ج ـ حاكمية الحق على الباطل

          نتحدث عن الصراع بين الخير والشر والصراع بين الحق والباطل فقد تعرض القرآن الى حاكمية الحق على الباطل وانه بمجيء الحق يزول الباطل فقال سبحانه «  وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا »[1].

         و يمثل هذا التعبير القرآني دور حاكمية الحق على الباطل وانه رافع لموضوعه فكلمة الحق تمثل الوحدانية للّه‏ والمعرفة الذاتية له سبحانه بعيدة عن الشوائب والأمور المنافية لذاته المقدسة فهو واحد أزلي قديم ابدي لم تعرضه الحوادث ولم تشيبه النواقص والكوادر فالحق في ذاته بمعنى الثبوت والباطل محض العدم ومشوب بالاكدار والنواقص .

          كما ان الحق يمثل دور الرسالة الخالدة لمسيرة جميع الأنبياء كما يمثل الحق في مراتبه الكاملة لمسيرة النبوة أيضاً الذي ينطبق على النبوة الخاتمية والنبوة الكاملة والنبوة التي سارت الى مراتب المعرفة التي لم يصل إليها جميع سلسلة الأنبياء فيكون الحق ما انطبق على مسيرة كمال النبوة المنطبقة على الرسول الأعظم  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

          كما ان الحق العقائدي الذي يقابل الباطل فيما إذا كان مطابقاً للواقع دون مجرد الحق الصوري فيقال للحق الواقعي وللحق الذي يتحدث عن سمات الكمال المطلق والكمال في مسار التشريع أيضاً وأما الحق الصوري فهو الذي يعتقد به صاحبه انه يسير على الحق ولكنه في واقع الأمر على خلاف الواقع والحقيقة كمن اعتقد بمذهب باطل وعقيدة فاسدة أو رأي وهو على باطل فيسمى مثل ذلك بالحق الصوري دون الحق الحقيقي .

          فعندما جاء رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالإسلام وصدح بالرسالة ونادى بصوته «قل جاء الحق وزهق الباطل» كانت رسالته الى جميع الأمم ولا تتحدد بطائفة القرشيين او العرب وإنما اخذ صوته مدوياً لجميع المعمورة شرقها وغربها يريد ان يستقر هذا النداء على جميع القلوب الحية وان تسير على نظام العدل والإنصاف فالإسلام هو صوت العدالة وصوت الإنسانية وصوت معرفة الحقوق البشرية الواقعية التي أمر اللّه‏ باتخاذها دون ان تصدر الحقوق بالأفواه الفارغة التى لا تعرف دافع الحق الذي رسمه الإسلام باتخاذه والزم التمسك به من غير اعوجاج في صياغته .

          ثم ان موارد الحق كثيرة كما أسلفنا حق المدعي والمنكر فان صاحب حق المدعي يقول انه على صواب وصاحب حق المنكر يقول انه على صواب ولكن الإسلام رسم قاعدة قضائية قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر ثم خصص قاعدة المنكر بإخراج اليمين عنه إذا كان متولياً واميناً على الوقف او الثلث وإنما كان اليمين في مورد ادعاء الملكية .

          كما ان الإسلام أجرى الحق في باب القضاء على طبق الأحكام الظاهرية دون الأحكام الواقعية فمن علم بقتل زيد ولكن جاءت البينة على خلاف علم القاضي فمقتضى قاعدة البينة على المدعي واليمين على من أنكر او قوله  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله«إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان» إجراء موارد القضاء على الحكم الظاهري دون الحكم الواقعي فالحق القضائي حق في مرتبة الظاهر دون الواقع.

          وبالجملة ان الحق الصوري الذي يرتبط بصاحب الحق والحق الظاهري الذي يرتبط بأصل التشريع ومقام الحكم في الحق حيث اخذ فيه جهة احتمال الخلاف بخلاف الأول فانه لوحظ منه في اصل وجود عدم المطابقة للواقع .

          ولكن هذا يختلف عن مسار الحق في العقيدة فانه لا يكون إلا بما كان مطابقاً للواقع فمن اعتقد باللّه‏ او بالرسول  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله او الإمامة لا بد ان يكون على بينة من أمره دون مجرد الظاهر .

          كما انه فرق بين حق من ملك دارا وأجريت عليه قاعدة اليد بحسب الظاهر للآخرين وبين حق ملكية الإنسان لنفسه لا بد ان يكون الحق في الملكية لنفسه بحسب مايعتقده ان يكون واقعياً لا ظاهرياً حيث لا يصح له التملك إلا بميزان شرعي وأمر علمي مثل من أحيا أرضاً فهي له أو عن طريق الميراث أو الهبة أو الشراء ونحوها فهو يعلم ان ما امتلكه عن طريق هذه المصادر جزماً ويطلق عليه صاحب حق أما من يسير على الضلال وعدم الهدى وعدم التمسك بالطريق المستقيم فهو على باطل ولا بد ان يسترشد إلى نور الحق والهدى والفحص للوصول إلى الحقيقة وإنما يقف على طريق الاعوجاج وعدم السير نحو الطريق المستقيم ولا يقول: « إنا وجدنا آبائنا على أمة وانا على آثارهم مقتدون »[2] فإن ذلك من محض الجهل وعدم الاستقامة فإن كل إنسان إذا كان بحسب معتقده في بداية تكونه يرى انه على هدى ولكن المطلوب ان يستقري كل عقيدة ويطلب المعرفة فمن اعتقد باليهودية أو النصرانية أو الصابئية أو المجوسية لا بد ان يطرق أبواب هذه المذاهب ليجزم بان عقيدته الإسلامية على حق وان بقية الأديان على باطل عن طريق استقرائه .

          كما تحدث معي بعض المستشرقين عندما جلست معه في لندن فقال اني كنت معتقدا المسيحية ولكن عندما طرق ذهني صوت الحسين  عليه‏السلام انطلقت في المعرفة فسارعت اطرق أبواب المذاهب والأديان باباً باباً حتى أذعنت ان خير الأديان واكمل المذاهب هو الإسلام وطريق أهل البيت  عليهم‏السلام.


 

[1] . الإسراء 81

 

[2] . الزخرف : 22 .