|
الغرور
نتكلم عن حالة الغرور ومعناه وهو الميل إلى ما يوافق الهوى كمن اعتقد انه
على خير بسبب عمل أو اداء فعل يعتقد بانه ناجٍ من كل آثام وداخل الجنة من غير حساب
ولا عقاب فان مثل ذلك من نوع الغرور او كمن ينفق المال الحرام في بناء المسجد او
مدرسة او ميتم أو قنطرة أو من سائر المشاريع الخيرية فيعتقد انه على خير بهذه
الاعمال وما علم ان مثل هذه الاعمال لابد ان يكون مصدرها مشروعا فيخدعه الشيطان على
عمله ويزين له عمله وبهذا يكون نفسه إلى ما تميل إليه نفسه ويرتاح اليه هواه ويقع
الغرور من جزأين الاعتقاد بانه خير وان كان ذلك بحسب الواقع على خلاف الواقع الثاني
الارتياح النفسي على ما تخيله بانه خير كمن اعطى المال للفقير وارتاحت اليه نفسه
فيظن ان من خلال الانفاق اكسب الأمان الى الدخول في الجنة او قام بالوعظ والارشاد
فحسب ان هذا العمل هو الضامن على اللّه الدخول في الجنّة او من واظب على الصلاة
والعبادة او صلاة الليل مثلا او صلاة جعفر ونحوها فحسب ان ذلك يدخله الجنة لا محالة
فهو مخطئ وانما هذا الاعتقاد من نوع الغرور لأنه كيف يكون جازما بان مثل هذه
الاعمال تكون امانا حتميّا وطريقا جزميّا بأنه يدخل الجنة التي لابد منها فان ذلك
محض الوهم والخيال ومحض الجهل والوبال.
ولذا ورد في القرآن الكريم ذم الغرور كما في قوله تعالى:« فلا تغرنكم
الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللّه الغرور ».
وقال تعالى:« ولكنكم فتنم انفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الاماني حتى
جاء امر اللّه وغركم باللّه الغرور ».
وقال صلىاللهعليهوآله جبَّذا نوم الاكياس وقطرهم كيف يفتنون سير
الحمقى واجتهادهم ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين افضل من ملء الارض من المغترين.
وقال الصادق عليهالسلام المغرور في الدنيا مسكين وفي الآخرة مغبون لانه
باع الافضل بالادنى ولا تعجب من نفسك فربما اغتررت بمالك وصحة جسد ان لعلك تبقى
وربما اغتررت بطول عمرك واولادك وأصحابك لعلك تنجوبهم وربما اغتررت بجمالك ومنيتك
واصابتك مامولك وهواك فظننت انك صادق ومصيب وربما اغتررت بماترى من الندم على
تقصيرك في العبادة ولعل اللّه يعلم من قلبك بخلاف ذلك وربما اقمت نفسك على العبادة
متكلفا واللّه يريد الاخلاص وربما افتخرت بعلمك ونسبك وانك غافل عن مضمرات ما في
غيب اللّه تعالى وربما توهمت انك تدعو اللّه وانت تدعو سواه وربما حسبت انك ناصح
للخلق وانت تريدهم لنفسك ان يميلوا اليك وربما ذممت نفسك وانت تمدحها على الحقيقة.
واما انواع المغرورين فكثيرون منهم الكفار ويكون مصادر الغرور لهم اما حب الدنيا
واما الشيطان فينظر إلى الدنيا نظير المال الذي قبض بالفعل والآخرة نظير المال
بالاجل والنسيئة ويرى بحسب تصوره ان الدنيا أمر حتمي مرجود بالفعل والآخرة أمر
مشكوك فيه يحتمل فيه الاصابة ويحتمل فيه الخطأ والامر اليقيني مقدم في نظره على
الامر المشكوك.
وكان من غرور الشيطان ان قال:« انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
».
ولابد ان يعالج الغرور بالايمان باللّه والاعتقاد برسالة الانبياء.
أ ـ الغرور و الكفر
سبق ان تحدثنا عن حقيقة الغرور والآن نتحدث عن الافراد الذين ساقهم
الغرور إلى الكفر اما لكون الحياة في نظرهم فيها المصلحة الفعلية ومتيقنة والآخرة
منها مصلحة تقديرية ومشكوكة والمصلحة الفعلية يعتبرنها. مقدمة على المصلحة
التقديرية واما لا نبعاث الغرور بواسطة اغراء الشيطان له.
ولكن عليهم ان يرجعوا إلى اسس هذا الغرور وليتمسكوا بالطريق المستقيمة
التي ترشده إلى خط الهداية والرشاد عند ما يسير على ضوء الكتاب والسنة إذ يقول
سبحانه في ناحية المقارنة بين الدنيا والآخرة:« والآخرة خير وابقى ».
وقوله تعالى:« وما عنداللّه خير وابقى ».
وقوله تعالى:« و لا تغرّنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللّه الغرور ».
فإذا نظر المغرور إلى الحياة وعدم ديمومتها و عدم استقامتها وانها متعة لا
استمرارية لها وانما الذي يكون باقيا هي الآخرة.
وان ما عنداللّه خير وابقى وان وجود الدنيا متعة زائلة تزول بزوال وقتها
فإذا فكر المغرور بعين البصيرة دون البصر انتقل إلى ان ما في عالم الدنيا من
الانقراض وان ما يقدمه الشيطان من طرق في اثبات تعنُّته وعدم ايمانه كل ذلك نابع عن
غروره من خلال مقدمات فاسدة كما في قوله:« انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
».
فان مثل هذه المقدمة في أصل ما بنى على برهانه العلمي ان وجود النار خير
من وجود الطين.قياس ظني لفقدانه لمعرفته المقيس فضلا عن المقيس عليه إذ كيف يتم له
القياس على أفضلية النار على الطين مع انه لا يعرف حقيقة مكونات الطين وما يترتب
عليه من نتائج تتحكم فيها قوانين وسنن تكوينية وتشريعية.
كما ان من جملة المغرورين أيضاً العصاة والفساق من المؤمنين فيحتمل مثل
هؤلاء انه كيف يصح من المولى ان يعذب الموحد والمؤمن حتى انه ذهب ظنهم إلى علو
مرتبة الآباء توجب التعالي على الآخرين كما يتخذ بعض العلويين في ناحية نسبهم
فاخذهم الاغترار بنسبهم مع مخالفتهم سيرة آبائهم الطاهرين.
وعلى مثل هؤلاء ان يذهبوا إلى جهة الفرق بين الرجاء الممدوح وبين التمني
المذموم ويعلم ان غروره لايدخل تحت الرجاء الممدوح وانما داخل في التمني المذموم
كما ورد عن النبي صلىاللهعليهوآله الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت
والاحمق من اتبع نفسه هواها و تمنّى على اللّه اذ الرجاء اخذ مقارنا مع العمل كما
يقال من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه.
ومما يصدق على المغرور أيضاً طبقة العلماء منهم من يقف في إطار المجادلة
والطرق السوفسطائية اوما يعبر عنه.بالديالكتيك.والمناظرة ولكن كل قصد اظهار شخصيته
الجدلية لأجل كسر المجادل معه او لاظهار قوته امام المستمعين حتى يكون صاحب تقدير
واحترام امام الجمهور.
او يكون العالم المغرور في مقام معرفته بالطرق اللسانية كعلم النحو
والصرف والمعاني والبيان او يكون العالم المغرور مقتصرا على علم المعاملات او في
جانب القضاء واظهار قوته القضائية لجهة السيطرة ولاظهار التعالي من غير ان ينظر إلى
الجانب الاخلاقي بترويض النفس.
أوأن من يأخذ طريقة الفقه والاصول ويترك الجانب العقائدي او الكلامي لما
بنى عليه.معتقده ان مثل تلك العلوم خالية من الكمال النفسى وهكذا.
ب ـ الغرور و العلماء
من جملة المغرورين من العلماء حتى في المجالات العقلية والشرعية فإذا
انغمسوا. فيها من غير مراعات التطبيق العملي او تمسك الغرور بالطاعات الظاهرة واهمل
صفات القلب او قام بالاقلاع عن اخلاق النفس وأما نيّها ولكن بقيت كدورات مكائد
الشيطان وخبايا ماتبطنه النفس من الشرور والآثام فإذا و اصل سيره من غير إقلاع عن
تلك الامور كان من جملة المغرورين وان كان بينهم كما يذكر النراقي في جامع السعادات
انهم يتفاوتون من حيث الضعف والشدة وعلينا ان نقوم بدور الاصلاح في الظاهر والباطن
معا وهو القيام بالعمل بالطاعات كما على المرء ان يفرق بين سلوك الطريق الشائك عن
الطريق المعبَّد السوي وذلك بتسهيل كل العوائق من الصفات النفسية المذمومة فإذا مات
الانسان وكانت تلك الصفات مسدلة حجابا بينه وبين اللّه لم يمكنه الوصول إلى ساحة
رحمته والقرب إلى نيل غفرانه فإذا ظن بعمله خيرا مع تلك الحجب المسدلة كان من جملة
المغرورين والذي لم يكن مغرورا انما من كان في طاعة اللّه وقد زكى نفسه عن جميع
الرذائل ولذا قال سبحانه:« قد افلح من زكاها ».
ومن جملة المغرورين الذين يطلون اعمالهم بالقصد إلى اعزاز الدين ولكن بعين
ذلك تجدهم يطلبون الزعامة والرئاسة وربما قام البعض بالغيبة واحتقار الاقران لاجل
الوصول إلى مرتقى البنيان ومن ردّ عليه وارشده إلى الصواب احال كلامه إلى طريق الحق
وقال انما كان قصدي الغضب للحق والرد على كلام المبطلين.
كما انه يرغب ان يحيك الطرق للوصول إلى الرئاسة بالتشبث والاثارة وتحريك
مشاعر الناس لتوجههم إليه باساليب عديدة وانحرافات متنوعة واشارات مختلفة كل ذلك
لتحريك مشاعرهم حتى يشتروا ويرتبطوا به وربما يطلبه الامر إلى ان يرتكب المحرم
فيخدعه الشيطان ويقول انه من مجهول المالك وانك امام المسلمين او يكبر له شخصيته
المزعومة وينشر عليها من الصفات الموهومة التي لا واقع لها حتى يتخيّل انه في حقيقة
فيتصرف بالاموال المحرمة عن طريق ذلك النسج الخيالي وعلى المؤمن ان يتحاشى مثل هذا
الفرد كما ورد عن عيسى عليهالسلام العالم السوء كصخرة وقعت في فم الوادي فلاهي
تشرب الماء ولا هي تترك الماء يتخلص إلى الزرع.
كما انه من جملة المغرورين أيضاً طبقة الوعاظ فمنهم من تأخذه زبرجة
المعاني الفلسفية والصفات الاخلاقية النظرية فيتكلم عنها بكل ما امكنه بيانه ويظن
من نفسه انه متمكن من تلك المقامات كالتحدث عن الخوف والتوكل والرضا والصبر والشكر
ونحوها ولكنه لم يكن مطبِّقا لمفاهيمها ويكون منعزلاً لاعن تلك الحقائق الاخلاقية
فإذا شاهد أحد أقرانه قام بدور الاصلاح واثر في اعماق النفوس اصابه الغم وثارت سورة
الحسد و تأججت فيه نار الغضب ولو امتدح اقرانه لوجدت الامتعاض على وجهه.
ومنهم من يسير في تنميق العبارات والاطلاء عليها بقالب البيان والسجع في
الكلام مع تخلل اصوات موسيقية لشد المستمعين نحوه وربما تاخذ نشوة التعبيرأن يرتجل
العبارات من غير مطابقة الواقع كل ذلك لاجل اثارة العواطف ويقول صاحب جامع السعادات
ولاريب في ان هؤلاء شر الناس بل شياطين الانس ضلُّوا وأضلُّوا عن سواء السبيل.
ج ـ الوسوسة و الغرور
ينبغي ان نبعد انفسنا عن صفة الغرور والتعالي في النفس فان من جملة
المغرورين أيضاً طبقة الوسواسين وهم على انحاء تارة في الجانب الديني مثل من يكون
وسواسيا في النجاسة فيريد رفع زوال النجاسة عن بدنه او في حال وضوئه فيأخذ
بالمبالغة وكثرة صبّ الماء على الموضع لرفع النجاسة وكلما جاهد في إزالة النجاسة
اخذ الاحتمال والشك فيرجع في الازدياد والمبالغة ويكون من موارد الوسوسة في حال صب
الماء على الاعضاء قد يزداد به الامر حتى يضع يده على وجهه بعد ان غسل يده الثانية
فيحصل من ذلك بطلان عمله فإذا استمر والحال هذه كان عمله طيلة حياته باطلا إذ مع
القطع بايصال الماء إلى البشرة لا مجال للرجوع وان كان لاجل الاحتياط في غرض
الايصال فلا معنى للارجاع في الاحتياط بعد جزمه بايصال الماء للبشرة.
كما ان من موارد الوسوسة والاغترار أيضاً في الصلاة فنجد البعض من يكرر
التكبيرة الاولى حتى يصل به الامر إلى تغيير الصيغة ومنهم من يشك في النية وكيفية
استحضارها حتى يفوته الوقت جماعة وفضيلة الوقت أيضاً.
كما منهم من يصل إلى موارد الوسوسة أيضاً في كيفية القراءة واخراج حروفها
اوسائر الاذكار ولم يفكر في احضار القلب.
ومن موارد الغرور أيضاً الصوم فيقوم المغتر بالصوم في الايام الشريفة
ولكن لم يحفظ لسانه وفرجه وبصره ومع ذلك يظن بصحة صومه.
ومن موارد الغرور الحج فيخرج إلى الحج من غير ان يحاسب نفسه في مظلمة قد
اقترفها اودين لم يسد صاحبه وبعين ذلك قد ابطل صلاته ولبس ثوب الاحرام وهو مطلوب
لحق اللّه في السادة وحق الإمام ويحضر بيت اللّه الحرام وقلبه ملوث بالاخلاق
السيئة والصفات الذميمة ومع ذلك يعتقد صحة حجه فهو أيضاً من الغرور.
كما ان من جملة المغرورين قراء القرآن وربما يختم القرآن وربما باليوم
والليلة ختمة واحدة فيرى في نفسه الاماني ويحس من نفسه القدرة على نيل العطاء
الاخروي.
كما ان من جملة المغرورين أيضاً من يغتر بصلاة الليل او يذكر في حال
غروره انه يغتسل غسل الجمعة ولم يترك النوافل والمستحبات من غير ان ينظر إلى
الفرائض نظرة التدقيق فيقدم النوافل على الفرائض.
ومن جملة المغرورين أيضاً من يتظاهر بقلة المطعم والمشرب والمسكن ولكن
يجاهد على طلب الزعامة ويركع لها كركوع البعير.
كما ان من جملة المغرورين المتصوفة وهم على اقسام.
1 ـ منهم المتجولة الذين يمدون يد المسألة ويظنون من انفسهم قد تركوا
لذات الحياة مقبلون على الآخرة ولكن لو ادركوا لذة الحياة لما تركوها فيقول صاحب
جامع السعادات فهؤلاء ارذل الناس بوجوه كثيرة لا تخفى.
2 ـ ومنهم من اغترَّ بالمظهر في اللباس وجلبه حسن البيان وليس النظر إلى
الصوف كما انه يغتر أيضاً في حال طرق رأسه وخفض الصوت وتنفس الصعداء وتحريك البدن
طولا وعرضا والسقوط إلى الارض عندما يسمع كلمة الوحدة والعشق مع انهم لا يعرفون
حقيقتها وقد يفرط بهم البعض إلى الرقص والتصفيق وابداء الشهيق والنهيق واختار
الاذكار من غير ورود عن معصوم والتغنّي بالاشعار.
3 ـ ومنهم من يصل بهم إلى حد التمسك بالامور المباحة ولكنه بعين ذلك قد
طوى فرش الاحكام وترك الفصل بين الحلال والحرام بل نجده في بعض المقامات يتكالب على
الشبهات ولا يحترس عن الدخول في المظالم والموبقات ـ ان احسن كلام يعتمد.
د ـ الغرور و طول الأمل
ان ما يمتلكه الانسان من الغرور الذي هو المركب من الجهل واحدى الغرائز
الشهوية كالجنس والغضب وحب المال والجاه يقابل الغرور الفطانة والعلم والزهد
والمراد بالفطانة ان يكون عارفا يقظاً بالمصالح والمفاسد لا تغرّه مظاهر الحياة له
المعرفة في اتخاذ الطريق القويم إلى مرضاة اللّه وما يقرب اليه من الاعمال الحسنة
ولم يغره الشيطان بأيِّ شيء من لذائذ الدنيا و نعيمها ويجد نفسه في حال فهو قهر
النفس وانكسار شهواتها هو الامان والاستقرار وان القرب إلى اهل الجاه والمال عين
الغربة وعين السلوك إلى البهيميه فإذا جلس إلى جنب التجار وأهل الوجوه وجد نفسه في
غربة حيث انه بعيد عن رغباتهم ومطالبهم حديثهم اللهو والمجون والجواري والغلبة
وزيادة الاثراء بالحلال اوالحرام والركوع إلى الظالمين بينما يرى نفسه العلم
والمعرفة والزهد في الدنيا وان قيمة الانسان التقرب إلى اللّه والبعد عن المعصية
وقتل الشهوات.
وعليه تكون نقاط مقابلة الغرور العلم بما يكون فيه الكشف عن احكام اللّه
من معرفة الحلال عن الحرام والتمييز بين الحق والباطل والسير نحو الطريق إلى اللّه
في مرضاته والبعد عن معصيته وان ما يغتر اليه كله لاجل الدنيا وملذاتها وهي زائلة
منقرضة وانما الحياة الابدية للآخرة فعليه ان لا يبيع دنياه بآخرته ويصبح كاسدا في
تجارته خاسرا في أرباحه بخلاف مالو قوّى عزيمته وغلبت ارادته على حب الشهوات وقدم
الزاد ليوم الآخرة وافرغ قلبه عن حب الدنيا وجعل الغلبة في قلبه حب الطاعة إلى
اللّه باتيان الواجبات وترك المحرمات والاقلاع عن الشهوات وان تكون نيته خالصة
للّه من غير ان يمزجها بالمشاركات فعندئذٍ يصبح بعيدا عن الغرور إذ يقول الامام
الصادق : واعلم انك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني الا بصدق الإنابة إلى اللّه
والإخبات له ومعرفة عيوب احوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم ولا يحتمله الدين
والشريعة وسنن القدوة وأئمة الهدى وان كنت راضيا بما انت فيه فما احد أشقى بعملك
منك واضيع عمرا فاورثت حسرة يوم القيامة.
ومما يوجب الغفلة عن عالم الآخرة طول الامل فتجده يقدم على اعمال كأنه يرى
نفسه مخلّدا ويبني القصور الشامخة والصوامع الفخمة التي تعيش الاجيال تلو الاجيال
فإذا اشتدت هذه الصفة عند اشتدت لديه كل ما يرتبط بالحياة من المال والابناء
والجواري والغلمان وزيادة الشهوة والسرف والتبذير ويعتبر طول الامل من رذائل قوتي
الشهوة والقوة العاقلة لان ما يعتقده بالبقاء إلى مدة طويلة فهو جهل يرجع إلى القوة
العاقلة واسباب هذا الجهل لانه ان كان في دور الشباب فيجد البعد عن ساحة الموت
والفناء ولو فكر في نفسه ان ما يشاهده من العصور المنقرضة والشيوخ الفانية فهل
يمكنه ان ينفلت عن هذا النظام ويصبح منفردا له المقام فهلا يشاهدكم يمر عليه القبور
التي تلتهم كل يوم العشرات والمئات من مجتمعه فتغلق عليهم ابوابها وتفتح ابوابا
اخرى الا يشاهد المستشفيات المملوة بالمرضى منهم من اصيب بالمرض العضال ومنهم من
عجز عن المقال واصبح ينظر بعينيه يقلب من حال إلى حال فينظر الموت بين حين وحين.
الا ينظر إلى وضعه وحياته فانه في كل آنٍ يموت احد اجزائه من الخلايا وان
كل وجود قائم على الحركة والتغير وما وجدناه ساكنا فهو متحرك بالحركة الجوهرية لابد
ان تبدل الصورة والمادة ويكون بعد ذلك من المعدومين الذين يتحدث عنهم التاريخ ان
خلد اسما يصلح للتخليد والا كان من المنسيين.
فعلى الانسان ان يكسر في نفسيته طول الامل بذكر الموت و الاجل وبالرجوع
إلى الماضي وما جرت عليه سنن الحياة من التغيير والتبديل فقد مات من هو اقوى منه
شكيمة و عزماً و أشد منه قوة وما لاوجاها وسلطانا فاصبح بيد صفراء.
ه ـ الحرص و طول الأمل
و من موارد حب الدنيا الحرص و طول الأمل فعلى الإنسان أن يعالج هذه الصفة
المذمومة بالقناعة ولينظر إلى عزّ النفس وكرامتها فإن الحرص ربما يوجب إضعاف شخصية
الإنسان وإرجاعه إلى المهانة والذلة والحقارة وليتأمل أن حرصه على جمع المال يؤدي
إلى الحساب الأخروي والوقوف أمام اللّه سواء كان في المحرمات أم في المباحات
وليقاس بسيرة الأنبياء والأولياء والصلحاء حيث صبروا على اليسير من حطام الدنيا
مرضاة للخالق ومواساة للفقراء والضعفاء.
ما هذا الجشع و طلب الزيادة ليس إلا مسيرة على الملذات والشهوات فلو فكر
بما يسير عليه لكان أقرب إلى مسيرة الحيوانات من سير الإنسان العاقل.
ولا يحدد الحرص على خصوص المال وإنما يسري إلى حب الجماع وإلى الحرص على
طلب الرئاسة والسمعة والحرص على كل منافع الحياة المادية والمعنوية وإن كان لفظ
الحرص ينصرف إلى أظهر المصاديق وهو جمع المال. وقد قال رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله : «ما عال من اقتصد».
و قال صلىاللهعليهوآله : «ثلاثة منجيات خشية اللّه في السر
والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب».
و قال صلىاللهعليهوآله : «التدبير نصف المعيشة».
و قال صلىاللهعليهوآله : «من اقتصد أغناه اللّه ومن بذر أفقره
اللّه».
وقال صلىاللهعليهوآله : «الاقتصاد وحسن الصمت والهدي الصالح جزء من
بضع وعشرين جزءاً من النبوة».
و قال عليّ عليهالسلام : «القصد مثراة والسرف متواة».
و قال زين العابدين عليهالسلام : «لينفق الرجل بالقصد وبلغة الكفاف
ويقدم منه الفضل لآخرته فإن ذلك أبقى للنعمة وأقرب إلى المزيد من اللّه تعالى
وأنفع في العافية».
و قال الصادق عليهالسلام : «إن القصد أمر يحبه اللّه وإن السرف أمر
يبغضه اللّه حتى طرحك النواة فإنها تصلح لشيءٍ وحتى صبك فضل شرابك».
و قال عليهالسلام : «ضمنت لمن اقتصد ألا يفتقر». وقال عليهالسلام «إن
السرف يورث الفقر وإن القصد يورث الغنى».
والغرض من استعراض هذه الروايات في بيان الاقتصاد ولا يراد به المفهوم
الاقتصادي بالمعنى المصطلح عليه في العصر الحديث وإنما يراد به ما يقابل الإسراف
والتبذير وهو دلالة على جمع المال بصورة عقلائية بحيث لا يكون مقتراً ولا مسرفاً
وإنما يسير على قانون الوسطية فيكون ممدوحاً لدى الأخلاقيين أما إذا وضع إلى حد
الحرص وجمع المال من الحلال والحرام والشبهات فهو مذموم ويستقبح عليه من قبل
الأخلاقيين والعقلاء.
كما ينبغي أن يبتعد عن ساحة الطمع وهو التوقع من الناس والنظر إلى ما في
أيديهم وهو أيضاً من موارد حب الدنيا وهو صفة مذمومة إذ قال
صلىاللهعليهوآله«إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر».
و قال عليّ عليهالسلام : «استغن عمن شئت تكن نظيره وارغب إلى من شئت
تكن أسيره وأحسن إلى من شئت تكن أميره».
و قال الباقر عليهالسلام : «بئس العبد عبد له طمع يقوده وبئس العبد عبد
له رغبة تذله».
و قيل للصادق عليهالسلام : «ما الذي يثبت الإيمان في العبد قال الورع
والذي يخرج منه الطمع». ولكن على الإنسان أن يقابل الطمع بالاستغناء والعفة فإنها
من الفضائل إذ يقول صلىاللهعليهوآله «ليس الغنى كثرة العروض إنما الغنى غنى
النفس».
و قال عليّ عليهالسلام : «ليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس
والاستغناء عنهم فيكون افتقارك إليهم في لين كلامك وحسن بشرك ويكون استغناؤك عنهم
في نزاهة عرضك وبقاء عزك».
و قال زين العابدين عليهالسلام : «رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع
الطمع عما في أيدي الناس ومن لم يرج الناس في شيءٍ وردّ أمره إلى اللّه تعالى في
جميع أموره استجاب اللّه تعالى له في كل شيء».
وترشدك الآية القرآنية إلى السير نحو الوسطية كما عليه الاتجاه الأخلاقي
من عدم البخل والإسراف فإن في كلٍّ من هذين الأمرين خروج عن قانون الوسطية كما في
قوله تعالى « ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ».
و قال تعالى « والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك
قواماً ».
و قد ذم القرآن صفة البخل و قال سبحانه : « الذين يبخلون ويأمرون الناس
بالبخل ويكتمون ما آتاهم اللّه من فضله ».
و قوله تعالى: « ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو
خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ».
و ـ اليأس و الأمل
نتعرض إلى اليأس من جانب والأمل من جانب آخر وما هو نظر الإسلام بين هذين
المفهومين .
إذا ما يعترض الإنسان من اليأس إذا انقطعت لديه السبل ولم يكن لديه من
التخلص فإذا حصل لديه ذلك يقع بين عاملين :
1 ـ عامل الانتحار
و هذا ما يحدث لدى ضعفاء النفوس ويكثر لدى الشخصيات غير الإمامية فيقدم
على قتل نفسه بسكين أو صعق كهربائي أو رصاصة أو شرب سم أو يلقي نفسه من شاهق بغض
النظر عن أسباب الانتحار ولذا
ربما يتجه بعض المنتحرين عندما يشعر باليأس الخانق أمام مشكلة يتصورها أنها أهم
المشاكل ولكنها من اتفه الأمور كالانتحار من اجل عدم الوصول إلى زواج محبوبته أو
ربما يكون من تراكم الديون عليه أو نشر بعض المغرضين لتحطيم شخصيته وهو يتمتع
بشخصية عالية لدى المجتمع فإذا وجد ذلك اقدم على الانتحار وهكذا أو ربما يتسبب
الانتحار بسبب وقوع أمراض مستعصية فيصيبه اليأس والتضجر بل ربما يجد عائلته قد
فارقوه وتركوه في دار العجزة ولم يجد تلك العائلة التي بذل لهم كل ما في وسعه فاصبح
غريباً في المجتمع فيلتجئ إلى الانتحار وهكذا أو نجد بعض السجناء ممن حكم عليه
بالمؤبد يصيبه أيضاً اليأس من الحياة وعدم الشعور بالسعادة هذا من حيث طبيعة اليأس
وما ينسب له من الانتحار بحسب تراكم الهموم والاضطراب النفسي .
كل ذلك فان مثل هذه الأمور تحتاج إلى قوة النفس والعقلانية والرجوع إلى
الحكمة والتدبر والمعرفة بعواقب الأمور ولذا ورد في قوله تعالى « و لا تأس على
القوم الفاسقين ».
و قوله تعالى « يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح
اللّه انه لا ييأس من روح اللّه إلا القوم الكافرون ».
و قوله تعالى « ونبئهم عن ضيف إبراهيم* إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً
قال
إنا منكم وجلون* قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم* قال أبشرتموني على أن مسني
الكبر فبم تبشرون* قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين* قال ومن يقنط من رحمة
ربه إلا الضالون ».
وبهذا يكشف القرآن عن طبيعة اليأس عندما يصل إلى القنوط ولكن كل ذلك لم
يصل إلى مرتبة الوجدان وإنما اليأس في محيط الإثارة والعوامل الانفعالية .
2 ـ عامل التدبر
عامل التدبر والحكمة والتحليل للحياة بصورة عامة
وأما عامل الأمل والرضا والتسليم بالقضاء والقدر أما عامل الأمل فيقوي
شخصية الآيس ويعطيه شحنة الصبر والثبات وعدم الجزع ولذا فإن القرآن يعطي قوة
الإيمان والرجاء واوعد انه سيجعل اللّه من بعد عسر يسراً .
و قوله تعالى « فان مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا ».
و قوله تعالى « لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وان مسه الشر فيؤس قنوط
».
وعليه يكون موضوع الأمل هو معنى الرجوع إلى الإيمان والمعرفة الواقعية
التي تنبعث من واقع الإنسان وفطرته كما أن اليأس منبعث عن عدم التدبر وعدم الإيمان
فبذلك لا بد أن يقع الإنسان بين الرجاء والأمل ولا يجعل عنان رقبته بيد اليأس
والقنوط .
ز ـ طول الامل و ذكر الموت
ان ما يرجو الانسان ان يطول عمره رغبة في البقاء لاتصاله بعالم الملذات
والشهوات وحب النعيم الدنيوي كما ورد في قوله تعالي:« يود احدهم لو يعمر الف سنة ».
وحيث ان ما ينظر إلى الدنيا بما فيها من لذائذ اما لجهة حبه للمال وهو
صاحب مال واما لحبه للجنس وهو منغمر في الجنس واما لجهة حبه للسيطرة والسلطان وهو
صاحب السيطرة قد ملك الرقاب فلا يرغب الابتعاد عنها واما لجهة حبه للاولاد وهو صاحب
اولاد ينظر اليهم كنظره الكواكب وهو كالشمس فيمابينهم وهكذا وهذا مما يوجب حب
البقاء وطول الامل ولو فكر بما حباه اللّه من هذه الامور فانه لا يملكها وانما
المالك الحقيقي هو اللّه فإذا شاء اللّه أخذها منه لانه لا يملك قوة ولا سلطانا
وعليه فما فائدة هذا الامل الذي هو قابل للزوال والانقراض شاهد احباءه بين رحيل
وبين من اشرف على الرحيل فكيف يتم له الامل وهو ايل للرحيل والموت والفناء.
ثم ان هناك جماعة اخرى لا تأمل البقاء وطول الامل فينظر الحياة نظرة مودع
ومفارق كأن ينظر للموت نصب عينه في كل آن وفي كل لخطة يصلي دائما صلاة المودعين
وروي عن ان النبي صلىاللهعليهوآله سأل بعض الصحابة عن حقيقة ايمانه قال ما
خطوت خطوة الاظنت اني لا اتبعها اخرى وكان بعضهم إذا يصلي يلتفت يمينا وشمالا ولما
قيل له ما هذا الالتفات قال انتظر ملك الموت من ايِّ جهة يأتيني.
وتكون ظاهرة طول الامل ممن زاد منهم تجدهم يتكالبون على الدنيا كأنها
المعشوق لدى العاشق ولاسيما من الشيوخ اكثر من الشباب وعلى الانسان أن يكثر ذكر
الموت وقد روي عن النبي صلىاللهعليهوآله انه قال: اكثروا من ذكر الموت فانه
يمحص الذنوب ويزهد في الدنيا وقال صلىاللهعليهوآله كفى بالموت واعظا وقال
صلىاللهعليهوآلهالموت الموت الا ولابد من الموت جاء الموت بما فيه جاء بالروح
والراحة والكرة المباركة إلى جنة عالية لاهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها
رغبتهم وقال صلىاللهعليهوآلهإذا استحقت ولايهاللّه والسعادة جاء الاجل بين
العينين وذهب الامل وراء الظهر وإذا استحقت ولاية الشيطان والشقاوة جاء الامل بين
العينين وذهب الاجل وراء الظهر وذكر عنده صلىاللهعليهوآله رجل فاحسنوا الثناء
عليه فقال صلىاللهعليهوآلهكيف ذكر صاحبكم للموت قالوا ما كنا نكاد نسمعه يذكر
الموت قال فان صاحبكم ليس هنالك وسئل ايُّ المؤمنين اكيس واكرم فقال اكثرهم ذكراً
للموت واشدهم استعداداً له اولئك هم الاكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة وقال
الإمام الباقر عليهالسلام اكثروا ذكر الموت فإنه لم يكثر ذكره انسان الا زهد في
الدنيا وقال الصادق عليهالسلام إذا انت حملت جنازة فكن كانك انت المحمول وكانك
سألت ربك الرجوع إلى الدنيا ففعل فانظر ماذا تستأنف ثم قال عليهالسلامعجبا لقوم
حبس اولهم عن آخرهم ثم نودي فيهم بالرحيل وهم يلعبون وقال عليهالسلام لابي بصير
بعد ما شكا اليه الوسواس ـ اذكر يا ابا محمد تقطع اوصالك في قبرك ورجوع أحبّائك عنك
إذا دفنوك في حفرتك وخروج نبات الماء من منخريك واكل الدود لحمك فان ذلك يسلي عليك
ما انت فيه قال ابو بصير فواللّه ما ذكرته الاسلي عني ما انا فيه من هم الدنيا
وقال عليهالسلام من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين وكان مأ جورا كلما
نظر اليه.
وورد عن الإمام الصادق عليهالسلام ذكر الموت يميت الشهوات في النفس
ويقلع منابت الغفلة ويقوي القلب بمواعداللّه ويرق الطبع ويكسر اعلام الهوى ويطفئ
نار الحرص ويحقر الدنيا وهو معنى ما قال صلىاللهعليهوآله فكر ساعة خير من
عبادة سنة.
وقال النبي صلىاللهعليهوآله اكثروا ذكر هادم اللذات وقال
صلىاللهعليهوآله والموت اول منزل من منازل الآخرة وآخر منزل من منازل الدنيا
فطوبى لمن اكرم عند النزول بأولها وطوبى لمن حسن مشايعته في آخرها والموت اقرب
الاشياء من بني آدم وهو بعده ابعد فما اجرأ الانسان على نفسه وما أصعفه من خلق وقال
النبي صلىاللهعليهوآله من احب لقاءاللّه احب اللّه لقاءه ومن كره لقاء
اللّه كره اللّه لقاءه.
ح ـ الموت يقين لا شك منه
ممّا يجب على الانسان ذكر الموت فانه أمر لا مفر منه وقضاء لامرد عنه
ويقين لا تردد فيه إذ يقول سبحانه.
« اينما تكون يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ».
وقوله تعالى:« كل نفس ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن
زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الامتاع الغرور ».
وقال الإمام الصادق عليهالسلام مامن اهل بيت شعر ولا برد الا وملك الموت
يتصفحه كل يوم خمس مرات وورد عنه عليهالسلام ما خلق اللّه يقينا لاشك فيه اشبه
بشك لا يقين فيه من الموت.
وقال عليّ عليهالسلام ما انزل الموت منزلته من عد غدا من اجله وقال
عليهالسلام لو رأى العبد اجله وسرعته اليه لا بغض العمل من الدنيا.
ومرّ رسول اللّه على قوم يتحدثون ويضحكون فقال لهم اذكروا الموت اما
والذي نفسي بيده لو تعلمون ما اعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ومرّ
صلىاللهعليهوآلهبمجلس قد استعلاه الضحك فقال شوبوا مجلسكم بذكر مكدر اللذات
قالوا وما مكدر اللذات قال الموت.
وعلى الانسان ان لا يكون غافلا عن ذكر الموت ويحاسب نفسه بين كل فترة حتى
إذا جاء اجله كان مستعدا له من حيث الذنب واقتراف الاثم والتعدي على الآخر واكل
المال بالباطل واكل لحوم الناس أحياء كالغيبة والنميمة والكذب والنفاق فإذا ذكر
الموت ونظر إلى هذه المعاصي وقد اقلع منها صار من المؤمنين الذين حاسبوا انفسهم.
ويقع ذكر الموت تحت مراتب
1ـ ذكر الموت لذمه لما في الانسان من الحب للذات والشهوات فإذا ذكر الموت
كان موجبا بصده عن هذه الامور فقال سبحانه:« قل ان الموت الذي تفرون منه فإنه
ملاقيكم ».
لانه يذكر الموت تتكدر عليه معيشته وهي في النعيم مترف فيه فلا يحب ان
ينغص عليه تلك الملذات.
2ـ ان في ذكر الموت يورث الخوف والخشية فيدفعه إلى التوبة والندم ويكثر
من الاستغفار والرجوع إلى اللّه ويكون مهيئا للرحيل وحب لقاء اللّه مستعدا في
مقام العمل لمرضاته سبحانه للنيل على مراتب الدرجات.
3ـ ذكر الموت يوجب له حب الابتعاد عن الدنيا والعشق في عالم الآخر وتراه
محبا لجوار ربه كما ورد عن حذيفة انه لما حضرته الوفاة قال حبيب جاء على فاقة لا
افلح من رده اللهم ان كنت تعلم ان الفقر أحبُّ إليّ من الغني والسقم احب إليّ من
الصحة والموت احب إلى من الحياة فسهل عليّ الموت حتى القاك
وتعتبر هناك مرتبة اعلى من ذلك ان يجعل التفويض للّه ولا يختار لنفسه
شيئا من الموت والحياة والفقر والغنى والمرض والصحة وانما الذي يكون احب الاشياء
اليه ما احبه اليه مولاه.
وعليه ان يبادر إلى الحسنات والعمل في الاكثار من الخيرات إذ يقول رسول
اللّه صلىاللهعليهوآله اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك
وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك وقال صلىاللهعليهوآلهمن خاف
ادلج ومن ادلج بلغ المنزل الا الجنة.
وروي انه ما من صباح ولا مساء الا ومناد ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل
وعليه لا يكون الانسان عاصيا غير مكثرت للمعاصي كما يطلق عليه بالوقح وهو الذي
لايبالي في اقتراف الاعمال القبيحة سواء كانت من الجانب الشرعي او العرفي ام العقلي
واما الذي يقابله فهوالحياء والحذر من الذم واللوم وانه اعم من التقوى اذ التقوى
يختص في اجتناب المعاصي الشرعية بينما الحياء شامل للجانب العرفي والشرعي ورود عن
الصادق عليهالسلام الحياء من الايمان والايمان في الجنّة وقال عليهالسلام
الحياء والعفاف والعي اعني عيّ اللسان لا عيّ القلب من الايمان وقال عليهالسلام
الحياء والايمان مقرونان في قرن فإذا ذهب أحدهما تبعه صاحبه.
.
مصباح الشريعة الباب 36 وكذا ورد في جامع السعادات ج3 ص5.
.
مصباح الشريعة الباب 36.
. الوافي ج5 ص295 - معنى مثراة من الثروة والمراد من المتواة - الهلاك
والتلف.
.
الوسائل باب 23 من ابواب الاستحضار كتاب الطهارة ج1 ـ احياء العلوم ج4
ص283.
.
مصباح الشريعة الباب 84.
.
احياء العلوم ح4 ص39 ـ وفي نسخة اولج ومن اولج.
|