ج ـ التعريف الاجرائي

تعرض المنطقيون الوضعيون الي التعريف الاجرائي وهو المقصود بان يكون وضع سبق قد اتفق جماعة على استعماله كأن يكون من نوع التطبيق العملي لوجود تلك الفكرة الّتي قصد بها التعريف .

ولنضرب مثالاً في ذلك كما استعرضه الدكتور زكي نجيب محمود كمفهوم الطول فما نعني عندما نتحدث عن طول شيء ما ان للكلمة معنى مفهومأً عندما نتحدث عن طول شيء معين كهذا الجدار اذ نقول له ان طوله اربعة امتار ونعني ذلك ان المتر موضوعاً الى جانب الجدار اربع مرات متوالية يطبق طرفه الأوّل على طرف الجدار من ناحية وطرفه الثاني على طرف الجدار الآخر من ناحية أخرى فهذه اجراءات عملية نلجأ اليها لنحدد طول الجدار وتكون هي نفسها معنى كلمة الطول في هذه الحالة. فالمعنى هو هو بعينه مجموعة الاجراءات الّتي تجري فاذا كان اللفظ مشيراً الى شيء في الطبيعة الخارجية كان معناه اجراءات طبيعية تنصب على الأشياء نفسها، وأما إذا كان اللفظ مشيراً الى مفهوم عقلي كالمفاهيم الرياضية مثلا كانت الاجرءات الّتي تحدد معناه هي اجراءات عقلية من قبيل ما تجربه في ذهنك عندما تراجع صحة عملية حسابية معينة[1].

ويمكن فتح الحوار مع زكي نجيب محمود ان الاجراءات العملية هي نفس الانطباعات الاولى في الذهن ولم تكشف لنا صورة غير ما كشفته النفس في عالم تصورها فان رجع التطبيق الى أمر وجداني فانه من الأوليات المسلمة الّتي هي غير صالحة للتعريف لخروجها موضوعاً والا كان داخلا في الامور غير الوجدانية، هذا مع ان الاجراء العملي والاتفاق على وجود الفكرة الاجرائية لا يمكن ان يتولد منها حكماً عاماً استيعابياً.

وأما ما مثل به في كلمة الطول وانه ليس النظر الى مفهوم الطول كأمر كلي بل ينظر اليه بما انه قد اجرى عليه عدة اجراءات حتى يتوصل الى مطابقة كلمة الطول على الجدار وانما ما اطلق عليه الطول هو بعينة طول الجدار وهكذا الحكم على مايقع اللفظ كاشفاً عن الامور الخارجية الّتي تجري عليها اجراءات طبيعية فهنا لا يخلو من اعتراض مع الدكتور نجيب حول طبيعة الاجراءات حيث ان التعريف الاجرائي من خلال اجراءات على بعض الامور الطبيعية يكون من نوع الاستقرار فقد ذكرنا في محله انه ينقسم الى استقراء كامل وذلك إذا كان التتبع على تمامية الاجزاء فيكون الحكم عاماً ويقيناً وإذا كان الاستقراء على بعض الجزاء والافراد يكون ناقصاً ولا يفيد اليقين وانما يعطي مجرد الاحتمال والتردد في وضع كلمة حاوية لتمام الحقيقة غير مستوفي في الاستقراء الناقص والتعريف الاجرائي دائماً يكون من نوع الاستقراء الناقص وان اوردنا على نحو الاستقراء الناقص يكون من التعريف باللفظ المجمل الّذي لا يتم مع حقيقة التعريف الكاشف لتمام المعنى والمظهر لحقيقة المعنى .

وعرف الدكتور عماد اسماعيل ( 1959م) الشخصية بالتعريف الاجرائي قال انها ذلك المفهوم أو ذلك الاصطلاح الّذي يصف الفرد من حيث هو كل موحد من الاساليب السلوكية والادراكية لمعقدة التنظيم الّتي تميزه عن غيره ان الناس وبخاصة في المواقف الاجتماعية ويرى ان مميزات التعريف ثلاثة:

1 ـ بأن الشخصية عبارة عن المفهوم، وبذلك يبعد الاتجاهات الخرافية في النظر الى الشخصية.

2 ـ ان الشخصية يمكن ان تقاس بالاساليب السلوكية والادراكية الّتي تربط بعضها ببعض.

3 ـ ان ما يهمنا من هذه الانماط السلوكية هو ما يتصل منها بالمواقف الاجتماعية على وجه الخصوص.

ولك مع ذلك كله ان التعريف الاجرائي غير تام لما اسلفناه اولاً هذا مع ان الشخصية لم تكن داخلة تحت قاعدة عامة وانما هي متغيرة الاتجاه غير منحصرة في جانب الاجتماع خاصة فلا يقوم عليها التعريف الحدي ولا بد ان يكون التعريف قائماً على الثبات وعدم التغيير والتبديل في هويته وماهيته .

وإذا جئنا الى التعريف الارسطي تجد قد لا حظ الحدية الواقعية وذلك عند اشتمالها على الجنس والفصل القريبين وهما غير قابلين لمحط الاجرائية القائمة على الاعتبار لأنّ التعريف لما صار باطار الجنس والفصل القريبين صارا من الجهات الواقعية الثابته . والتعريف الاجرائي وان اعطيناه حق الكاشفية الا انها على بعض الانطباعات الذهنية فلا توصلنا الى المعرفة الحقة والكشف الحقيقي.

ــــــــــــــ

[1] . المنطق الوضعي ص141 ـ 142.