|
الجدلية التاريخية في الحركة القرآنية
نشير إلى بعض اللمحات حول المفهوم الجدلي فهو منهج منطقي انطلق من سقراط
على طريقة سؤال وجواب وحل ولكن افلاطون صاغة بمنهجية جديدة فجعله منهجاً يردّ بها
الكثير والمتناقض إلى مدركات عقلية متّسقة مترابطة وانتحل «كانت» المصطلح واطلقه
على طريقته في البرهنة على الميتافيزيقا مفرقا بينها وبين المعرفة المستمدّة من
الظواهر واقام هيجل فلسفته على منطق الجدل منتقلا من وضع إلى نقيضه ثم منها إلى
التأليف بينهما اى من فكرة ونقيضها إلى فكرة اعلى منها في مراتب الحق وزعم ان هذه
الحركة المنطقية هي تعنها طريقة التاريخ في مسيرة واستعار «ماركس» هذه الفكرة
فعكسها بان جعل الحركة الجدليّة تقوم اولا بين اوضاع اقتصادية مادية قبل ان تكون
منطقا عقليا.
اما مفهوم التاريخ فهو قصة ماضى الانسان او هو عرض منظم مكتوب للاحداث
وخاصة تلك الّتي تؤثر في أمة اونظام او علم اوفق وهولايسجّل الاحداث الماضية
باعتبارها خطوات في التقدم البشرى فحسب بل يسمى إلى إيضاح اسباب هذه الاحداث
ودلالتها وبعرضها على نحو يدل على تشابكها معاني قصة واحدة ويستعين التاريخ في ذلك
بالاثار والروايات والمعاهدات والمذكرات والاساطير... الخ ويقسم عادة إلى قديم
ووسيط وحديث.
وبهذا يتضح لديك الفرق بين الجدلية التاريخية وبين مفهوم التاريخ اذ
الجدلية التاريخية تتجه إلى ناحية التشكيلة المنطقية عن طريق الاستنتاج والاستنباط
ومفهوم التاريخ هو مشاهدة الاحداث المسجّلة في تحديد زمن معين و مكان معين وارجاع
ذلك إلى سبب معين بغض النظر عن الفلسفة التاريخية فان المفهوم التاريخي ينصبّ إلى
ناحية جزئية والجدلية التاريخية تنصب إلى ناحية قضية كلية والفلسفة التاريخية ترجّع
الامور إلى احكام تعليلية تختلف عن الجدلية التاريخية ولنستعرض فكرة هيجل حول فلسفة
التاريخ كما يحدثنا عنه الدكتور عبدالرحمن البدوي في موسوعته اذ يقول وعند هيجل ان
التاريخ الكلي ليس هو التاريخ الساذج الّذي يقدمه من رووا الاحداث ولا التاريخ
النظري الّذي يريد تفسير الوقائع واستخراج العبر والدروس العملية من الماضي بل
التاريخ الكلي الحقيقي هو التاريخ الفلسفي الّذي يهيمن على الوقائع وينظر اليها من
وجهة نظر غير مقيدة بزمان ذلك لان العقل جوهر التاريخ والعقل يحكم العالم.
ولهذا يرى هيجل ان كل حدث من احداث التاريخ انما جرى وفقا لمقتضيات العقل
ومن هنا فالتاريخ تطور ونمو لمنطق باطن لم تكن الشخصيات التاريخية غير ادواة لتحقيق
دون شعورها بذلك، انهم يخضعون لاهوائهم ويرمون إلى تحقيق
هو ان
غاية ما بعيدة المدى قد تحقق لم يكونوا على شعور بها ولم تكن قصدا من مقاصدهم وهذا
هو ما يسميه هيجد (خبث العقلي الكلى المسيطر على التاريخ) فمن خبثه انه يستعين بهذه
الشخصيات في سبيل تحقق اهدافه وخططه ومقاصده دون ان يكون هؤلاء على علم بذلك الخاصة
تحتوى على المحتوى الجوهري الّذي هو ارادة الروع الكلية وهذا المحتوى قائم في
الغريزة الكلية غير الشعور بها لدى الناس وهم مدفوعون بذلك بقوة باطنة وفي بعض
القصور نجد ان تركيب روح الشعب يتحطم لأنّه عفى عليه وخلى من جوهره. ولكن التاريخ
رغم من ذلك يستمر في سيره قدما لا يتاثر بانهيار حضارة او انحلال دولة ولكن في
المراحل الكبرى تحدث الاصدامات العظمى بين الأنظمة القائمة حتى الآن وبين
الامكانيات المضادة لهذه الانظمة مما يؤدي إلى زعزعة الأنظمة القائمة ولكن
الاصدامات نفسها تتضمن امرا بعيدا بل ضروريا وحينئذ تصبح هذه الامكانيات ذاتها
ضروريهوتتضمن اساسا مختلفا عن ذلك الاساس الّذي كان حتى الان اساسا للتنظيم الشعبي
وهذا الكلي يستولي عليه عظماء التاريخ ويجعلون منه قصدا من مقاصدهم وهم حين يحققون
اطماعهم يحققون في الوقت نفسه الغاية الّتي تتفق مع التصور الاعلى للروح وعلى هذا
النحو يبتدىء منطق التاريخ فظروف التقدم الّتي حققتهاالانسانية عن طريق المتناقضات
والاضدادات والحروب والثورات تؤدي إلى وضع الامور أصدق وأفضل افترات الهناء والرخاء
والخلوّ من التناقض والسلام فهي ليست عصورا تاريخية ثم توسع هيجل في عرض نظرياته
إلى ان التاريخ الكلي هو تقدم الشعور بالحرية وهذا التقدم نجد دلائله اولا في
الانتقال من الطغيان الشرقي القديم الّذي كان فيه فرد واحد هو الحر والباقي عبيد
(في مصر القديمة وفارس وبابل) نقول الانتقال إلى الجمهوريات والاستقراطيات الجديدة
في اليونان وروما حيث كان بعض الافراد هم الاحرار. يقول هيجل ان الامم الجرمانية هي
وحدها الّتي ارتفعت لأوّل مرّة إلى الشعور والوعي لهذه الحقيقة ألا وهي ان الانسان
حرّ بما هو انسان وان حرّية الروح هي الطبيعة الخاصة الجوهرية بكل انسان بما هو
انسان ولكن النظم السياسية لم تخضع لهذا المبدأ في اول الامر وطوال العصور الوسطى
الاولى انما بدأت الفترة الحاسمة من اجل ايجاد هذا الوعي بالحرية لاول مرة بعد ذلك
في عصر الاصلاح الديني وهذا يعد بمثابة الثورة الجرمانية في مقابل الثورة الفرنسية.
وعلينا ان نخرج بنتيجهحول الجدلية التاريخية حيث اشرنا إلى ان حصيلتها الرجوع إلى
نتيجة منطقية تتجه إلى قضية كلية بينما الفلسفة التاريخية ترجع إلى تعليل الاحداث
ووقائعها من حيث الجانب المنطقي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والاخلاقي وقد يكون
المعلّل راجعا إلى قضية جزئية وقد يكون راجعا إلى قضية كلية يختلف باختلاف طبيعة
التعليل واقتضائه. وبهذا سار هيجل إلى الجدلية التاريخية نحو النتيجة المنطقية
الكلية وقال: ان كل حدث من احداث التاريخ انما جرى وفقا لمقتضيات العقل. وعلى هذا
كان في دور الارتقاء والتطور لنمو منطق الباطن والشخصيات التاريخية. فاذا رجع
التاريخ إلى التناقض اصبح تاريخا واذا رجع إلى السلم والرخاء لم يكن تاريخا فالذى
يسجل عليه قلم التاريخ ماوقع في المعترك والتناقض والصراع دون السلم والهناء
والرخاء.
. الموسوعة العربيّة الميسرة: ج 1 / ص 616.
. الموسوعة العربية الميسرة: ج 1 ص 480.
. الموسوعة الفلسفية: ج 2، ص 591 ـ 594 للدكتور عبدالرحمن بدوي.
|