الظلم و أنواعه

          تعرضنا الى العدالة فما يقابلها الظلم على نحو تقابل الضدين بما انهما امران وجوديان او بنحو تقابل العدم الملكة و ليسا من نوع تقابل السلب و الايجاب و على اي حال فالظلم تارة يستند الى النفس و اخرة يستند الظلم الى الغير و الذى ينصرف اليه بدوً هو الثاني دون الاول.

          و اما بيان الظلم للنفس كما فى قوله تعالى « ظالمي انفسهم »[1].

         و قوله تعالى: « ربنا ظلمنا انفسنا »[2].

         و قوله تعالى: « ولكن كانوا انفسهم يظلمون »[3] الى غير ذلك من الآيات فان الظلم للنفس عبارة عن اقترافها الاءثم كمن أقدم على الكفر او قتل نفسه فهذا من نوع الظلم لنفسه فان مثل الكفر و اختياره على الايمان باللّه‏ يوجب العقاب و ان الاقدام على قتل نفسه او تعذيبها روحيا او جسديا كل ذلك يوجب اذية النفس و انما عليه ان يراعي تلك الامانة التي اودعها اللّه‏ ليوصلها الى صاحبها و هو خالقها و موجدها.

 

أ ـ ظلم الحقوق

          مما ينطوي تحت ظلم الغير مسألة ظلم حق الآخرين و هي على قسمين

          أ ـ الحقوق المالية.

          ب ـ الحقوق المعنوية.

          اما الحقوق المالية و هو ان يقوم بالسرقة و الاعتداء بسلب أموال الآخرين من غير حق بخلاف ما لو أخذ المال بطريق المقاصة او المجاعة فان ذلك محلل له و لا ينطبق عليه من موارد الظلم في حق الآخرين و إنما يتحقق مفهوم الاعتداء ان يقوم بالسرقة او الغصب اذ الفرق بين السرقة و الغصب ان السرقة فى حال عدم علم المسروق او جعل المال فى خزانة و محل و يقوم بالاعتداء عليه و الغصب في حال العلم بالنسبة الى الشخص المغصوب فاقدام الانسان على سلب مال الغير كان محرما و يجب عليه إرجاعه.

          ثم انه لا بد ان يفرق بين ما كان له المالية و بين ما هو ملك و هل ان الغصب يتحقق بفهوميه او ان الغصب يتحقق في الجهة المالية دون الملكية الظاهر ان مفهوم الغصب عام لكل منهما سواء كانت فى الجانب المالي او الملكي فان الشيء الذي يغصب فى طرف المال ان يكون الشيء مما يستحق ان يبذل بإزاء شيء و الملك مثل حبة القمحة و العودة من النخلة التي لا مالية لهما الا انهما من نوع الملك و كلا الامرين لا يجوز غصبيتهما و كذا يفرق بين المالية و الملك في مثل ما يقدمه صاحب العرس فانه مباح لصاحب المدعو و لم يتحقق فيه جهة الملكية فلو اخذ المدعو شيئا من (النقل) لما جاز له و انما اعطاه على نحو الاباحة دون الملكية و عليه لابد من الفرق بين عنوان المالية و الملكية و الاباحة المالكية و الاباحة غير المالكية.

          و من جملة الحقوق المالية اداء الامانة الى اصحابها كما قوله تعالى « ان تؤدوا الامانات الى اهلها»[4] فاذا لم تؤد لصاحبها كان ظالما.

         و ان كان لفظ الامانة بالمفهوم العام شاملة للامور المالية و غيرها مثل قوله تعالى « انا عرضنا الامانة على السماوات و الارض و الجبال فأبين ان يحملنها»[5] فيراد بها المعنى الكلي و هي تشمل دور المسؤولية و الحفاظ على النظام العام ايضا. و يمكن ان يتصور الظلم في الحقوق على ما يلي:

          1 ـ ظلم حق الفقراء.

          2 ـ ظلم حق الزوجة في النفقة.

          3 ـ ظلم حق الانفاق على الابوين و عدم إعطاء ما يحتاجان إليه.

          4 ـ اكل مال اليتيم او مال القاصر ولو كان وليا اذا لم يجعل بإزاء ماله مالاً آخر في حال التلف.

          5 ـ عدم اعطاء الامانة.

          6 ـ التطفيف فى المكيال و الاوزان.

          7 ـ اكل المال بالباطل من غير تجارة عن تراض كالرباء و بيع الاعيان النجسة.

          8 ـ اكل المال بطريق الرشوة.

          9 ـ إستجلاب المال من خلال العمل المحرم كصنع آلات القمار و الموسيقى و نحوه و اما بيان الحقوق المعنوية فيمكن ان تتصور على انحاء:

          1 ـ حقوق الطبع.

          2 ـ حقوق التأليف.

          3 ـ حقوق الفراش للمرءة و حق الزوجين بصورة عامة.

          4 ـ حقوق الوالدين.

          5 ـ حقوق الجار.

          6 ـ حق الدفاع عن الضغفاء.

          7 ـ حق العالم على المتعلم و حق المتعلم على العالم.

          8 ـ حق حق الراعى على الرعية و حق الرعية على الراعي.

          فمثل هذه الحقوق و نحوها مما استعرضها الامام زين العابدين عليه‏السلامفي الصحفية السجادية اكثر من ذلك كلها تعطي مفهوم الحق العام من الجهة المعنوية.

          فإذا لم يؤد صاحب الحق يكون ايضا منطويا تحت مفهوم الظلم و الاعتداء فمثل من لم يؤد لصاحب حق الطباعة او التاليف يكون من نوع الغاصب المقبول لان كل ذلك قائم على الاعتبار و البناء العقلاني و ان ذهب بعض الفقهاء بعدم اخضاع مثل هذه الانواع تحت الحقوق و عدم صحة مطالبة المالك بحقه لانها لا تقابل بازائها ولكن اذا كان الميزان على قيام الاعتبار و البناء العقلاني فمثل هذه الامور داخلة تحت الحقوق التى من حق المالك مطالبيتها.

          و على أي حال فان الحق اذا كان عاما يكون داخلا في الحق النوعي و المفهو الكلي الذي يقع تحت عنوان الحقوق المعنوية كما ان بعض الحقوق الخاصة تنطوي أيضاً تحت الحقوق المعنوية أيضاً فمثل حق الدولة حق عام و كمثل حق القتل و القصاص بغض النظر عن ملاحظة حق صاحب الدم أو المقاص منه فان دور حق الدولة أيضاً له الاثر و لا يمكن اسقاطه و لذا فانه من الحقوق العامة بمعنى القابلة للاسقاط و ليس من نوع الحكم كما يختاره البعض من اعلام الفقهاء.

          و اما مثل حق الفراش و حق الاختصاص و حق الاستمتاع و نحوها فانها من الحقوق الخاصة الا أنهاداخلة في الحقوق المعنوية اذا لم تلحظ مورد الانطباق على الموضوعات الخارجية.

 

ب ـ الظلم الاعلامى

          نقصد بالظلم الاعلامي في هذا العصر ان يكون الرجل المؤمن او الشريف او العالم و نحو هذه المصاديق في موارد الاستنقاص من كرامته او تقديم التهم و الاباطيل في حقه او التقليل من وضعه الاجتماعى او عدم اعطائه الحق الذي يستحقه و هكذا فان كل ذلك اذا سمعته العامة من الناس يوجب اضعافه و عدم الاكتراث بشخصيته الاجتماعية و ربما ان مثل هذا تجعل لها العوائق فى عدم اظهار شخصيته امام الاخرين و هذا من نوع الظلم في حقه فمن كان فقيها يقال انه من الفضلاء و ان غيره مثله و لم يكن هناك مفاضلة بينه وبين غيره.

          و اذا كان مهندسا يقال انه يوجد مهندس مثله فالطلب لا يتوجه اليه و انما يتجه لغيره لعدم المفاضلة و انما تكون من مورد التخيير بينهما و
هكذا كما انه اذا وقع التشهير بالغير و ان كان بالنسبة اليه يضعّف عن طريق اللازم و هكذا ان كل ذلك يتخذ الطرف فى ناحية الاعلام لإضعاف شخصه اما بنحو القصد المباشر و اما بنحو اللازم الجلي و الخفي فان كل ذلك يوجب الظلم.

 

ج ـ الظلم النفسي

          المراد بالظلم النفسي ان يحمل المظلوم طرقا في عدم الانطلاق نحو حرية الفكر و عدم اظهار ارادته الفكرية من علوم و معارف و نحوها فتوجب حصره في اطار ضيق كما هو المقرر في موارد التقية لجهة الخوف من طرف العدو فيظهر غير ما يبطن حيث انه اذا كان في عدم الخوف يمكن ان يظهر بجميع ما تنطوي عليه نفسيته من غير الكتمان بخلاف ما لو كان في معرض الخوف لم يمكنه الادلاء و تقديم جميع مقاصده.

          و من جملة ما يصدق عليه الظلم النفسي التعذيب النفسانى كما يستعمله رؤساء السجون كأن يشاهده تعذيب شخص آخر مثل سلخ جلد الغير او ضرب الغير او التعدي على عرضه و ما شاكل ذلك فان كل ذلك من نوع ظلم النفس و اذيتها.

          و كذا من جملة الظلم النفسى قطاع الطرق و نشر الخوف في صفوف المجتمع كإظهار القتل الجماعي في مثل مسلمي الشيشان او البوسنة و الهرسك و فلسطين و شيعة العراق و نحوها فان كل ذلك يسبب خوفا جماعيا و يصدق عليه الظلم النفسي الجماعي.

 

د ـ الظلم العقائدى

          اشرنا الى ان الظلم النفسي اذا اوجب تحديد القدرات العقلية و سلب الحرية و عدم انطلاقها كان من نوع الظلم النفسي و اما الظلم العقائدي و نعني به السير نحو العقائد الموروثة من غير تقديمها الى المناقشة في اسسها و مبانيها بحيث تجعل محكمة الكتاب و السنة و العقل فاذا لم تبن على القواعد و المنطقية العلمية يكون البقاء عليها مجرد التوارث عن السلف من غير اخضاعه للفحص و التدقيق فالتسليم بتلك العقائد ظلم و كبت للنفس و يكون من نوع الاحجام و الانغلاق و عدم عرضها على ساحة التحليل العلمي و عليه تصبح العقيدة فاشلة فاذا توراث الاجيال تلك العقيدة من غير أن نفتح ابوابها للمناقشة والتحليل يكون ذلك موجبا للظلم على طبقة الاجيال المتعاقبة التي توارثوها السابقون كما ورد فى قوله تعالى « انا وجدنا اباءنا على امة و انا على اثارهم مقتدون»[6]

ه  ـ الركون للظالم ظلم

          وردت الآية في قوله تعالى « و لا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار»[7] تمثل هذه الآية الحالة الاجتماعية التي تتوحد بين الظالم و المساند للظالم و قد منع القرآن في قوله تعالى « و لا تعاونوا على الاثم و العدوان»[8] فان الركون الى الظالم تارة لاكثار عدده و قوة سطوته و اخرى يقع الركون على نحو المساعدة التي اشارت الآية القرآنية بقوله تعالى « و لا تعاونوا على الاثم و العدوان »[9] فانه بسبب توسعة قدرته على الظلم و الاعتداء و سلب كرامة الآخرين فان مثل اعطاء السيف او السكين في حال الغضب يجعل ذلك حافزا على القتل او صناعة السيف لقتل اعداء الاسلام أيضاً من نوع التعاون على الاثم و العدوان.

 

 

 

 


 

[1] . النساء 97.

 

[2] . الاعراف 23.

 

[3] . الاعراف 160.

 

[4] . النساء 58.

 

[5] . الاحزاب 72.

 

[6] . الزخرف 23.

 

[7] . هود 113.

 

[8] . المائدة 2.

 

[9] . المائدة 2.