|
التركيبة القرآنية فى الفاتحة
نتوصل فى حديثنا الى التركيبة القرآنية فى الفاتحة و غرضنا بيان الهيئة التركيبيّة فى فقرات الفاتحة فان اجزائها الاول متّجهة الى ناحية التوحيد و الرحمه الآلهيه والاعتراف بالعبوديّة وان ربه هو مالك يوم الحساب و هو الوصول الى مرحلة التكامل كما انه معترف بوحدة الذات و الصفات و الافعال و الى الحمد و الثناء عليه و المدح له كما ان آخر اجزائها قد احتوت على ذم المعرضين عن الايمان و الطاعة و قسمت المكلفين الى ثلاثة انواع اهل طاعة و هى الّتي اشارت الآية بقوله: «أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» و هم الذين يعرفونه حق معرفته و من خاطبهم القرآن او الايمان بالمفهوم الخاص بالنظر لمن خاطبهم القرآن او الايمان بالمفهوم العام الشامل للاسلام و النوع الثاني اما كلي العصاة او لخصوص العصاة المحددة في اليهود و الضالين من النصارى. و ذكر الفخر الرازى فى الفائدة العاشرة فى الآية سؤال آخر ما الحكمة فى انه تعالى جعل القبولين طائفة واحدة و هم الذين انعم اللّه عليهم و المردودين فريقين المغضوب عليهم و الضالين. و الجواب ان الذين كملت نعم اللّه عليهم هم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته و الخير لاجل العمل به فهؤلاء هم المرادون بقوله: «أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» فان اختل قيد العمل فهم الفسقة و هم المغضوب عليهم كما قال تعالى: «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ» وان اختل قيد العلم فهم الضالون لقوله تعالى: «فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ»[1]. والّذي نلاحظه فى تقسيم الآية المنعم عليهم هم من كانت ذاتهم مستعدة لتلك النعم فمن جمعوا بين معرفة الحق لذاته و الوصول فى المعرفة لا يتناسب الا مع افق استعداد نفوسهم فيكون العمل على وفق تناسب المقتضي مع المقتضى و هؤلاء طائفة خاصة من البشر كما ان المغضوب عليهم بما انهم وصلوا الى حد التقابل الحقيقي بين النعم عليه و المغضوب عليه و هم الذين وصلوا الى كمال الرفض لقبح نفوسهم و من جعلوا الجهل طريقا لهدايتهم فقد ضلوا عن الجادة. و المهم فى غرضنا التركيبة القرآنية يرتسم على صور. الاول: ملاحطة الروابط القرآنية و ادراك مدى العلائق بين كل آية وآية. الثانى: انتزاع قاعدة الضوابط الكلية من الروابط القرآنية بحيث تصبح اداة للحركة العلمية. الثالث: استبطان الآيات القرآنية كمجموعة و كاجزاء لنتوصل بهما الى نتيجه. من حيث الهيئات التركيبية كاتحاد او كانضمام كعنوان الحق و الوجود و التحرك من حيث الداخل و الخارج و ما شاكل ذلك. الرابع: التعرف عن اللوازم القرآنية القريبة و البعيدة وملاحظة مقدار تلك الصلة بين الملزوم و اللازم و اخذ المعانى من خلال تلك المقارنات. الخامس: التعرف على من خوطب و من هو الّذي قصد به التفهيم. السادس: هل من خاطبه القرآن محتاج فى ابقاء وجوده اوانه اخذ فى خطاباته على نحو القضية الحقيقية دون القضية الشخصية. ان مثل هذه الخطوط العريضة في التركيبة القرآنية على نحو الفهم القرآنى ككل اما في صورة انطباق هذه الصور على الفاتحة فبما ان الفاتحة اخذت في فضلها نصف القرآنية فلابد ان يكون لها الاهميّة من حيث الاحتواء والقرآن المضمون. فالنظر الى العلائق القرآنية بالنسبة للفاتحة لما كان الابتداء بذكره المقدس و ان الشروع بالبسملة يكشف عن هوية التطابق بين الغاية و المغيّى ولذا كانت البسملة متكرّرة على طبق كل سورة لاختلاف الغاية كما ان كلمة الرحمن قد كررت لاجل افاضة الوجود منه على مخلوقاته وهي صفات افعال و ان الحمد مدح و ثناء لتلك الذات المستحقة للمدح و لا يكون اطلاق المدح الا مع تناسب المقتضي مع المقتضى و الذات لذى الذات فيكون المدح منه و اليه. و اذا جئنا الى تكرر الحمد نجده في عدة مواطن مثل «اَلْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعالَمِينَ» «الْحَمْدُ للّهِِ فَاطِرِ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ» «الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللّهُ» وكثير من الآيات في هذا الاتحاد و قد تكررت لاختلاف موارد الحمد كزيادة النعمة و رفع النقمة كما ان بين الحمد و الشكر نسبة العموم من وجه دون العموم من مطلق. ونجد الارتباط القرآني ايضا يسير في كلمة الرب فى هذه السورة و في بعض السور الأخر كما ورد فى قوله «وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا». و هكذا فى قوله تعالى «وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ* يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ للّهِ»[2]. و ذكر يوم الدين فى سورة المطففين فى قوله تعالى: «الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ »[3]. و ورد فى سورة المدثر قوله تعالى: «وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ»[4]. ومن خلال هذه الآيات و غيرها ينكشف لنا ان يوم الدين يراد به هو يوم الحساب و يوم الجزاء الّذي فيه الدلالة على وجود الحركة التكوينية من مرحلة الاستعداد الى مرحلة الفعلية و من مرحلة القوة الى مرحلة الكمال الّذي لابد ان يقف الانسان الى خطه النهائي اذ ليس من المعقول ان تكون الحركة ناقصة اذا لم تكتمل فى نضوجها و استعدادها الّتي خلقت من اجله لعلاقة صلة التكوين بالتشريع فالجزاء فيه مرحلة التكامل و العطاء لأنّ الناس مجزيون باعمالهم ان خيرا فخير و ان شرا فشر و من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فطوبى لمن قدم اعمالا خيره و وصل الى خطه المستقيم و سار عليه عليه كالبرق الخاطف و دخل ابواب الجنان المفتحة له و قد عانق الحور و استقلبه الولدان بالزهور ضاحكا مستبشرا قد حفته بالاغاريد و العناق و اوصلته الى قصوره المشيدة واجلسته على تلك الأرائك المطلة على الجنان و الانهر الجارية من عسلها و لبنها تقدم اليه باكواب و اباريق يتقاطر عليه بين كل لحظة و لحظة العطور و يشم منها رائحة المسك و العنبر وينظر الى تلك الزهور المفتحة تنشرا ريحها فى سمائها المتلألىء، نورا وبجهة فى صبحه المشرق ينسى ما عليه من تعب الدنيا و نصبها يحس بالدفىء والرائحه بعد المشقة و العناء فلا يحب ان تعود عليه تلك الأمسيّات وتلك الآهات و تلك الزفرات. |