقة تثبت عدم البقاء على الجنابة.

1 ـ ما ورد في من نسى الجنابة حتى مضى شهر رمضان او شيء منه كما في رواية ابراهيم بن ميمون قال: سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان فنسى ان يغتسل حتى تمضى بذلك جمعة او يخرج شهر رمضان؟ قال: عليه قضاء الصلاة و الصوم[14].

2 ـ صحيحة الحلبي قال: سئل ابو عبداللّه‏  عليه‏السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان فنسى ان يغتسل حتى خرج شهر رمضان؟ قال: عليه ان يقضى الصلاة و الصوم[15].

و الاستظهار من ظاهر هاتين الروايتين بطلان الصلاة و الصوم في حال تقدم العلم و تأخر النسيان فان ذلك موجب لبطلانهما.

3 ـ عندما يكون مجنباً ثم بعد ذلك نام حتى طلع عليه الفجر و هذا ما في صحيحة معاوية ابن عمار قال: قلت لأبي عبداللّه‏  عليه‏السلام الرجل يجنب في اول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان؟ قال: ليس عليه شيء. قلت: فانه استيقظ

 

 

ثم نام حتى اصبح؟ قال: فليقض ذلك اليوم عقوبة[16].

4 ـ موثقة ابي بصير عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمداً حتى أصبح، قال: يعتق رقبة او يصوم شهرين متتابعين او يطعم ستين مسكيناً و قال: انه حقيق ان لا اراه يدركه ابداً[17]. و هي ظاهرةٌ في المتعمد في البقاء على الجنابة.

ثم الملاحظة من هذه الرواية المثبتة لاشتراط الطهارة قبل الدخول في نهار شهر رمضان و من الروايات القائلة بعدم الاشتراط و هي كما يلي:

1 ـ صحيحة أبي سعيد القماط سئل ابو عبداللّه‏  عليه‏السلام عمن أجنب في شهر رمضان في اول الليل فقام حتى اصبح؟ قال: لا شيء عليه و ذلك لان جنابته في وقت حلال[18].

الا ان هذه الصحيحة مطلقة للنومة الثانية و عدمها فيمكن ان تحمل تلك الروايات على النومة الثانية و هذه مقيدة بها على النومة الاولى و عندئذ لم تكن معارضة بينها و بين تلك الروايات و لذا فان الصحيحة تثبت القضاء و هذا لا يتم في حال النومة الثانية دون الاولى.

2 ـ صحيحة العيص بن القاسم انه سأل ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل ان يغتسل، قال: لا بأس[19].

 

 فان المستفاد من هذه الصحيحة كونها في النومة الثانية و لسانها مؤدى الاطلاق بالنسبة الى تلك الروايات الدالة على وجوب الكفارة و القضاء و بذلك يمكن حمل تلك الروايات فيما لو كان محتلماً في الليل و اما لو كان  محتلماً في النهار فلا مانع منه و عندئذ يمكن تقييد صحيحة العيص بتلك الروايات.

3 ـ صحيحة العيص بن القاسم الثانية قال سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان في اول الليل فأخر الغسل حتى طلع الفجر فقال: يتم صومه و لا قضاء عليه[20].

و ظاهرها الاطلاق بالنظر الى النومة الاولى و الثانية و عندئذ تكون بالقياس الى تلك الروايات مقيدة لها.

4 ـ رواية حماد بن عثمان انه سأل ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان من اول الليل و أخرّ الغسل حتى يطلع الفجر فقال كان (قد كان نسخة) رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يجامع نساءه من اول الليل ثم يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر و لا اقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضى يوماً مكانه[21].

فقد استفاد الصدوق  قدس‏سره من قوله اخرّ الغسل حتى يطلع عدم اعتبار الطهارة من الجنابة في صحة الصوم و يكون المؤدى ان من تعمد فى التأخير الى طلوع الفجر فانه لا يمنع من ذلك و قد حكى عن رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ذلك حيث كان يجنب فى اول الليل و يؤخر غسله الى طلوع الفجر فلا يجب عليه القضاء و لا يحكم على صومة بالبطلان.

 

 

و يرد عليه ان ما تدل عليه الرواية في الرد على ما يتعاطاة الاقشاب لا يراد بهم المؤمنون طبعاً و انما هي في بيان الحمل على التقية حيث ان من تصفح الروايات يجدها في مقام الرد على ابناء العامة و انهم لا يرون الحرمة فى الابقاء على الجنابة و لا يجيبوا القضاء بخلاف الفرقة المحقة فانهاترى حرمة البقاء و وجوب القضاء معه ثم ان التعبير (كان رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله) يراد به الاستفهام بمعنى التصور انه كان رسول اللّه‏ يجامع نساءه من اول الليل ثم يؤخر الغسل مع فرض ان النبى  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان ملتزماً بصلاة الليل فكيف تأخذه النومة الى ان يطلع الفجر.

5 ـ رواية اسماعيل بن عيسى قال سألت الرضا  عليه‏السلام عن رجل اصابته جنابة في شهر رمضان فنام متعمداً حتى يصبح اي شيء عليه قال لا يضره هذا و لا يفطر و لا يبالي فان أبي  عليه‏السلام قال قالت عايشة ان رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: اصبح جنباً من جماع غير احتلام قال لا يفطر و لا يبالي الحديث[22].

و هذه الرواية كالسابقة محمولة على التقية كما ان نقل الامام  عليه‏السلام عن عائشة كاشف عن وجود التقية و الا فلو كان لبيان الحكم الواقعي لما احتاج الى الاستناد بما حكته عائشة عن رسول اللّه‏  عليهماالسلام لان قوله كافٍ في بيان الحجية عن نفسه بما انه امام مفترض الطاعة في ناحية تشريعه.

6 ـ صحيحة جبيب الخثعمي عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال كان رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله: يصلي صلاة الليل في شهر رمضان ثم يجنب ثم يؤخر الغسل متعمداً حتى يطلع الفجر[23].

 

 

و ظاهرها انه بعد ما فرض عليه صلاة الليل و قد أداها بعد منتصف الليل الا ان وقع جنابته بعد ذلك و ابقاءه عليها يستلزم منه فعله على استمرارية الكراهة و هذا لا يتناسب مع مقام رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و عليه ايضاً تحمل على التقية كما في الروايات السابقة هذا مع إعراض المشهور عنها فتكون ساقطة عن الحجية و بذلك لابد من التمسك بقول المشهور فلإلتزام بما نعت البقاء على الجنابة حتى باللنسبة الى صوم المندوب ايضاً و بذلك يثبت ان شرطية الطهارة من الحدث الاكبر لابد من الالتزام بها و الا لأوجب فساد الصوم دون مجرد الحرمة.

و قد استدل على جواز البقاء على الجنابة حتى طلوع الفجر بقوله تعالى: « احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم هن لباس لكم و انتم لباس لهن علم اللّه‏ انكم كنتم تختانون انفسكم فتاب عليكم و عفا عنكم فالئن باشروهن و ابتغوا ما كتب لكم و كلوا و اشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر »[24].

و وجه الاستدلال أولاً قوله « احل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم»فانه بحسب اطلاق حلية الرفث ما يشمل تمام اجزاء الوقت من اوله الى آخره لان كل قطعة زمنية قد ابيح فيها الرفث.

الا انه يرد على هذا الاستدلال ان الآية لم تكن في بيان الحلية لكل جزء جزء و انما هي لبيان ما يحتمل فيه المنع عن الرفث في ايقاعه ليلاً و اذا قدر كونها ناظرة الى الحلية لكل جزء فهي بالقياس الى الاصباح يكون مقيداً بالروايات المانعة فهي و ان كانت في مقام الاطلاق الا انها مقيدة بعدم الاصباح.

 

 

 كما ان وجه الاستدلال ثانياً قوله تعالى: « فلئن باشروهن » حيث اخذت الآية مغياة بطلوع الفجر و هو ايضاً يدل على استمرارية المباشرة الى آخر الوقت من الليل و عندئذ يثبت عدم الحرمة في البقاء على الجنابة الى طلوع الفجر.

و يرد عليه ان الآية لم تكن في مقام ادخال الغاية في المعنى و انما هي لبيان اصل المشروعية في المباشرة دون ادخال استمرارية المباشرة في الجزء الآخر من الوقت فان ذلك غير منظور اليه.

2 ـ من جملة الانحاء شرط الطهارة في قضاء صوم شهر رمضان حيث ذهب المشهور الى اشتراط الطهارة من الحدث الاكبر في قضاء صوم رمضان و بذلك يمكن ان يقدم له عدة روايات.

منها: صحيحة عبداللّه‏ بن سنان انه سأل ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الرجل يقضى شهر رمضان فيجنب من اول الليل و لا يغتسل حتى يجى‏ء آخر الليل و هو يرى ان الفجر قد طلع قال: لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره[25].

و منها: صحيحته الثانية ايضاً قال كتب ابي الى ابي عبداللّه‏  عليه‏السلام و كان يقضى شهر رمضان و قال اني اصبحت بالغسل و اصابتنى جنابة فلم اغتسل حتى طلع الفجر فاجابه  عليه‏السلام: لا تصم هذا اليوم و صم غداء[26].

و منها: موثقة سماعة بن مهران قال سألته عن رجل اصابته جنابة في جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى ادركه الفجر قال  عليه‏السلام : عليه ان يتم صومه و يقضى يوماً آخر فقلت: اذا كانت ذلك من الرجل و هو يقضي

 

رمضان قال فليأكل يومه ذلك و ليقض فانه لا يشبه رمضان شيء من الشهور[27].

فمن عرض هذه الروايات يثبت لدينا ان من اجنب في الليل و استمر في جنايته الى ان طلع الفجر عليه ان يقضى يوماً آخر و اما نفس ذلك اليوم فلا يصمه لانه اخذ عنوان الاشتراط في قضاء شهر رمضان الطهارة المقيدة بخصوص ذلك اليوم و حيث اوجب عدم وجود ذلك القيد فينتقل القضاء الى فرد آخر يحل محله لتحقق عنوان البدلية في الاوقات الاخرى.

3 ـ هل يشترط اعتبار الطهارة عن الحدث الاكبر في الصوم المستحب او لا؟ الظاهر عدمه و هذا ما يدل عليه في رواية ابن بكيرٍ قال سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الرجل يجنب ثم ينام حتى يصبح أيصوم ذلك اليوم تطوعا فقال اليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار[28].

و يتضح من هذا العرض ان البقاء على الجنابة في صوم التطوع لا يثبت فيه جهة المفطرية و عليه يمكن ان يقال باختلاف ما يترتب عليه موضوع الحكم الوجوبي مع ما يترب عليه موضوع الحكم الندبي اما لجهة الضابطة الكلية للاختلاف المفهومي فيما بين الوجوب و الندب او للنظر الى جهة اختلاف المورد كما انه يستدل على جواز استمرارية الصوم ولو كان في حال الجنابة ما رواه الصدوق عن عبداللّه‏ بن المغيرة عن حبيب الخثعمى قلت لابي عبداللّه‏  عليه‏السلام: اخبرني عن التطوع و عن صوم هذه الثلاثة الايام اذا انا اجنبت من اول الليل فاعلم اني

 

 

اجنب فأنام متعمداً حتى ينفجر الفجر أصوم او لا أصوم؟ قال: صم[29]. ولكن الذي يظهر من
صاحب الجواهر  قدس‏سره ايضاً الفرق بين الواجب و المندوب و ان الاختصاص بالواجب الشامل للواجب الادائي كما في شهر رمضان و للواجب القضائي و للمعين و الموسع دون شموله للمندوب الا ان المشهور على خلاف ذلك حيث يرون عدم الاختصاص في الواجب و انما الحكم عام للواجب و المندوب.

و اما وجه الاستدلال بموثقة بن بكير الاولى و الثانية و هي عن الصادق  عليه‏السلامقال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس و هو جنب ثم اراد الصيام بعد ما اغتسل و مضى من النهار ما مضى؟ قال: يصوم ان شاء و هو بالخيار الى نصف النهار[30].

فان الاولى قد تعرضت في الجواب عن السؤال بقوله أليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار فانها في معرض السؤال عن صوم المتطوع في فرض عدم المبيت به ليلاً و ليس في مقام السؤال عن البقاء على الجنابة متعمداً و يكون المؤدى ان الجنابة وقعت ما بعد الصبح لمؤدى الاستفهام بقوله أليس هو بالخيار و ليس في صدد عنوان البقاء جنباً في حال تعمده ليلاً او انه في مقام ان السؤال عن النوم مع ارادة الانتباه و الغسل ليلاً فاخذه النوم الى ما بعد الصباح[31].

ولكن مقتضى التعليل في السؤال بقوله اليس هو بالخيار الى حصول الزوال فانه يكون بمقتضى التعليل ان ما بعد الزوال لا يصلح للصيام و عندئذ تكون خارجة عن مورد الدعوى و بذلك تكون ملائمة للتقية كما تدل عليه قرينة السؤال ايضاً.

 

 

و اما الثانية و هي ايضاً لا تخلو من مناقشة من حيث دلالتها و ان كانت موثقة من حيث سندها لانها تضمنت السؤال عن الرجل قد طلعت عليه الشمس و هو جنب و ليس فيها ما يدل
على ان جنابته كانت من الليل مع انها غير دالة على انه باق على الجنابة متعمداً و عليه يحتمل عندئذ وقوع جنابته في النهار او انه نام بعد طلوع الفجر و استيقض عند طلوع الشمس و هو جنب و بذلك ليست في مقام السؤال عن حكم المتعمد على البقاء مجنباً الى وقوع الصباح.

و اما رواية الخثعمي و ان كانت واضحة الدلالة على عدم المانعية في استمرارية الصوم الا انها و ان كانت تامة السند و الدلالة ولكن المشهور قد اعرض عنها فيوجب سقوطها عن الحجية و ان كان على مسلك السيد الاستاذ  قدس‏سره صحة الاستدل بها سنداً و دلالة[32]. و بذلك يتم مقالة المشهور و هذا ما عليه مسلك صاحب الجواهر  قدس‏سره.

4 ـ ما ذهب اليه صاحب الجواهر[33] و المحقق الهمداني[34] الى اعتبار الطهارة من الحدث الاكبر في الصوم الواجب العرضي و عليه جماعة من المحققين ايضاً الا ان رأي السيد الاستاذ  قدس‏سره على خلاف ذلك حيث ذهب الى ان الصحيح ان الصوم الواجب غير صوم رمضان ـ ادائه و قضائه ـ كالصوم المندوب لا يعتبر فيه الطهارة من الحدث الاكبر مستنداً في ذلك لعدم الدليل على ذلك العنوان الشرطي.

 

 

و استدل الفقيه الهمداني  قدس‏سره الى ان شيئاً اذا اثبتت شرطيته للفرد من افراد الواجب مثلاً ثبتت لغيره من افراد الطبيعة الواجبة لاتحادهما بحسب الماهية و الحقيقة و مع شرطية شيء للماهية لا تختص الشرطية بفرد دون فرد و على ذلك جرت عادة الفقهاء  قدس‏سرهم فان الصلاة مثلاً اذا قلنا انها متقومة بسجدتين و ركوع واحد ثم اطلقنا لفظة الصلاة في مورد آخر و قلنا انها مستحبة مثلاً يتبادر منها الى الاذهان تلك الصلاة التي اشترطنا فيها السجدتين و الركوع
و في المقام حيث اشترطنا في الصوم الواجب في شهر رمضان عدم البقاء على الجنابة إلا طلوع الفجر فلا محالة تثبت شرطية ذلك لسائر الافراد الواجبة الاتحادها بحسب الماهية و الحقيقة.

و قد ناقش السيد الاستاذ  قدس‏سره الفقيه الهمداني  قدس‏سره ان ما افاده و ان كان متيناً في نفسه الا انه يتم فيما اذا لم يثبت عدم اشتراط الماهية بذلك الشرط و في المقام قد ثبت بمقتضى الاطلاقات عدم اشتراط ماهية الصوم بالاجتناب عن البقاء على الجنابة و ذلك لما ورد من ان الصائم لا يضره اى ما صنع اذا اجتنب خصالاً ثلاثة او اربعاً الاكل و الشرب و النساء و الارتماس[35] ـ باعتبار عد الاكل و الشرب واحداً او اثنين ـ فمنه يستفاد ان الاجتناب عن البقاء على الجنابة او الكذب على اللّه‏ و رسوله و نحوهما من الامور المشترطة في محلها انما هي من الاوصاف و الشرائط المعتبرة في شخص الصوم الواجب في رمضان و في قضائه و ليست وصفاً للماهية لتسري الى جميع افرادها[36].

 

 

 

الا انه يرد على السيد الاستاذ  قدس‏سره انه بعد ان ثبت لدينا وجود كبرى مطوية و هي شرطية الطهارة عن الحدث الاكبر في الجهة العنوانية للواجب فيشمل الواجب بالاصالة و الواجب بالعرض و اما ثبوت عدم الاشتراط بمقتضى الاطلاقات فذاك منصرف لشخص فرد الصوم الواجب من رمضان دون اخذ عدم الاشتراط للافراد الاخرى من كلى الواجب و عليه يكون الحق كما ذهب اليه الفقيه الهمداني ان اخذ الاشتراط على نحو الامر الطبيعي لماهية الواجب و بذلك لا يختص بفرد دون فرد آخر.

و عليه لا يفرق الحال بين الصوم الواجب المعين و غيره لوحدة المناط في الجميع و بذلك لابد من الالتزام بشرطية الطهارة من دون فرق بين الواجبات المتاصله و العرضية و بين سائر المستحبات ايضاً.

5 ـ نسيان غسل الجنابة في رمضان فقد ذهب المشهور الى وجوب القضاء و ان كان في ايام متعددة كما يجب عليه قضاء صلواته و عليه يكون مورد البحث بين اتجاهين.

1 ـ مسلك المشهور و لوجوب القضاء بالاضافة الى التمسك بثلاثة طرق منها ما ورد في خبر ابراهيم بن ميمون قال: سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثم ينسى ان يغتسل حتى تمضى لذلك جمعة او يخرج شهر رمضان قال  عليه‏السلام : عليه ان يغتسل و يقضى صلاته و صومه[37].

 

 

 

و منها: مرسل الصدوق ان من جامع في اول شهر رمضان ثم نسي الغسل حتى خرج شهر رمضان عليه ان يغتسل و يقضي صلاته و صومه الا ان يكون قد اغتسل الجمعة فانه يقضى صلاته و صومه الى ذلك اليوم[38].

و منها: صحيحة الحلبي قال: سئل ابو عبداللّه‏  عليه‏السلام عن رجل اجنب في شهر رمضان فنسى ان يغتسل حتى خرج شهر رمضان قال: عليه ان يقضى الصلاة و الصوم[39].

قال صاحب الجواهر  قدس‏سره و الظاهر انه لا فرق في نسيان الجنابة بين وقوعها في شهر رمضان و بين وقوعها سابقاً عليه فنساها فيه او قبله و استمر نسيانه كما انه لا فرق على الظاهر بين غسل الجنابة و غسل الحيض و النفاس في الحكم المزبور بناء على انهما شرط في
صحة الصوم اذا الظاهر اتحاد الجميع في كيفية الشرطية بل قيل انها اقوى لانه لم يرد فيهما ما ورد فيه مما يوهم ان الشرط هو تعمد البقاء، و كذا في حكم صوم رمضان النذر المعين و قضائه و غيرهما لعدم الفرق على الظاهر في اقسام الصوم ـ انتهى
[40].

و عليه يكون حصيلة هذا المسلك وجوب القضاء بما ان الشرط اخذ فيه على نحو الصحة فيكون سارياً في الجميع اضافة الى الاستناد بالروايات و تمسك المشهور بها.

 

 

 

2 ـ مسلك القائل بعدم القضاء و استدل اولاً بان الروايات ضعيفة السمتند فان رواية ابراهيم بن ميمون جاءت بثلاثة طرق و كلها ضعيفة كما ان طريق الشيخ و الصدوق رحمهما اللّه‏ ضعيفان بابراهيم بن ميمون لعدم ثبوت وثاقته و اما طريق الكليني فهو ضعيف به و بسهل بن زياد فلم يبقى الا صحيحة الحلبي ولكن المستفاد منها عدم وجوب القضاء في نسيان غسل الجنابة حيث ان نواقض الصوم امور محصورة و ليس منها نسيان غسل الجنابة[41].

كما استدل على القول بعدم القضاء باصالة البراءة و بعموم رفع الخطأ و النسيان في فرض كون القضاء بنحو المؤاخذة فيكون مرفوعاً او الاثر الذي يلزم المؤاخذة و عندئذ يكون مرفوعاً كما ثبت عدم اشتراط الطهارة في الصوم على الناس و انما المسلم شرطية الطهارة في حال العلم دون الجهل و النسيان و بذلك يثبت عدم وجوب القضاء على من اصبح جنباً جهلاً بالجنابة كما ان ما استدل به على الاخبار بوجوب القضاء على الناسى فهي اخبار آحاد يعتمد عليها في نظر ابن ادريس.

الا ان المختار لدينا من مجموع هذا العرض التمسك بمقالة المشهور و ان الروايات يمكن الاعتماد عليها لعمل المشهور بها و اما القول بالرجوع الى اصالة البراءة فبثوتها عن طريق دليلها و اما بالنسبة الى الاستدلال بحديث الرفع فلا يشمل القضاء كما انه ليس داخلاً تحت عنوان المؤاخذة موضوعاً لكونه ورد بامر جديد و بادلة مستقلة.

 

 

هذا مع ان ماهية الصوم ملائمة من ترك عدة امور منها البقاء على الجنابة فاذا لم يتحقق ترك واحدة منها لم تتحقق تلك الماهية من غير فرق في عدم تحققه بين ان يكون عمداً او سهواً علماً او جهلاً ضرورة ان المركب ينتفي بانتفاء احد أجزاءه كيفما ينبغى و الاخبار الدالة على وجوب القضاء واجدة لملاك الحجية لانها موثقات اعتمد عليها الاصحاب فلا محيص عن الاخذ بها و ليس لها معارض فالقول بعدم الوجوب ضعيف في الغابه فالحق ما عليه المشهور من وجوب القضاء على الناسي للجنابة[42].

الا ان ما عليه الاتجاه الآخر حيث ينظر الى ان مثل نسيان غسل الجنابة او نسيان الجناية او الجهل بها لا يرى فيهما وجوب القضاء لانحصار النواقض بامور معينه و لم يكن النسيان من جملتها كما عليه رأي السيد الاستاذ  قدس‏سره و عندئذ لا يحكم بوجوب القضاء فيهما و انما الادلة خاصة للمتعمد في الجنابة دون الناسي و الجاهل ولكن بالنسبة الى قضاء رمضان اضيق دائرة من نفس صوم رمضان كما تدل عليه صحيحة عبداللّه‏ بن سنان ان الاصباح جنباً متعمداً او غير متعمد مانع من صحة قضائه و لذا ذهب صاحب الوسائل في عنوان الباب الى ان من اصبح جنباً لم يجز له ان يصوم ذلك اليوم قضاء عن شهر رمضان[43].

الا ان المهم في البحث ان مجرد الجهل و النسيان لا يثبت عدم القضاء حيث ثبت بادلة
خارجية وجوبه و عليه لابد من الفرق بين النظر الى الدليل بما هو فالمستفاد بحسب القواعد اثبات القضاء بلا فرق بين النسيان و الجهل و بين

 

الارجاع الى اللادلة فهي ايضاً مثبة للقضاء و على أي المسارين لابد من الرجوع الى مقالة المشهور.

6 ـ مما ثبت بالادلة بطلان الصوم اذا اقدم الشخص على الجنابة في اثناء النهار كما انه بالنسبة الى المندوب ايضاً بوجب البطلان و هذا ما يدل عليه ان مماسة النساء و اتيان الاهل يوجب الافطار سواء كان عن تعمد في شهر رمضان ليلاً ام نهاراً و هذا مما تسالم عليه الجميع كما انه بالنسبة الى المندوب كذلك يوجب بطلان صومه و ان الميزان في عنوان موضوع الجنب سواء كان بنحو مباشرة النساء او الوطى‏ء في دبر الغلام و نحوه و اما الحكم بما يترتب على ذلك في ناحية بطلان الصوم تعمد الجنابة او الاصباح جنباً فان كل ذلك ايضاً مما يصدق عليه بطلان الصوم.

7 ـ الاحتلام في نهار الصوم لا يوجب البطلان اذا كان عن امر اختياري سواء كان الصوم من شهر رمضان ام القضاء عنه ام غيره من سائر الواجبات ولو كانت عن طريق الامر العرضي و سواء كان الصوم من الواجب او من المندوب و يدل عليه خبر عبدالحميد عن بعض مواليه قال سألته عن احتلام الصائم قال فقال اذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينم حتى يغتسل[44] بالاضافة الى دعوى الاجماع على عدم بطلان الصوم في مثل ذلك.

و هناك روايات تعرضت الى ذكر الاحتلام ولكنها مقرونة  بحالة الاستيقاظ بعد النوم قبل الاغتسال و هما اما ان يراد بها الاحتلام في النهار او لمطلق الاحتلام


 

ولو كان ذلك صادراً بالليل و اسيقظ كما في صحيحة العيص بن القاسم انه سأل ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثم يستيقظ ثم ينام قبل ان يغتسل قال: لا بأس[45].

و كذا ما دلت عليه رواية عمر بن يزيد قال قلت لابي عبداللّه‏  عليه‏السلام لاي علة لا يفطر الاحتلام الصائم و النكاح يفطر الصائم قال لان النكاح فعله و الاحتلام مفعول به[46] و هذه الرواية منساقة الى حصول الاحتلام بما يقابل النكاح فان الاول فعل غير ارادي بخلاف الثاني.

و اما في حال وقوع الاحتلام في نهار شهر رمضان فلا يلزمه المسارعة الى الاغتسال و ان كان ذلك افضل لما دلت عليه رواية ابراهيم بن عبدالحميد عن النوم في النهار بعد الاحتلام حتى يغتسل حيث قال سألته عن احتلام الصائم فقال اذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل ـ الحديث[47].

 

 

 

فصل فيما يحرم على الجنب

 

و هي امور:

الاول: مس خط المصحف على التفصيل الذي مر في الوضوء(1)

(1) ربما ان لسان الادلة في حرمة لمس خط المصحف لمن لم يكن متوضئاً ولكن الحرمة بالنسبة الى المجنب اذا مسّ المصحف اما ان تكون بطريق الاولوية بناءً على اشدية النجاسة للجنب و اما لكون المجنب في اصل موضوعه فاقداً للوضوء بالاضافة الى دعوى الاجماع على حرمة مسه و في رسالة الغسل للشيخ الاعظم  قدس‏سره نقل الاجماع كفانا مؤنة الكلام او للاستدلال برواية ابراهيم بن عبدالحميد عن ابى الحسن  عليه‏السلام قال المصحف لا تمسه على غير طهر و لا جنباً و لا تمس خطه و لا تعلقه ان اللّه‏ تعالى يقول: « لا يمسه الا المطهرون ».

الا ان السيد الاستاذ  قدس‏سره اعترض في دلالة هذه الآية و قال لا دلالة لها على المدعى فان المطهر غير المتطهر لوضوح ان الثاني ظاهر في التطهر من الحدث الاصغر و الاكبر و المطهر من طهره اللّه‏ من الزلل و الخطأ و المذكور في الآية المباركة هو الثاني دون الاول ففيها اشارة الى قوله تعالى: « انما يريد اللّه‏ ليذهب


عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيراً »[48] معنى آية لا يمسه الا من طهره اللّه‏ انه لا يدركه بما له من البواطن غير المعصومين  عليهم‏السلام فالآية إخبار و ليست بانشاء فان غيرهم لا يدرك من الكتاب الا ظاهره فتحمل الرواية على ارادة البواطن ايضاً[49].

و الملاحظ لدينا في هذا العرض ان الارجاع الى مبنى المسألة تارة عن طريق التمسك بمقالة المشهور على حرمة مس خط المصحف و قد ذكرنا ذلك في مبحث الوضوء مفصلاً و اخرى الاخذ بالروايات التي منها موثقة ابي بصير قال سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عمن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء قال لا بأس و لا يمس الكتاب[50].

و كذا الاستدلال برواية ابراهيم بن عبدالحميد و ان الامام  عليه‏السلام طبق كبرى الآية بوجوب عدم المس على ما يصدق عليه بالحدث الاصغر او الاكبر او للارجاع عن طريق الاولوية هذا مع ان المنساق الى الآية كما عليه التفسير التجزيئي او التفسير المعياري الذي ذهبنا اليه في تفسيرنا في ناحية بيان الاصول الكلية العامة انه يمكن ان ينظر للآية تارة على نحو المطهرية في الباطن و هذا لا يتم الا على من ارتقت نفسه الى المقامات العالية في ناحية التجلي و الصفاء و اخرى يلحظ عنوان المطهريه بما انها في مقام المطهرية من كلي الحدث و يشمل الاصغر و الاكبر و لم يكن هناك اولوية في المقام اساساً.

و كذا مس اسم اللّه‏ تعالى(1) و سائر أسمائه و صفاته المختصة، و كذا مس اسماء الانبياء و الائمة(2)  عليهم‏السلام على الاحوط.

 (1) و اما حرمة مس اسم الجلالة فقد ادعى الاجماع على ذلك بل ضرورة المسلمين كما يظهر من كلمات اهل الخلاف ايضاً و ان جاء بلفظ الكراهة الا انه لا يراد بحسب المصطلح عندنا
و انما الكراهة ما تشمل الحرمة كذلك و هذا ما دل عليه في موثقة عمار بن موسى عن أبي عبداللّه‏  
عليه‏السلام قال: لا يمس الجنب درهماً و لا ديناراً عليه اسم اللّه‏[51] كما يدخل في حكم الحرمة اسماء الصفات ايضاً المختصة بذاته.

          و اما ما ورد في موثقة اسحاق بن عمار عن أبي ابراهيم  عليه‏السلام قال: سألته عن الجنب و الطامث يمسان ايديهما الدراهم البيض قال لا بأس[52]. بناءً على ان المس وقع على اطراف الدراهم البيض دون المس على ما كتب عليها من اسماء اللّه‏ و صفاته و لما كتب عليه من الآيات القرآنية و الا كانت مورد للمعارضة و عندئذ تحمل على الكراهة او نقول بعدم العمل بها من قبل الاصحاب.

(2) فبناءً على اختصاص الحرمة باسم اللّه‏ و صفاته فلا يشمل اسماء الانبياء و الائمة و لا يخفى ان الحرمة اما راجعة للشهرة الفتوائية و هي محل كلام او للاجماع عليه ابن زهرة و هو في الحقيقة من نوع الاجماع المنقول او يقال بان ذلك من نوع تعظيم الشعائر كما عليه المبسوط و الغنيه ولكن اثبات ذلك محتاج الى دليل واضح.

 الثاني: دخول مسجد الحرام و مسجد النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و ان كان بنحو المرور(1).

الثالث: المكث في سائر المساجد بل مطلق الدخول فيها على غير وجه المرور(2)،

 (1) يفرق بين الدخول في المسجدين المعظمين بيت اللّه‏ الحرام و المسجد النبوي و غيرهما فان مجرد الدخول حرام ولو بطريق المرور. و هذا ما يدل عليه صحيحة جميل قال
سألت ابا عبداللّه‏ 
عليه‏السلام عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: لا ولكن يمر فيها كلها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله[53].

و كذا في صحيحة محمّد بن مسلم قال: قال ابو جعفر  عليه‏السلام فى حديث: الجنب و الحائض و يدخلان المسجد مجتازين و لا يقعدان فيه و لا يقربان المسجدين الحرمين[54].

(2) كما ان وجه المفارقة عن المسجدين المعظمين بالنسبة الى بقية المساجد فان مطلق المكث فيها حرام ولكن في خصوص المسجدين يحرم الدخول و المرور فيها مطلقاً.

و اما بالنسبة الى المساجد فانه قد استثنى فيها عدم الحرمة و هو الاجتياز من باب و الخروج من باب آخر كما انه يجوز الدخول لقصد الاخذ منها دون النظر الى عنوان المكث فان ذلك محرم و لذا استدل في قوله تعالى: « و لا تقربوا الصلاة و انتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون و لا جنباً الا عابري سبيل »[55] فان

 

الآية دالة على ان المرور و هو بمقتضى التعبير في قوله تعالى: الا عابرى سبيل و هذا ما يستوضح من صحيحة محمّد بن مسلم و زرارة عن أبي جعفر  عليه‏السلام قالا: قلنا الحائض و الجنب يدخلان المسجد ام لا؟ قال: الحائض و الجنب لا يدخلان المسجد الا مجتازين ان اللّه‏ تبارك و تعالى يقول: « و لا جنباً الا عابرى سبيل »[56].

الا انه ورد في بعض الروايات بلفظ الكراهة كما فى المحاسن عن أبيه عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبيه عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال: قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهستة كرهها اللّه‏ لى فكرهتها للائمة من ذريتي و ليكرهها الائمة لاتباعهم: العبث في الصلاة و المن بعد الصدقة و
الرفث في الصوم و الضحك بين القبور و التطلع في الدور و اتيان المساجد جنباً
[57]. كما نسب ابو سلار كراهة دخول الجنب في المسجد[58].

و لعل ذلك للاستناد بما ورد في كراهة الدخول فى المساجد جنباً لما ورد في وصيته  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لعلي  عليه‏السلام: ان اللّه‏ كره لامتي العبث في الصلاة ـ الى ان قال: ـ و اتيان المساجد جنباً[59].

و يمكن ان يقصد بلفظ الكراهة ليست المصطلحة و انما يراد بها عنوان المبغوضية و ان كان لسان المبغوضية يختلف بلحاظ المورد فقد يراد به الحرمة و قد يراد به الكراهة و عليه لابد من الرجوع فيها الى القرينة ما لم يقال ان مطلق              

 المبغوضية يحمل على الحرمة ابتداءً و الانصراف الى الكراهة محتاج الى القرينة و عليه اذا تطلع على الدور او الرفث في الصوم او المن في الصدقة كل ذلك من مصاديق المبغوضية على نحو الايذاء[60].

الا ان ما ذكره السيد الاستاذ  قدس‏سره لا وجه له فان روايات الكراهة قد اعرض عنها المشهور عملاً فلا يعتمد عليها و عندئذ لا مجال للقول بالحمل على الكراهة في حال صورة الجمع بين الروايات كما ان قول سلار لا يخلو من الضعف.

ثم ان المرور من باب و الخروج من باب آخر فيما عدا المسجدين و هذا ما دلت عليه صحيحة محمد بن مسلم في قوله  عليه‏السلام : لا يدخلان المسجد الا مجتازين.

و كذا بما ورد في رواية جميل عن الصادق  عليه‏السلام قال: الجنب ان يمشي في المساجد كلها و لا يجلس فيها الا المسجد الحرام و مسجد الرسول  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله[61]. و هي بظاهرها قد جوزت
المرور بخلاف المكث فانه غير جائز. و ان التعبير في قوله  عليه‏السلام قال لا فان مورد السؤال كان في قوله: سألت ابا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن الجنب يجلس في المساجد و هو المراد به المكث بالمراتب الكثيرة من مصداقية الجلوس على مورد المكث.

و يتضح من هذا العرض ان ما يصدق عليه جواز المرور اذا كان في حال الاجتياز و الاستطراق دون ما يصدق عليه عنوان المكث على نحو الاستقرار ولو بنحو الموجبة الجزئية او ما يصطلح عليه بالمكث على نحو المراتب المشككة فانه و اما المرور بان يدخل من باب و يخرج من باب آخر فلا بأس به و كذا الدخول بقصد اخذ شيء منها فانه لا بأس به(1).

 محرم سواء كان بالمراتب القوية ام الضعيفة ثم ان ما ينطبق عليه موضوع المرور ما كان متصفاً بصفة الاجتياز او يراد به ولو كان في حال المشي الذي يقارنه وجود صفة الاجتياز و عدمه الظاهر الاول دون الثاني فان الحرمة ما تنطبق على صفة المرور في حال تقييده بالاجتياز دون مطلق المرور الذي قد يتحقق بالوجود التقارني في حال المشي او في حال المكث ايضاً فان كل ذلك لا يصدق عليه مروراً اجتيازيا و عندئذ تكون النسبة بين المرور و المشي و المكث على نحو نسبة العموم من وجه.

(1) يفرق بين الوضع في المسجد و بين الاخذ منه فانه على الاول يكون محرماً و على الثاني لا يكون محرماً بما اشار اليه في صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم السابقة بعد ذكر حكم دخول الحائض و الجنب في المسجد قال  عليه‏السلام : و يأخذان من المسجد و لا يضعان فيه شيئاً. قال زرارة قلت: مما بالهما يأخذان منه و لا يضعان فيه. قال: لانهما لا يقدران على اخذ ما فيه الا منه و يقدران على وضع ما بيدهما في غيره[62]. فان وجه المفارقة بين الوضع و الاخذ حيث ان
المجنب لا يتمكن من الوضع الا بطريق الدخول اولاً ثم الوضع بخلاف الاخذ فانه لا يعتمد على الدخول حيث قد يتحقق الاخذ بعدة بطرق و عندئذ يثبت موضوع الحرمة بعنوان الوضع بما انه يستلزم الدخول و المكث بخلاف الدخول فانه جائز كما انه يمكن ان يتصور الجواز لانعقاد غرض الاخذ ولو بواسطة الدخول المحرم و مقدمة .............................  

 الحرام ليست محرمة كما ذكر في محله.

و هذا ما ذكر في من اراد اخراج الشخص لانقاذه ولو كانت الدار مغصوبة فانه جائز لغرض الانقاذ. و اما لو كان الملاك في الوضع بما انه محرم ذاتاً و الدخول جائز بما انه جائز ذاتاً فلا مانع من تلك الجهة ايضاً فلم ينظر اليهما على نحو الامر المقدمى كما لا يخفى و عندئذ يتضح عدم الارجاع الى ما بنى عليه الماتن  قدس‏سره من اناطة الجواز بالدخول لاخذ شيء و ان الحكم بحرمة الوضع بما انه مرتبط بغاية الدخول فى المسجد و هو امر محرم و هذا ما عليه مقتضى التعليل مع فرض ارجاع التقليد الى الحكمة دون العلة الحقيقية.

و اذا لاحظنا ما تعرضت اليه رواية جميل السابقة و هي صحيحة و رواية ابي حمزة عن الباقر  عليه‏السلام في قوله: و لا بأس ان يمر اى الجنب في سائر المسجد و لا يجلس في شيء من المساجد فانهما ناظرتان الى ذكر المرور بعد المنع عن الجلوس كما ان مثل صحيحة رواية و هي صحيحة ابن مسلم قال: سألت ابا الحسن  عليه‏السلام عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال  عليه‏السلام: يتوضأ و لا بأس ان ينام فى المسجد و يمر فيه. حيث ذكرت المرور و بذلك يتصور حصول المعارضة بين الروايتين و الصحيحة لانها ناظرة الى مطلق ما ينطبق عليه المرور سواء كان شيئاً ام غيره و ان لم يكن مع المرور الاجتيازي بينما الاخبار الناهية دالة على حرمة الدخول المطلق الشامل للجلوس و المكث او
المكث بدون قيد الاجتياز.

و يقول صاحب مصباح الهدى فيدور الامر بين اخراج مورد الاجتماع عن تحت رواية جميل و تخصيصها بالمشى الاجتيازي او تخصيص الاخبار الناهية بالدخول المشتمل على المكث و الجلوس، لكن الاول او لانصراف المشي الى و المشاهد كالمساجد في حرمة المكث فيها(1).

 الاجتيازى منه و دلالة بقية الاخبار المتضمنة لذكر المرور عليه، و كون التصرف فيها اهون في حد نفسه من تخصيص الاخبار الناهية فهو المتعين و عليه المعول[63].

و عليه يكون في صدق عنوان المرور اذا كان مقيداً بالاجتياز دون مطلق المرور او ما يصدق عليه بالمشي و ان لم يكن مروراً كما انه يجوز الدخول في المسجد اذا كان بقصد الاخذ منه دون وضع الشيء فيه. و هذا ما دلت عليه صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم السابقة.

(1) اما وجه الحاق المشاهد بالمساجد و ذلك لخصوص المرور دون المكث او تلحق بالمسجدين و عندئذ يحرم المكث و المرور بما يصدق فيهما عنوان الاجتياز و بالجملة انه يمكن ان يحرر البحث تحت العناوين الآتية:

1 ـ الالحاق بالمسجدين فيحرم المكث و المرور بما يصدق فيهما عنوان الاجتياز.

2 ـ الالحاق  بالمساجد فيحرم فيها المكث من دون مراعاة صدق عنوان الاجتياز.

3 ـ عدم الالحاق بشيء من هذه الوجوه.

و اما الاستناد الى وجه الالحاق اما لوحدة المناط في الجميع حيث ان المشاهد اخذ في موضوعها الامر العبادي و المساجد اخذ في موضوعها الامر العبادي و عندئذ يترتب على المشاهد بما يترتب على المساجد من الاثار لوحدة الملاك و المناط في الجميع بدون اختصاص المساجد بخصوصية غير ما تحملها

 

المساجد من الخصوصية و الاثار الا ان مثل هذا النوع محتاج الى الدليل لعدم احراز الوحدة المناطية فيما بين المشاهد و المساجد بملاك واحد ولو تم الامر فذاك امر مقبول.

و اما ان يكون وجه الاستناد بما ان المشاهد من العناوين الثانوية حيث فيها تعظيم شعائر اللّه‏ و ان تعظيمها من تقوى القلوب[64]. ولكن الشعائر و ان جاءت على نحو العناوين القصد به فقد يراد بها اعلى المراتب كما في المشاهد قد يؤتى بها على نحو المراتب الضعيفة و عندئذ تختلف بلحاظ المقامات و المناسبات كما هو الحال بالنسبة الى ما يقابل الشعائر الهتك و سلب الحرمة و الكرامة و على ذلك فان الارجاع الى عنوان الشعائر مع اختلاف مقاماتها غير منضبط في ناحية العناوين القصديه و لذا لو اراد الجنب ان يدخل المشهد لعنوان الزيارة و التعظيم فانه يمكن ان يقال بالجواز لان الدخول بما هو غير محرم و لا سيما اذا كان الوقت ضيقاً و اراد من الدخول تعظيم الشعائر.

و ذكر في وجه الاستناد بما ورد في صحيحة محمّد بن الحسن الصفار في بصائر الدرجات عن أبي طالب يعني عبداللّه‏ بن الصلت عن بكر بن محمد قال: خرجنا من المدينة نريد منزل أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام فلحقنا ابو بصير خارجاً من زقاق و هو جنب و نحن لا نعلم حتى دخلنا على أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال: فرفع رأسه الى ابي بصير فقال: يا ابا محمد اما تعلم انه لا ينبغي لجنب ان يدخل بيوت الانبياء قال فرجع ابو بصير و دخلنا[65].

 

 

و ما ورد عن جابر الجعفى عن علي بن الحسين  عليه‏السلام انه قال: اقبل اعرابي الى المدينة
فلما قرب المدينة خضخض و دخل على الحسين  عليه‏السلام و هو جنب. فقال له: يا اعرابى اما تستحيى اللّه‏ تدخل على امامك و انت جنب. ثم قال: انتم معاشر العرب اذا خلوتم خضخضتم ـ الحديث
[66].

و المستفاد من ظاهر الروايتين مع الضعف في السند فانه كلمة لا ينبغي يراد بها الكراهة دون الحرمة ثم ان ما جرى عليه الحكم هو خصوص المشاهد اما تسرية الحكم منها الى البيوت محتاج الى الدليل او يقال بان دخول بيوتهم يوجب الحضور و هو اعم من كون في زمن الحياة او بعد الممات ولكن مثل هذا الامر لم يخرج عن دائرة الاستحسان.

و اما دعوى بانهم احياء عند ربّه يرزقون يثبت وجود حياتهم من غير فرق بين الحياة قبل الموت و الحياة بعد الموت.

الجواب ان حياتهم الروحية بلحاظ الوجود المعنوي فانهم احياء ولكن الممات بلحاظ وجودهم العنصري و عليه يكون الموضوع متغيراً فما يترتب على حياتهم في ظرف الوجود العنصري غير الحياة في ظرف نظافة جمسهم العنصري الى حياة ما بعد الممات و عليه يختلف الحكم باختلاف الموضوع.

و اما اذا كان البناء على الحرمة دون الكراهة فهل يقتصر الحكم لخصوص الروضة او يشمل الرواقات القديمة او الحديثة فبناءً على انه لم يحدهم جسم و لا مكان و لا حجاب فلا يفرق الحال بين كونهم في الروضة او في الرواق القديمة         

الرابع: الدخول في المساجد بقصد وضع شيء(1) فيها بل مطلق الوضع فيها و ان كان من الخارج او في حال العبور.

 او المستجدة و اما اذا كان البناء على ان الحكم يناط بموضوع الحياة ما قبل الممات فلا يشمل الحكم لما بعد الممات لانما يناط الحكم بخصوص الروضة المقدمسة و في الجواهر و هل
يقتصر في الحكم حينئذ على نفس الروضة المقدسة او يلحق بها الرواق و نحوه وجهان، اقواهما الاول انتهى.

و المهم ان الدخول اذا انيط بالعنوان القصدى للاهانة فانه حرام بخلاف ما لو كان الدخول لا لقصد الاهانة بل كان من قصد التعظيم و لا سيما اذا ضاق وقت زيارته و يريد العود الى بلاده فانه لا مانع من الدخول و ان كان الاحوط تركه.

(1) و هذا ما دلت عليه صحيحة زرارة و محمّد بن مسلم المتقدمة ولكن اذا كان الوضع يسلتزم منه الدخول و اما اذا قدر الوضع بطريق الالقاء دون ما يستلزم منه الدخول او المكث فان كان عنوان الوضع اخذ بنحو الموضوعية دون الطريقية يكون محرماً باي شكل من الاشكال لان الوضع بما هو محرم. و اما اذا كان الوضع قصد به العنوان المقدمي الطريقي فلا يترتب عليه محرماً اذا لم يستلزم منه الدخول و المكث و الذي بنى عليه صاحب الجواهر  قدس‏سره هو الاول من دون الثاني و لذا ان البعض ذهب الى الحرمة ولو كان الطرح من خارج المسجد و اما على المبنى الثاني كما عليه ابن فهد  قدس‏سره حيث ذهب الى ان الوضع اذا استلزم الدخول و اللبث فانه محرم و انما المجوزية منوطة في الدخول الاجتيازي خاصة و اما اذا اخذ عنوان الدخول منفصلاً عن مؤدى الاجتياز فلا يجوز الدخول و هذا ما عليه المختار.

و يتضح من هذا العرض ان الوضع تارة يؤخذ على نحو الموضوعية فيكون محرماً و اخرى انه اذا اخذ لوضع بما انه مقدمة للدخول مطلقاً فلا يجوز و اما اذا         

الخامس: قراءة سورة العزائم و هي سورة اقرأ و النجم و ألم تنزيل و حم السجدة و ان كان بعض واحدة منها(1)، بل البسملة او بعضها بقصد احداها على الاحوط لكن الاقوى اختصاص الحرمة بقراءة آيات السجدة منها.

 اخذ الوضع للدخول الاجتيازي فانه جائز و هذا ما عليه المحقق في المعتبر و العلامة في بعض
كتبه
[67] و كان وجه استدلالهما عموم قوله تعالى: « و لا جنباً الا عابرى سبيل » حيث ان الوضع الحرم اخذ على نحو الدخول للوضع ليس الوضع مأخوذاً فيه على نحو الدخول الاجتيازي و بذلك قوى هذا الاتجاه صاحب الجواهر  قدس‏سره الا ان صاحب مفتاح الكرامة ذكر عن سلار القول بكراهة الوضع في المساجد[68].

الا ان قوله لا يؤثر في ناحية الاتفاق على حرمة الوضع.

(1) لنقل الاجماع على حرمة قراءة آيات السجدة الواجبة و هذا ما يدل عليه رواية زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر  عليه‏السلام : الحائض و الجنب يقرآن شيئاً قال: نعم ما شائتا الا السجدة[69].

و وجه الاستظهار من هاتين الروايتين اما ان يراد من عنوان السجدة اسم للآية و اسم للسورة و يكون بحسب المؤدى في الاول ان ما ورد بان الحائض تسمع السجدة او المصلى لا يقرء السجدة و يكون النظر الى آية السجدة دون السورة و عندئذ يكون التحريم لخصوص الآية نفسها و بذلك لا تشمل البسملة او سائر ..............................  

 الاجزاء الاخرى سواء كانت من سورة السجدة نفسها او من سائر السور