أثر الموضوع في العلوم

هناك نظرية أصولية وهي أنه تختلف العلوم بإختلاف الموضوعات فعلم النحو وما كان قائماً على صون اللسان في النطق والمقال وعلم المنطق وما كان قائماً على صون الفكر في التفكير ـ وهكذا في سائر العلوم الا أن كل  موضوع كل موضوع في باب في كل مسألة له الأثر الكلي في تنويع العلوم وتصنيفها فالرفع وان عرض علي الكلمة في قولك ضرب زيد بواسطة كونها فاعلاً وعروض النصب على الكلمة في قولك ضرب علي عمرو بواسطة كونها مفعولاً أو حالاً أو تمييزاً وهكذا، وكذا في المعلوم التصوري والتصديقي وان كان موضوعي المنطق الا أن الجهة فيها سواء في ظرف النحو أم في المنطق جهة تعليلية لا جهة تقليدية[1].

فإذا قدر عدم وجود موضوع للعلم أصبح فاقداً للركنية فيفقد قيمته الأساسية الّتي صيغ البحث من أجلها ولا يخفى أن وجود الموضوع له الاهمية الكبرى في تحديد جهة البحث وان كان العلم قد يشتمل على عدة مسائل فرعية، ولكن ذلك لا يصدق عليها موضوعات كلية وانما يعبر عنها بالمسائل الفرعية للموضوع الكلي كما أنه لاتسمى في كل مسألة عملاً مستقلاً وإنما هر فرع عن دائرة ذلك الموضوع الكلي فإذا لم يكن للعلم موضوع يصبح العلم منتفيأً كما يقال ( سالبة بإنتفاء الموضوع).كما أن الأحكام المترتبة في القوانين الشرعية والوضعية وسائر الأعراف والعادات لا تستقر إلا مع حفظ الموضوع، ولذا يقال الحكم فرع الموضوع بحيث متى ما إنتفى الموضوع إنتفى الحكم .

هذا مع أنه روعي في دوام الحكم وعدمه عدم اشتراط سنخية الحكم ونوعه وإنما اريد به شخص الحكم بحيث متى ارتفع موضوع الحكم بإرتفاع موضوعه نظير إذا رزقت ولداً فأختتنه اذ الحكم وهوالأمر بالختان مقيد بوجود الموضوع وهو تحقق الولد وعند ارتفاع الولد لا مجال لترتب الحكم وهو الأمر بالختان لفقدان موضوعه وهو الولد الذكر . ومن جملة الآثار وحدة الموضوع في التناقض فإذا كان الموضوع متعدداً فلا يتحقق موضوعية للتناقض فإذا قام علي وما قام عمرو فالتناقض غير محقق للوجود لتعدد الموضوع وهو علي وعمرو .

ومن الآثار صحة الإستصحاب إذا كان الموضوع في طرفي المتيقن والمشكوك أو اليقين والشك على حساب الإختلاف في المبنى في الإستصحاب فإذا تعدد الموضوع بين زمان الشك وزمان اليقين فلا مجال للإستصحاب لعدم ركنية الإستصحاب .

ومن الآثار أيضاً وحدة الموضوع وتعدد الجهة سواء كانت تقييدية أم تعليلية إذ بناء الحيثية التقييدية قائمة على تعدد الموضوع وبناء الحيثية التعليلية قائمة على وحدة الموضوع.

ثم أن هناك أمر ينبغي الإشارة اليه وهو أن دخالة الجزئية أو الشرطية في الموضوع هل يوجب تعد الموضوع أو يكون شيئاً واحداً والظاهر أن الجزئية والشرطية لا توجب تعدد الموضوع إذا أريد بها الدخالة في الغرض، وإذا اريد بها الإستقلالية في الخطاب فذلك يوجب تعدد الموضوع ويكون من نوع الجهة التقييدية دون الجهة التعليلية .

ولا يترتب الحكم على الموضوع المردد كقولك إضرب  زيداً أو عمراً إذا كان شخصاً معيناً كما أنه لا يقع الحكم على فرد مقارن لزوال الموضوع في نفس ذلك الآن لترتب الحكم على الفرد الآخر في أن إرتفاع الفرد  الأول ألا أن يكون الحكم غير منحصر بالفرد والتشخيص وإنما كان الحكم مستوعباً لطبيعة النوع كالحكم بالإكرام للإنسانية لأ الفرد من الإنسانية على نحو التشخيص والعين .

وهذه الآثار كلها أشارت يمكن عرضها بصورة مفصلة إلا أن كتابنا قائم على ما يخص البحث، كما أنه لابد أن نرعف جهة الفرق بين الموضوع والموضوعية الّذي سوف نشير اليه في بعض المناسبات .


 

[1] . دراسات أصولية ـ للمؤلف مخطوط.