الحسد

          مما أشرنا إليه في طهارة القلب الابتعاد عن العجب والآن نتكلم عن الحسد فإنه حالة نفسية يتمنى الحاسد زوال تلك الصفة الكمالية والنعمة من أصحابها إما أن يتمنى أن تكون تلك النعمة له دون غيره وإما أن يتمنى زوالها وإن لم تكن النعمة عائدة إليه والمتفرد بها ويختلف الحسد عن الغبطة فإن صاحب الغبطة يريد النعمة أن تكون له ولا يريد زوالها عن الغير والحسد أن تكون النعمة له ويريد زوالها عن الغير.

          و ورد في الحديث عن داود الرقي عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال: قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال اللّه‏ عز وجل لموسى بن عمران «يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضل ولا تمدن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك فإن الحاسد ساخط لنعمي صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي ومن يك ذلك فلست منه وليس مني»[1].

         ويختلف أنواع الحسد إما من حيث المحسودأوالحاسد أو ذات الحسد نفسه:

           أما المحسود كأن يحسد شخصا لما له من العلم والفضل والكمال العقلي أو ما يتمتع فيه من صفات طيبة أو لما يتمتع به من التقوى والخصال الأخلاقية أو لما فيه من الجاه والاعتبار والغنى.

          وأما بالنسبة إلى الحاسد فلعل أسباب الحسد ترجع إلى العداوة أو التكبر أو الخوف وذكر أن أسباب الحسد تقع على سبعة أمور:

          1 ـ العداوة سواء كانت أصلية كعداوة الأمويين للهاشميين أم عرضية.

          2 ـ التعزز وهو أن يكون الطرف المقابل صاحب النعمة عليه والحاسد يحمل في  نفسه الأنفة والكبر والعزة.

          3 ـ الكبر كأن يكون الحاسد في قرارة نفسه الكبر فيتكبر على المحسود.

          4 ـ التعجب وهو أن يرى النعمة كبيرة وعظيمة أو منصبا راقيا فيتعجب من وصول الطرف الآخر إلى ذلك المقام. كما ورد في قوله تعالى « أنؤمن لبشرين مثلنا »[2].

         و قوله تعالى « ما أنتم إلا بشر مثلنا »[3].

         5 ـ الخوف وهو يتحقق في صورة التزاحم في المال أو الجاه أو المنصب فيخاف أن يصل الغير إلى ذلك المقام دونه.

          6 ـ حب الاختصاص كالوصول إلى مقام رفيع فلا الغير أن يصل الغير إليه كالرئيس والأمير والزعيم.

          7 ـ خبث الطينة وهو أن تكون نفسه خبيثة شريرة لا تحب الخير لغيرها وربما تكون هذه الأقسام متداخلة بعضها مع بعض أو إرجاعها إلى معنى جامع وهو ذل النفس وحقارتها وقد تجتمع هذه الأسباب في شخص واحد فيعظم الحسد وتظهر معالمه وتنكشف سريرته.

          وورد في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر  عليه‏السلام «إن الرجل ليأتي بأي بادرة فيكفر وإن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب»[4].

         حيث أشار  عليه‏السلام «إلى أن الإيمان صفة نورانية يوجب في القلب الإشراق والتجلي في جمال اللّه‏ وجلاله كما ورد لا يسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن»[5].

         فإذا جاء الحسد ذهب ذلك النور وانمحى ذلك الضياء وأصبح محله الظلمة والسواد لتمكن رذيلة النفس وحقارتها محل النورانية وإشراقها فتجعل القلب في دور الضيق والحرج والانكماش والحزن والكدر وجعله في دور الغضب والشدة وحب الانتقام من الآخرين فيزول ذلك النور ويضمحل ذلك الضياء الإيماني فلا يتناسب أن يكون المؤمن في حال إيمانه حسودا يحب الانتقام ويحب سلب حقوق اخيه المؤمن ويجعلها له ويكون المنفرد بها دون غيره.

          فالمؤمن لابد أن تكون سجيته الكرم والرفق والمودة والعطاء والسخاء والابتعاد عن حب الدنيا فالحسود والمؤمن متعاكسان إذ المؤمن لا يحب الدنيا والحسود يحب الدنيا والمؤمن لا يدخله الخوف والكبر وحب الاختصاص والانفراد والحسود على عكس ذلك يداخله الخوف والكبر وحب الاختصاص إلى غير ذلك وربما يترقى الحسد إلى أشد مراحله فيكون الحسود ساخطا على اللّه‏ وعلى ولي نعمه غير راضٍ عما قسم له.

          تحدثنا عن الحسد و أسبابه و قيل إن الحسد من نتائج الحقد كما أن الحقد من نتائج الغضب وقد تعرض القرآن إلى أدوار الحسد في معرض الإنكار في قوله تعالى « أم يحسدون الناس على ما آتاهم اللّه‏ من فضله »[6].

          و قال سبحانه « ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم »[7].

         و قال عز اسمه « إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها »[8].

         و قال  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله «ثلاثة لا ينجو منهن أحد، و في رواية قلما ينجو منهن أحد الظن والحسد والطيرة وسأحدثكم بالمخرج من ذلك إذا ظننت فلا تحقق وإذا تطيرت فامض فإذا حسدت فلا تبغ».

          وقال  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله«استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود».

          و قال الصادق  عليه‏السلام «الحاسد مضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ولآدم  عليه‏السلامالاجتباء والهدى والرفع إلى محل حقائق العهد والاصطفاء فكن محسوداً ولا تكن حاسدا فإن ميزان الحاسد أبداً خفيف بثقل ميزان المحسود والرزق مقسوم فماذا ينفع الحسد الحاسد وما يضر المحسود الحسد والحسد أصله من عمى القلب وجحود فضل اللّه‏ وهما جناحان للكفر وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً ولا توبة للحاسد لأنه مصر عليه معتقد به مطبوع فيه يبدو بلا معارضة به ولا سبب والطبع لا يتغير عن الأصل وإن عولج»[9]

         و قال الصادق  عليه‏السلام «آفة الدين الحسد والعجب والفخر»[10].

         و قال  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله «المؤمن يغبط والمنافق يحسد»[11].

         فعلينا أن نبتعد عن ساحة الحسد وأن نطهر أنفسنا عن العمى وحب الدنيا وقيل إن منشأ الحسد حب الدنيا وذلك عندما يجتمع الناس على مكسب مشترك ونعمة مشتركة أو تزاحم على محل أو جاه أو رئاسة فيوجب كل ذلك البعد والتنافر والتشاجر والتناحر والشحناء والبغضاء ولذا نجد أن من كان مكسبه في الهند والآخر في العراق لا يكون بين الشخصين عداوة أو بغضاء ولا يوجب ذلك الحسد والشحناء ولو كان بين الشخصين القرابة والمصاهرة وكان بينهما التشاح على المنصب والجاه أو الرئاسة لكانت العداوة تدب إليهما كدبيب النمل، وقد يؤثر الحسد بين الوالد والولد إذا كان في دور الرئاسة كما يحدثنا المأمون عن الإمام الكاظم  عليه‏السلام عندما جاء إلى أبيه الرشيد في المدينة وقد عظم الرشيد الكاظم  عليه‏السلام غاية التعظيم وأجلسه إلى جنبه وودعه بحسن حفاوة ولكن أعطى إليه المال القليل فتعجب المأمون من عمل أبيه الرشيد ورأى التناقض من سلوكه فسأله عن ذلك فقال الرشيد إن هذا الرجل أولى بالخلافة مني ولكن الملك عقيم ولو زاحمتني فيه لأخذت الذي فيه عيناك ويقصد به قطع رأسه ولو كان ولده،وهذا بخلاف المزاحمة بين الوالد والولد في العلم فلربما تضعف وقد يكون الحسد منعدماً ويرى الحب والرغبة في أفضلية ولده عليه.

          وعلى كل حال فالحسد من الأمراض القلبية ولا تداوى تلك الأمراض إلا بالمعرفة والإيمان والعلم والعمل فعليك أن تفكر بأن الحسد ضرر عليك في سلوكك الديني والدنيوي وأن الحسد لا يضر المحسود لا في الدين ولا في الدنيا وإنما ينتفع بهما في الدنيا والآخرة،حيث إن الضرر عليك في الدين حيث قد سخطت قضاء اللّه‏ وكرهت نعمته التي قسمها لعباده ولم ترتضِ عدله وحكمه في سلطانه ومملكته.

          وإن الضرر في الدنيا عليك حيث تتألم وتتعذب وتجعل نفسك في ضنك وحزن وحسرة وتألم وكمد وهذا يعود على نفسيتك في إحداث الأمراض واضطراب القلب والضغط في الدم والتوتر العصبي وكلما رزق نعمة أساءتك فتكون معذباً في كل فترة وفي كل مرة تمر عليه فتكون مغموماً حزيناً ويكون هو فرحاً مسروراً مبتهجاً فالمحسود يمر بأدوار النفع من الصحة والسلامة والابتهاج النفسي كما أنه‏يقع مظلوماً في أعين المجتمع وتكون ظالماً في أعين المجتمع فكفته راجحة وكفتك خاسرة فعلى العاقل أن يقدم على المنفعة ولا يقدم على الخسران ويقترب من
الإيمان ويبتعد عن العار وظلمة القلب وضيق الصدر والحرج.

          فإذا تأملت بعين البصيرة وغور المعرفة لأقدمت على تطهير نفسك والابتعاد عن الرذيلة فإن هذه الكوادر والظلمات قابلة للزوال وليست غير صالحة للاضمحلال وإنما تزول بالتأمل والمعرفة والإيمان والعلم والعمل والتقوى والقرب إلى اللّه‏ والبعد عن المعصية.


 

[1] . اصول كافى، ج 2، الايمان و الكفر، باب الحسد، ج 1.

 

[2] . المؤمنون / 47

 

[3] . يس / 15

 

[4] . الكافي، ج 2، الايمان و الكفر، باب الحسد، ج 1.

 

[5] . احياء العلوم، ج 3، ص 12.

 

[6] . النساء / 54

 

[7] . البقرة / 109

 

[8] . آل عمران / 102

 

[9] . مصدر الشريعة، ص 104.

 

[10] . الكافى، ج 2، ص 279.

 

[11] . نفس المصدر.