ظاهرة حب الجاه و الاعتبار و علاجهما

 

          من جملة الغرائز التي قد تطفو على الانسان فتصحبح ظاهرة على اقواله وافعاله عندما يسير عند مراعاة المجتمع ويكون دائما في حال جلب الافراط بطرق التودد واطلاء الاخلاق الظاهرية على حركاته وسلوكه لغرض استجالبهم واول ما يتجه بهذا المنحى الصوري تقارنه الازدواجية في الشخصية ويكون بذلك مؤدي النفاق وان كان في نظر العرفاء فانه من نوع بذر النفاق واصل الفساد على نحو المبادى‏ء حيث يكون في المآل الى التساهل في العبادات والمرايا التى بها يجر ذلك الى اقتحام المحظورات للتوصل الى اقتناص القلوب ولذلك شبه رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهحبّ الشرف والمال وافسادهما للدين بذئيين ضاريين وقال انه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل[1].

         وانما كفاح الجاه والاعتبار ان ينظر الى نفسه بانه سوف يموت وانه لابقاء له بل لو فكّر في نفسه ان جميع العالم لو انقادوا اليه انقياد الاعمى للبصير وسبلت ارادتهم في اى حركة من حركاتهم لكان نهايتهم الى الموت مثله فمنهم من سبقه ومنهم من لحقه ونتيجتهما الى عالم الفناء وان ما تصوره من الكمال‏هذا العالم المتناهي والمنقرض الوجود فما اشغل نفسه بالجاه بكسب مطامع شخصية واغراض دنيوية زائلة بزواله ومنعدمة بوجوده ولم يبق الا العمل الصالح وبذلك اشار القرآن الى حبّ المال وحب الدنيا في قوله تعالى: « بل تؤثرون الحياة الدنيا و الآخرة خير و ابقى »[2] وقوله تعالى: «كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة»[3].

         و ما يتعرض القرآن الى ظاهرة حبّ الجاه والمال من اجل الدنيا وهى حياة عاجلة سرعان ما تزول ولذا اشار الى بقاء الآخر و ذلك قوله تعالى وتذرون الاخرة وهى حياة العقلاء والنبلاء وحياة العارفين هذا مع ان الالتزام بالجاه والمال فان كلام منهما زائل حتما فمن رغب فيه رغب عنك ومن احب المال فهو زائل لا يبقي فانه ينقص بالانفاق والعلم يركزو على الانفاق فان كل انسان مهما انفق حياته في جلب النفوس واقبال الناس نحوه فلا يمكن ان يتحكم في القلوب لان لها اقبال وادبار فيوم لك ويوم عليك انظر الى ما عليه الملوك السالفة في الايام الماضية من اقبلت عليه الناس و ادبرت فمنهم من اظهر له الحب والولاء وافدته بالمال والنفس وبعد فترة انقلب عليه الناس فاصبح يريد ماوى يحفظ حياته فيه فلم يجد من ياوية بل يجد الناس تطارده في كل مكان كما هو الحال في عهد نور سعيد رئيس وزراء العراق وهكذا الحال في طاغوت العراق (صدام) الذي اذلّ النفوس واظهر الطغيان على شعب العراق الذى لا يملك الحول ولا القوه فقتل وسلب وهتك الاعراض وقتل النفوس البرئية من الشيوخ والاطفال والنساء ولكن كانت خاتمة حياته ان يقتل ولداه عدى و قصى و قبض اسيرا عند جنود الامريكيين اشعث الوجه كثيف اللحية يلعب الجندى فى لحيته و اسنانه.

          فلا يغترن الانسان بمدح المادحين و لا بصولة الجبارين وانما ينظر الى الوصول الى الكمال الحقيقي وهو تهذيب النفس وجلاءها امام مصورها ومبدعها فان ذلك هو الكمال الذي ينبغي ان يسير عليه العرفاء في سلوكهم لاجل رضاية خالقهم فيرفع عن النفس هذه الاوساخ الزئلة وان يكون اظهاره امام الخلق بالتواضع وانكسار النفس والبعد عن اللذائذ الفارغة مثل المدح والثناء بما لم يحمله نفسه فان ذلك من نوع الكذب والنفاق فان من يقدم اليك الاحترام والتقدير والثناء في التبجيل وانت في قرارة نفسك لا تستحق ان تكون موردا لذلك فان المادح في واقع الامر من نوع المخادع و المماكره مخارع ومماكر قد اهال عليك عبارات المدح والثناء وهو يعلم يعدم استحقاقك فقد نفاقك.

          وقد روى ان بعض الملوك قصد بعض الزهاد فلما علم بقربه منه استدعي طعاما واخذ ياكل بشره ويعظم اللقمة فلما نظر اليه الملك سقط من عينه وانصرف فقال الزاهد الحمداللّه‏ الذي صرفك عني. كل ذلك بقصد دفع التقرب الى مقامات الملوك و انما طلب ذلك لاجل البعد عنهم وقربه الى اللّه‏ بينما طالب الاعتبار والجاه تجده يفكر كيف يصل الى الملك و كيف يقترب منه بشتى الالوان حتى ينال استرضائه وقبوله فذاك طالب ... البعد وهذا طالب الاسترضاء والقدب فانظر الى بُعد الشخصيتين وانعكاسهما على ساحة المجتمع بين الاتجاه الايجابى والاتجاه السلبي.


 

[1] . محجة البيضاء ج 6 ص129.

 

[2] . الاعلى / 16 ـ 17 .

 

[3] . القيامة / 20 ـ 21 .