«إنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الفَاسِقِينَ».

التفسير التقليدي

          التفسير التقليدي للآيات ولغة الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفا من مواقفه القبيح والاستحياء والانخزال والانقماع والارتداع متقاربة المعنى لا وبمقتضى الوحدة السياقة في الطرح القرآني لبيان التحدي وأنه لم يخرج عن إطار الفصاحة والبلاغة وان اورد الكفار ان ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل والبعوضة مما يوجب الخلل في خصاصة القرآن فان ذكر المطلق تتناسب مع فخامة مداليها فإذا أصبح المعنى ركيكا أوجب ضعفاً في المفهوم القرآني وهذا مما يستدعي الضعف في فصاحة القرآن وبلاغته.

          فأجاب القرآن ما أورده الكفار ان الاخلال بالفصاحة إذا قدر كون المعنى ركيكا وبُرزوا في واقعة واصل موضوعه بخلاف ما لو كان المعنى في واقعه في تمام الدقة وان كان في الفطر البدوي لا قيمة له لعدم إدراكه وعدم معرفته ولكن هذا لا يخرجه عن واقعه وإبداع ضيعه ودقة وجوده فان الفصاحة تأتي على طبق المعنى الواقعي بما له من سمو ورفعة لا بما يدركه الناظر بحب تصوره فان مثل اليهود طعنوا في القرآن عندما نزلت الآية في قوله «يَا أيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ» حيث تضمنت في بيان الذباب والعنكبوت وطعن المنافقون أيضاً في ضرب المثال بالنار والظلمات والرعد والبرق كما في قوله تعالى مثلهم «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارا فَلَمَّا أضَاءَ تْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ» وطعن المشركون بهذه
الأمثال كما يقال.

          والمهم ان القرآن في سلسلة حديثة لم يخرج عن ضوابط الفصاحة والبلاغة مع السير على طبق التحدي أيضاً فيكون في سلسلته لم يخرج عن الوحدة النقية والموضوعية المترابطة.

          ثم ان اطلاق الحياء على اللّه‏ في قوله«إنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا» وكلمة الحياء تارة تضاف للممكن واخرى تضاف للواجب إذ ما تتعلق بالممكن يناسبها الانكسار النفسي وعروض الخجل والخوف ونحوهما من الأمور الانفعالية العارضة للجسم فلا يناسبها العروض على الواجب سبحانه ولكن إضافة الحياء له سبحانه على نحو رد الفعل بما لا يناسب ذاته يكون حياءاً له أو يقال ان اضافة العرض والحوادث وحملها على ذاته سبحانه من نوع نهاية العرض وفقهاء وليس النظر الى بدايته فالحياء الذي يعرض للإنسان يقتضي أن يكون له مبدأ ومنتهى فالمبدأ أن يحدث في الجسم حالة انفعالية كالخوف أو الخجل ونحوهما والمنتهى وهو أن يزول ذلك الانفعال ويتحقق به النتيجة كالغضب فأنه انفعال يثير في المغضوب التوتر ثم يعقبه حب الانتقام والمنتهى كما اصطلح عليها الغزالي في تفسيره الكبير[1] أو ما نصطلح عليه بالمقدمات والنتيجة واتصاف الواجب بالغضب عبارة عن تلك الاضافة الّتي تصدر منه حالة الغضب بالنتيجة أو رد الفعل كما هو احدى النظريات الّتي قربناها.

          هذا مع ان استعراضة بلا مثلة على طبق ما جرى عليه الارتكاز العرفي العام لأجل تقريب المعنى للأذهان بما يوجب الانس وان اختلفت الدواعى في مجيء المثال قد يقصد به تعظيم المشبه او تحقيره أو بيان الدواعى في أصل مجيء المشبه به للانتقال الى علاقتين الأولى بين المشبه والمشبه به والثانى بين المشبه به وبين الموجه واثر الترابط العلى بينهما فقد مثل العرب بالذرة كما يقال اجمع من ذرة أو اجرأ من الذباب أو التمثيل بالقراد اسمع من قراد وأفسد من جرادة واضعف من بعوضة.

          كما أنه وردت الأمثلة في الأنجيل أيضاً مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة قلما نبت الزرع واثمر العشب غلب عليه الزوان فقال عبيد الزارع يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟ قال بلى قالوا فمن أين هذا الزوان قال لعلكم ان ذهبتم ان تعلموا الزوان فتعلموا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد فأمر الحصادين ان يلتقطوا الزوان من الحنطة وان يربطوه حزماً ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن.

          وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر والقرية ـ هي العالم والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذين يعلمون بطاعة اللّه‏ تعلى والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصى الّتي يزرعها إبليس وأصحابه والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله وأهل الشر إلى الهاوية.

          وكما ان الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل اللّه‏ وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وعليه أن ورود الأمثلة كما هى سارية في اللغة العربية سارية في اللغات الأخرى حتى في الكتب السماوية لتقريب المعانى إلى الذهن لشدة الأنس بالأمور المحسوسة لعلاقة المحسوس بالمحسوس وأما قراءة بعوضة:

          1 ـ النصب 2 ـ الباء 3 ـ الرفع، فإن قراءة النصب أما لكونها منية على أساس مقارنتها بأسم فكرة مبهمة مثل ناولنى فلما أو صحيفة وأما لكونها فكرة فسرها إسم الجنس محل الصفة، وأما قراءة الرفع أما لأنّها موصولة والجملة صلتها لأن التقدير هو بعوضة، وأما لكونهااستفهامية فإنه لما قال «إنَّ اللّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً»، فيكون المعنى بعد هذه الجملة ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به.

          وقيل أن نصب بعوضة عطف بيان لمثلا أو مفعول ليضرب ومثلا حال من النكرة مقدم عليه أو ثانى مفعولين ليضرب قد تضمن مؤدي ليجعل قوله فما فوقها.

          قال قيادة أي لا يستحي من الحق ان يذكر منه شيئاً ما قل أو كثر ان اللّه‏ تعالى حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة ماذى أراد اللّه‏ من ذكر هذا فأنزل تعالى «أنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا» وذكر أن معنى فما فوقها أما الأعظم منها في ناحية الجسمية كالبعوضة بالاضافة إلى الذباب والعنكبوت والكلب بالقياس إلى النمر والجمل بالقياس إلى الزرافة، وهكذا فتكون النظرة اضافية في مراتب، وذكر أن البعوضة في ناحية حجمها تحتوي على خرطوم صغير يشبه خرطوم الفيل أجوف ذو فتة دقيقة وله قوة ماصة تسحب الدم منحها اللّه‏ قوة الهضم والتمثيل والدفع وتحتوي أيضاً على الاطراف والأذن والاجنحة وأعطاها اللّه‏ حساً قوياً كالرادار للاتقاء من العدو وتفر من عدوها بسرعة خارقة الجسمانية بعضها فوق بعض لضخامتها وكبر حجمها وتلك الفرق أنكروا في أمثلة القرآن المنسوبة إلى اللّه‏.

          وأما أن يراد معنى فوقها في الصغر بلحاظ أن هناك مراتب أضعف من البعوضة وقد ساق البعض أن المعنى الثاني أولى لأن الغرض من التمثيل تحقير الأوثان وكلما أصبح المشبه به أشد حقارة كان الفرض منه في هذا الموضوع أكمل حصولاً.

          وأما أن يراد معنى فوقها أن هناك وجودات صغيرة لم تعلموه‏ا بها وهي كائنات حية متحركة تحتوي على جميع الخصائص مثل استبلازم والنويات ونحوها فهي اصغر حجماً وأدق صنعة ولم يكن لبيان التحقير في خلقه وإنما للإشارة إلى عظمة خلقه وأن اعتبره من اطلاع بحقائق الأمور حقيرا في نظره إلا أنه كبير في وجوده وخلقته أن في الإنسان في أحد طرفي صدغيه صفيحة صغيرة تحتوي على حفظ المعلومات من حين وجوده إلى موته وهي حجم صغير قد احتوى على تخزين المعلوما اصغر من جناح البعوض وهذا ليس متغربا بعد أن اكتشف العلم ا لحديث الصفائح الالكترونية التي تحتوي على عدة مئات المجلدات أو تحتوي على مكتبة كاملة يحملها الإنسان في حقيبته.

التفسير الروائي

          روى عن الإمام الصادق  عليه‏السلام أنه قال إنما ضرب اللّه‏ المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق اللّه‏ فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخر فأراد اللّه‏ أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه[2].

أهمية ذكر المثال

          إنما تعرض القرآن المثال لأهمية وذلك يستدعي البحث تحت عدة نقاط.

          1 ـ اتيان المثال لأجل التوافق بين الموضوع الذي بنى عليه وبين الغرض القائم في وجود المثال ليحصل التجسيد الحقيقي بين المثال والممثل له والممثل به بغض النظر عن إدراك الناظر في وجه العلاقة بين المثال والتمثيل له والتمثيل به فعندما يرد في مثل قوله تعالى «إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ»وافِ يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ـ الحج آية 73.

  قد لوحظ في مثال الذباب الإشارة إلى الضعف والإنهيار في القوى كما هو الملاحظ أيضاً في قوله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ أوْلِيَاءَ كَمَثَلِ العَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَـيْتا وَإنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ لَبَـيْتُ العَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون»آية 41 العنكبوت وكان عرض المثال يشكل طبيعة المشركين وأن ما يجسدوه في تصوراتهم يرجع فى المال إلى تجسيد منهار لأبقاء له واستعراض القرآن مثل هذه الموجودات ليس نقصاً وازدراء في أصل خلقتها وإنما أراد إنعكاس الأمر بحسب ما يتخيلونه دون النظر إلى أصل وجوداتها الواقعية فهي تمثل خلقا عظيماً في أصل وجودها وتكون نظرة الازدراء والحقارة بالقياس لمتصوراتهم وإن كانت كبيرة والمعنى‏نظر موجدها وخالقها.

          2 ـ من دوافع مجيء المثال تقريب المعنى إلى الذهن للحصول على سرعة الانتباه إلى المعنى الموضوع له من غير حاجة إلى استعراض المباني الأصولية والقواعد الفلسفية فلربما تكون أبعد عن الفهم وعدم التقبل فإذا شبه المعقول بالمحسوس اصبح الطريق الانتقال إلى المعنى بسهولة ويكون اطوع للاستجابة من عرض المعنى المعقول بقالب فلسفي خالص معقول آخر مثله.

          3 ـ استعراض نهج البلاغة دقة البعوضة وأنها عجيبة في صنعها وأصل وجودها مما تحير العقول عن إدراكها إذ يقول  عليه‏السلام كيف ولو اجتمع جميع حيوان من طبرها وبهائمها وما كان من مواجها وسائمها وأضاف اسناخها وأجناسها ومتبلدة أفمها وأكياسها على أحدث بعوضة ما قدرت على إحداثها ولا يعرف كيف السبيل إلى إيجادها، ولتحيرت عقولها في علم ذلك متاهت وعجزت قواها وتناهت ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها مذعنة بالضعف عن افنائها[3] وربما يكون من جملة الدوافع في ذكر البعوضة للتنبه على عجزية البشرية أن يحدثوا بعوضة من كتم العدم إلى حيز الوجود ما أمكنهم ذلك وأن جاءوا بطريق استنساخ البعوضة فهي في الحقيقة منتزعة من الأصل وبمقتضى قانون إرجاع الفرع للأصل لا يكون ذلك احدثا حقيقيا وإنما هو وجود تبعى فذكر البعوضة ونحوها من الوجودات الصغيرة المشاهدة وغير المشاهدة المكتشفة بالمجهر أو غير مكتشفة ليس استهانة بتلك الوجودات وإنما اريد بها انقيادها لعظمة اللّه‏ وبيان خصائصها كما خلق في الإنسان استعداد الهداية والضلال فكانت اشاءته سبحانه على طبق استعداده في ناحية الخير أو الشقاء.

          ويكون رب الصغير والكبير واحداً وأنه الخالق المكون والمصور والمنشيء والمحيي والمميت فلا إعتبار وبكبر الحجم وصغره وإنما العبرة بالانتقال إلى المعرفة الحقيقية في وجوده قوله: «فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ».

          وهذا بيان لطبيعة العارف الذي أدرك الحقيقة وانتقل إلى سرّ العلية وتوصل إلى ان ما يسير عليه كل وجود لابد أن يخضع تحت إرادة جعلتم خلقته من اللاشيئية إلى الشيئية ومن العدم إلى الوجود فأصبح يتمتع بنعمة الوجود من المبدأ الأعلى فكان دور المؤمن يتلقى كل ما يرد عليه ويستجيب لكل ما هو المطلوب منه من غير ممانعة في واجب ولا مخالفة بما ننهى عنه.

          قوله« وَأمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً»، تستعرض الآية إلى دور الكافر في حال رفضه وتمرده على مولاه بما سُدلت عليه حجب نور المعرفة عن بصيرته فكان غير متأدب في مقام المحاورة وإنما يبدي الكشف عن سوء خلقه وجهله بموجده وخالقه ويقدم صور التشكيك في أمثلة ربه قوله تعالى «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الفَاسِقِينَ»، تشكل هذه الآية شبهة الجبر وسلب الإرادة إذ التعبير القرآني ان حدوث الضلال من اللّه‏ كما ان حدوث الهداية منه سحانه بينما الاتجاه والآخر لا يرى هذا المبدأ في حقه، ويقول أن اللّه‏ لا
يضل أحداً كما لا يهدي خلقاً وطرفاً آخر وإنما الإنسان مودع في نفسه الهداية أو الضلال ومما يؤكد على الاتجاه الجبري ما ورد في قوله تعالى: «يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»، فيتعض بقوله تعالى: «وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ» وان تمكن التوفيق بين الآيتين ان اللّه‏ كما ان ما يستظهر من قوله تعالى يضل به كثيراً ويهدي مع كثيرا عود ضمير به إلى القرآن.

          وقد ذكر صاحب مجمع البيان أن في قوله تعالى «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا وجهان أحدهما حكم القراء أنه قال أنه حكاية عمن قال ماذا أراد اللّه‏ بهذا مثلا «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا»أي يضل به قوم ويهتدي به قوم ثم قال اللّه‏ تعالى:«وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الفَاسِقِينَ» فبين اللّه‏ تعالى أنه لا يضل إلا فاسقاً وهذا وجه حسن والآخر أنه كلا تعالى ابتداء وكلاهما محتمل وإذا كان محمولا على هذا فمعنى قوله يضل به كثيراً إن اللّه‏ فيضلون بسببه وإذا حصل الضلال بسببه اضيف إليه وقوله:«وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرا»يعني الذين آمنوا به وصدقوه وقالوا هذا في موضعه فلما حصلت الهداية بسببه اضيف إليه فمعنى الاحتلال على هذا تشديد الامتحان الذي يكون عنده الضلال وذلك بأن ضرب لهم الأمثال لأن المحنة التي اشتدت على الممتحن فضل عندها يميت اضلالاً وإذا سهلت فاهتدى سميت هداية فالمعنى أن اللّه‏ تعالى يمتحن بهذه الأمثال عبادة فيضل بها قوم كثير ويهتدي بها قوم كثير ومثله قوله:«رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرا مِنَ النَّاسِ»أي ضلوا عندها وهذا كما يقال للرجل إذا دخل الفضته النار لينظر فسادها من صلاحها فظهر فسادها افسدت ففتك وهو لم يفعل فيها الفساد وإنما يراد ان فسادها ظهر عند محنته وقريب من ذلك قولهم فلان اضل ناقته ولا يريدون أنه أراد أن يضل وإنما يريدون حتلت منه لا من غيره وقولهم أفسدت فلانة فلانا واذهبت عقله وهي ربما لم تعرفه ولكن لما ذهب عقله وفسد من أجلها اضيف الفساد إليها إيمانهم وهذا كما يقال بمعنى التخلية على إيمانهم وهذا كما يقال لا يصلح سيفه أفسدت
سيفك أريد به أنك لم تحدث فيه الاصلاح في كل وقت بالصقل والاحداد وقد يكون الاحتلال بمعنى التسمية بالضلال والحكم به كما يقال أضله إذا نسبه إلى الضلال وأكفره إذا نسبه إلى الكفر ـ وقد يكون الاحتلال بمعنى الاهلاك والعذاب والتدمير ومنه قوله تعالى «إنَّ المُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَـبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ» ومنه قوله تعالى أنه أضللنا في الأرض أي هلكنا وقوله والذين قتلوا في سبيل اللّه‏ فلن يضل أعمالهم أي لن يبطل سيهديهم ويصلح بالهم.

          فعلى هذا يكون المعنى أن اللّه‏ تعالى يهلك ويعذب بالكفر به كثيراً بأن يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسببه فيهلكوا ويهدي إلى الثواب وطريق الجنة بالإيمان به كثيرا[4].

         وبالجملة أن ما يقع من قبل اللّه‏ في اضلال الخلق يناسب جنس عمل الخلق فاحتلال الكافر يناسبه عمله الذي أوجب بعداً بينه وبين ربه فحصول الاحتلال بسبب بعده عن طاعة خالقه فكان الاحتلال سانخا لعمله الذي أوجب أن يكون ضالاً لم يقترب منه سبحانه بخلاف المهتدي فان إيمانه وإتصاله بسبب عمله وإنقياده أصبح على جادة المعرفة والسير نحو الطريق المستقيم فالضلال رمز للتيه والبعد والخذلان عن الورود نحو الطريق إلى المعرفة الحقة والهداية رمز إلى معرفة الطريق والاستقامة الحقة والخروج من الظلمات إلى النور بخلاف من سار على وفق العمى والخروج عن الجادة المستقيم فقد خرج من النور إلى الظلمات وختم على قلبه وعلى سمعه وعلى بصره الغشاوة وجعل في عنقه الغل[5].

         ثم ان من خلال نهجنا التفسيرية بين المعيارية والحركية ترتسم الخطوة التالية:

التفسير المعياري والحركي

          نشير إلى الخطوط التي تعرضت إليها الآيات السابقة:

          1 ـ انه تعالى لم يخرج عن الإطار العام في التحدي والإعجاز الذي أوقف جميع العقول على أن يأتوا بسورة من مثله فرجعوا متقهقرين إلى الوراء عليهم دائرة الخزي والعذاب المهين ولما ان جاء بالامثلة من المخلوقات التي لم يدركوا كنهها حسبوها محقرة في نظرهم ولم يتأملوا إلى ما في مكوناتها من دقة وإبداعاتٍ تكوينية واقفت عقولهم حيارى فانكروا على القرآن بأنه كيف يأتي بمعاني محقرة وهذا لا يتناسب مع الفصاحة والبلاغة إذ كلما إرتسم المعنى من فخامة ورفعة كانت الفصاحة والبلاغة تسير على وفق ارتقاء المعنى ويجيء مثل البعوضة والنمل والنحل والعنكبوت معاني محقرة توجب نزول القرآن إلى تلك المعانى المحقرة فيستدعي ركاكته ولكن اللّه‏ أراد أن يكشف عن وجود عظمة هذه المخلوقات الضعيفة في نظرة المشاهد العالية في معانيها ومضامينها وإن القرآن بذلك لم يخرج عن الإرتقاء في المعاني.

          2 ـ ان ما تطرق اليه القرآن في المثال من الكائنات الصغيرة دلالة على وجود حركة علمية تسير على خطين الأولى خط التحرك الذاتي في كل حجم صغير من الكائن الحي وهي المنسبة على الحركة الجوهرية.

          الثاني خط التحرك العرضي الذي يحدث من خلال عوارض الوجودات كحركة النطفة إلى العلقة وحركة الجزء إلى الجزئيات والنويات وإلى التبلازم ونحو ما تكن التحرك من القوة إلى الفعلية .

          3 ـ تشير الآية إلى البعوضة بما فوقها من سائر الكائنات الحية ما هو بجسم صغير أو اصغر وأما بحجم الكبير أو الأكبر وأن هناك وجودات فوق هذه
الوجودات الصغيرة بالدقة إلا أنها تسير بنظام ودقة فائقة لا يمكن العقول التوصل إليها مهما بلغت من فطنة وتطور علمي كما حدث في الاستنساخ الجسديزماننا المعاصر.

          4 ـ قسمت الآية المجتمع إلى نوعين الأول المجتمع ال مؤمن الذي سار على نور المعرفة وإدراك البصيرة فكان متجاوباً في الفهم العلمي والخضوع إلى الضوابط المنطقية السلمية فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما  الطائفة الأخرى وهي التي تشير إليها كما يلي:

          الثاني المجتمع الكافر التي أشارت الآية بقوله تعالى «وَأمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلاً» وهو الذي سدل عليه حجب المعرفة وأبتعد عن طريق الرشاد والصواب ودخل في متاهة الشرك والضلال فكان منطقه الرفض وعدم عن المتمسك بالمعرفة النابعة عن معدنها الصحيح.

          وبعين ماقدمه القرآن من فصائل المجتمع وأنواعه وأصنافه بين المؤمن التابع لخط نورانية المعرفة الحقة وبين المجتمع الكافر الرافض لطريق الهداية والرشاد فإن ذلك يكشف عن مسيرة قانونية إن المجتمع يسير على خطين متوازيين لا يمكن أن يلتقيا فهما بلغا من سير حركي لا التقاء بينهما لانه لا معنى لاجتماع الحق مع الباطل ويكون هذا أحد موارد المعيارية القرآنية التي سار عليه المنطق القرآني.

التفسير الاستنطاقي

          مما يسير عيه بعض المناهج التفسيرية للقرآن أن يفسر بطريق الاستظااف وهو على قسمين :

          1 ـ استنطاق القرآن لبعض الآيات بما أنها مداليل قرآنية تعكس مفاهيم مستقلة يستوحي من نفس الآية التي تكشف عن هويتها الذاتية وذلك يتحقق بين السائل للمهفوم القرآني وبين ذات القرآن نفسه كما هو ال مثال في موقع السورة من قوله أن اللّه‏ لا يستحي أن يضرب مثلا إذ الاستنطاق في الآية كلمة الاستحياء وضرب المثل أو السؤال عن موقع البعوضة في الوضع القرآني وأثر الوجودات الصغيرة لما فوق البعوضة وما يراد بالفوق الحجم الأكبر من البعوضة وهكذا أو السؤال عن وضع المؤمن في مقام التلقي والااستجابة ودور الكافر الرافض وهذه عدة استنطاقات قرآنية يكون الجوانب تارة من القرآن وأخرى من الطريقة الملائمة توقع القرآن وما يعيشه من مقارنة الاحداث والوقائع.

          2 ـ استنطاق القرآن بنفسه لنفسه وكأنه يستنطق نفسه ثم يجيب على ما استنطق وتكون الإجابة من خلال ضم الآيات الأخرى وهو ما يعبر عنه بتفسير بعضه البعض كما في قوله تعالى «يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه» الآية 54 المائدة وكذا ما ورد في سورة يونس من قوله تعالى «وَلِكُلِّ اُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُون» آية 47 سورة يونس وهكذا في سورة الروم من قوله تعالى:«فَأقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفا فِطْرَةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»آية 30 سورة الروم وتمثل هذه الآيات ونحوها التحرك الياسى على الأمة الإسلامية أو التحرك العالمي بصورة عامة، والمهم ان ما يستظهر من القرآن في مقام استنطاقه من خلال أن التكفل في الاجابة هو القرآن عند حتم بعضه البعض على نحو الانتزاع والرجوع إلى قوانين الاستنباط.

تفسير القرآن لبعضه البعض

          والملاحظ من العرض القرآني لما يفسر بعضه البعض قوله تعالى: «وَلَـقَدْ ضَرَبْنَالِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ»الزمر آية 27.

          وقوله تعالى: «وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» إبراهيم آية 25

         وقوله تعالى:  «وَلا يَأتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالحَقِّ وَأحْسَنَ تَفْسِيرا»الفرقان آية 33.

          وقوله تعالى: «ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدا مَمْلُوكا لا يَـقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقا حَسَنا فَهُوَ يُـنفِقُ مِنْهُ سِرّا وَجَهْرا هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ»النحل آية 75.

          قوله تعالى: «وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أحَدُهُمَا أبْكَمُ لا يَـقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأمُرُ بِالعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» النحل آية 76.

          والملاحظ من هذا العرض التفسيري لبعضه البعض فإن القرآن يمثل تارة طبيعي المثل او يأتي بالمثل على نحو الفرد الخاص من مصاديق ذلك الامر الكلي واخرى يأتي بالأمثلة المتراكمة لتقوية المعنى في ذهن السامع وثالثه يأتى بالمثل المتقابل عندما يقدم بالمثل يقدم القرآن أمثالاً كالحق والتفسير الأكل لمثل ورابعة ارجاع المثل الخاص إلى مقام المفارقة بين الفقير المحتاج والغني المطلق غير المحتاج وخاصة يقوم المثال على جهة حسن تصرف العبد في معاملاته وأحكام أراد منهما هناك وعبد كل على مولاه لا يأتى بخير أينما يوجه فهو أداة عاجزة لم يقدم رجلاً في مصلحة مولاه وإنما خلق لأن يأكل ويشرب كالبهيمة همها علقها لا يفكر إلا ما قدم إليه من الزاد.


[1] . التفسير الكبير ج1 ص145 لفخر الدين الرازى.

 [2] . تفسير مجمع البيان ج1 ص68 ـ وكذا تفسير البرهان ج1 ص72.

 [3] . نهج البلاغة شرح محمد عبدة الخطبة 186 ص275.

 [4] . مجمع البيان ج1 ص68ـ67.

 [5] . نظرية الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين ـ يراجع بها الميزان ج1 ص93 مواهب الرحمن ح1 ص138ـ133.