حسن العمل

 

          نتعرض إلى طبيعة حسن العمل بعد فرض الإخلاص فيه فإذا جاء الإنسان بأي عمل لا بد أن يشعر من نفسه أن هذا العمل له وليس لغيره وانه يريد أن يكون أمثولة يتفاخر به على غيره من حيث حسنه واداؤه فإذا صنع النجار الكرسي لا بد أن يقدم احسن عمله لأجل جذب الوافدين نحوه وتوجه المشترين إليه وكذا إذا قام البناء بالبناء لا بد أن يرى أن هذا البناء سوف يبقى له تاريخه وله رواده فعليه أن يقوم بالفن المعماري ليكتسب سمعة وانتشاراً بين صفوف البنائين والوافدين وهكذا يكون حسن العمل مرعياً في جميع أصنافه فلا يكون الحسن في بعض دون بعض وانما الحسن يسري على كافة الأعمال .

          وعليه فإذا قام صاحب العمل في مثل العبادة كالصلاة لا بد أن يقدم عمله الصلاتي بتمام الشرائط ولا يصح له الإخلال ببعضها حيث لم يكن عمله مستوفياً كمن صلى من غير ساتر أو من دون القبلة أو عدم النية أو غير مستوفٍ لتمامية الأجزاء مثل القراءة والذكر والتشهد وهكذا .

          وانما على المصلي أن يرى من نفسه أن اللّه‏ أراد منه أداء تمام العمل من غير نقيصة ولا زيادة أيضاً .

          وكذا في مثل الحج عندما يوفق الانسان إلى بيت اللّه‏ الحرام يجد من نفسه انه مطالب بفريضة الحج وانه جاء من بلاد بعيدة قد اراح عنه راوحه التعب والنصب مع بذل الزاد والراحلة فلا ينبغي للإنسان أن يقضي حجه بأعمال لا ترضي اللّه‏ كعدم تمامية الطواف وعدم صحة السعي وعدم صحة صلاة الطواف أو عدم إتيان طواف النساء وهكذا فان الحج أو العمرة اصبحا غير تامين ولم يحسن أداء عمله الشرعي وكذا الحكم بالنسبة إلى الصوم أيضاً وهكذا بالنسبة إلى سائر الأحكام الشرعية فمن كان مطالباً بأداء الواجبات الشرعية من الخمس والزكاة لا بد أن يرى من نفسه انه واجب عليه أداؤهما فإذا نقص من أدائهما لم يحسن العمل وانما على المرء أن يرى من نفسه أن الزكاة واجبة والخمس واجب وانه قادم إلى اللّه‏ في دار الآخرة فلا بد أن يوفي حق الآخرين وهكذا بالنسبة إلى سائر الأعمال الأخرى .

          وإذا رأينا الإنسان لم يسرِ على وفق ما التزم به لتهاونه في أداء عمله وهذا لا يخلو إما أن يكون مهملاً وإما أن يكون مراعياً لمصالحه الشخصية دون الحفاظ على المصالح النوعية ورعاية حق الآخرين لأنه لا يرى الآخرة بعين الاعتبار وانما كل هدفه وغايته الرجوع إلى حب الدنيا واتباع محاسنها وانه في نظره طويلة الأمل ولكن ما فكر به لا يجد ذلك له مهرباً وأملاً فان الدنيا أخذت طريقاً ومعبراً للآخرة وليس لها بقاء واستمرار حتى تكون الغاية القصوى والهدف الأسمى .

          وقد أنكر رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الرجوع إلى طول الأمل فقال  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أن أشد ما أخاف عليكم خصلتان اتباع الهوى وطول الأمل فأما اتباع الهوى فانه يصد عن الحق واما طول الأمل فانه الحب للدنيا .

          فإذا أحس الإنسان انه متبع لهواه ومساير لطول أمله في ناحية حبه للدنيا فقد اصبح في سفينة لا ربان لها يكاد يغرق من حيث لا يشعر فعليه الابتعاد من هاتين الخصلتين والرجوع إلى عالم المعرفة والرشاد إلى سبيل الحق .

 

حسن المعاشرة

 

          قال الصادق عليه‏السلام: حسن المعاشرة مع خلق اللّه‏ تعالى في غير معصية من مزيد فضل اللّه‏ تعالى عند عبده و من كان مخلصا خاضعا للّه‏ في السر كان حسن المعاشرة في العلانية فعاشر الخلق للّه‏ تعالى و لا تعاشرهم لنصيبك لامر الدنيا و لطلب الجاه و الرياء و السمعة و لا تسقطن بسببها من حدود الشريعة من باب المماثلة و الشهرة فانهم لا يغنون عنك شيئا و تفوتك الآخرة بلا فائدة فاجعل من هو الأكبر منك بمنزلة الآب و الاصغر بمنزلة الولد و المثل بمزلة الأخ و لا تدع ما تعلمه يقينا من نفسك بما تشك فيه من غيرك و كن رفيعا في امرك بالمعروف و شفيعا في نهيك عن المنكر و لا تدع النصيحة فى كل حال قال اللّه‏ تعالى « و قولوا للناس
حسنا
»[1] و أقطع عما ينسيك وصلة ذكر اللّه‏ تعالى و تشغلك عن طاعة اللّه‏ الفتنة فان ذلك من أولياء الشيطان و اعوانه و لا يحملنك و ؤبهم الى المداهنة عند الحق فان ذلك في خسران عظيم نعوذ باللّه‏[2].

         عن ابي ربيع الشامي قال: كنا عند ابي عبداللّه‏ عليه‏السلام و البيت غاص بأهله فقال عليه‏السلام: ليس منا من لم يحسن صحبة من صحبه و مرافقة من رافقه و ممالحة من مالحه و مخالقة من خالقه[3].

         و عنه عليه‏السلام قال: كان ابي عليه‏السلام يقول ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت اذا لم يكن فيه ثلاث خصال خلق يخالق به من صحبه و حلم يملك به غضبه و ورع يحجزه عن محارم اللّه‏ تعالى[4].


 

[1] . البقرة 83.

 

[2] . مصباح الشريعة ص 43 ـ 44.

 

[3] . مكارم الأخلاق ص 250.

 

[4] . نفس المصدر.