|
استعانة علم الاجتماع في دراسة العلوم
ذكرنا الجهات الّتي يمكن منها للعالم الاجتماعي الحصول على مناهج
الاستنتاج ، وطرقه والآن نتحدث عن طرق معرفة دراسة العلوم الاخرى حتى تمهد له
الطريق الى جعل القواعد العامة لحفظ الكيان الاجتماعي وذلك بعرض جهات :
1 ـ مطالعة الاحداث التاريخية ، ودراستها على نحو من التحليل حتى يكتسب
معرفة العادات ، والتقاليد الّتي كانت سائدة في تلك الفترات القديمة ، فتصفحه
للتاريخ يرشده الى حياة الماضي ، ويكشف سير الانسان في غضون حياته الاولى ، وكيفية
الاحداث الّتي مر بها في معترك حياته الاولى والنظر الى حياة السلاطين والامراء ،
ومدى طموحهم في جلب السعادة بكل حول وقوة واستعبادهم للأفراد الضعفاء الذين لا حول
لهم ولا قوة يستخدمونهم في مصالحهم ويعتبرونهم كالآلة الصماء تتحرك بدون اختيار ،
مسلوبة القوى ، فتكون وظيفة المؤرخ رفع الستار عن الوقائع من الغزوات وكيفية تطور
الفكر البشري من حيث التجارة والصناعة والمهن والحرف والفن على انحائه .
وبتعبير علمي ان الاجتماع مبني على القواعد الكلية وقابلية التكرار ،
والاحداث التاريخية مبنية على القضايا الجزئية ، والقضايا الشخصية قابلة للتكرار
لأنها تنعدم بانعدام موضوعها بخلاف النظم ، فإنها قضايا حقيقية لاتزول بزوال
موضوعها وإنما هي كلية عامة معتورة للموجودين والمعدومين .
2 ـ دراسة الانسان بنفسه ، ويعبر عنها بدراسة (الانتروبولوجيا) فالعالم
الاجتماعي
عندما يريد جعل خطط وقوانين لابد أن يراجع حياة الانسان من حيث السلالة أولاً ،
واللغة ثانيا ، والثقافة ثالثا .
ثم يأتي عنوان آخر في موضوع البحث وهو أن هذه الاحوال الّتي تعرض على
حياة الانسان هل تؤول الى مصدر واحد ، او ترجع الى مصادر متعددة حيث قد تؤثر
عليحياة الانسان ظروف خاصة ترجعه عن حياته الاولى من جهة المناخ ، أو التطور الفكري
، او المكوث في اقليم خاص فليست هذه العوارض توجب تعدد الظواهر الاجتماعية وقد ذكر
ان تعدد الاجتماع لا من حيث هو ، وإنما التعدد والتعقيد تابع لمصدره ، والا فهو
مفهوم واحد يعطي معنى التضامن والتسالم ، وجعل الوحدة في صفوف بني الانسان وجعلها
مترابطة أشد الترابط .
والّذي يبدو أن العوارض الّتي تطرأ على حياة الانسان تكون على عدة عوامل
، وليست راجعة الى مصدر واحد ، ولذا تكون الدراسات الانتروبولوجية تتوزع الى نقاط
منها : دراسة السلالة وتفريعها :
منها : حضارة الانسان وتطوره الفكري من حيث العلم والفن وسائر الصناعات
منها: دراسة اللغة ككل أو قواعدها .
3 ـ الدراسة النفسية (البيولوجية) ليستعين العالم الاجتماعي في معرفة
الانسان الى دراسة علم النفس من حيث سلوك الانسان ، ومن حيث ادراكه وإرادته وسرعة
انتباهه ، أو معرفة الشعور ، واللاشعور ، ومعرفة انفعال الشخص ، وعدم انفعاله ،
وكثرة عواطفه أو قلتها ، او معرفة الغريزة ، واقسامها ، فإن تقوية الارادة أو سرعة
الانتباه ، أو وجود انفعال متوسط كلها تساعد على نمو الاجتماع وعندئذ يقوم العالم
الاجتماعي بدراسة الغرائز الّتي لها مساس بالمجتمع كغريزة حب الاجتماع أو غريزة
الخوف وعدم الانضمام في سلك المجتمع .
الحب الاجتماعي
استطردنا معنى الحب ويراد به في مصطلح علماء النفس بتساوي النفسين وأول
صفحة نستعرضها امام القارئ الكريم .
1 ـ الحب التناسلي ، ويراد به تأجج الغريزة الجنسية حتى يحصل التجاذب
والالفة بين الذكر والانثى وينفلق من هذا الارتباط وجود ثالث هو الناتج من
الحيوانات المنوية المستقرة في انابيب مجوفة لتصنع النطف ، ومن جدرانها الداخلية
تتطور خلايا الجدار لتصل الى النطفة برأس طوله 5 ميكرونات وذنب 55 ميكرونا المقترن
مع بويضة المرأة وإن كان يبلغ عدد بويضاتها ما يقارب (000/400) والحيوان المنوي في
الرجل ما يقارب 500 مليون ولكن بسبب الاصدام ووقوع المعارك والصراع لا يبقى الا
حيوان واحد غالبا وربما يزيد في بعض الاحيان .
والحب التناسلي قابل للشدة والضعف وقد ينعدم موضوعيته اذا حصل الانصراف
الذهني بأحد الاسباب الموجبة للأنصراف كالرهبنة والزهد فاشباع الشهوة الجنسية موجب
لبقاء النوع ولذا اشرنا في بداية المجتمع أنه منطلق من الزوجين اللذين مثارهما الحب
الجنسي وينبغي المحافظة على الحب الجنسي لأنه الاساس لبقاء النوع ولكن يشترط السير
على وفق الاعتدال ولا يؤخذ بالشدة ولا بالضعف كما هي موازين علم الاخلاق من اعتدال
الصفات ، ولذا نجد الاسلام يمنع الرهبانية لأنه بوجودها موت المجتمع وإعدام النسل .
2 ـ الحب الروحي والعاطفي : أن يصدر الحب اما عن المثيرات الخارجية
كالجمال في صورة المرأة ويأتي الصوت في المرتبة الثانية ، وإما ان يصدر عن المثيرات
الداخلية كحنو الوالدين على ابناءهما المسمى بالحب الجبلي الثابت بالواراثة ، وقد
يشتد الحب ويخرج عن كونه فسلجيا ويصبح عاطفة روحية يعبر عنها بالعشق والغرام ثم
يرتقي في السير الى مرحلة الحب العذري وهو الّذي يخرج عن الغاية المادية وإنما هدفه
رضاء الروح فقط .
وبعد ان يصل الحب الى هذه المراحل يكون العامل الاساسي لبناء المجتمع
لابد اذا من الاندماج ومصاديق الاندماج الحقيقي بين الزوجين وبين سائر الاسرات
والقبائل العشائرية بعضها مع بعض يكون بالتبع .
3 ـ الحب العقلي : وهوالّذي يخرج عن دائرة العاطفة ويكون في مرتقى العقل
كحب المجتمع العقائدي لأنه آمن عن طريق البرهان والموازين العلمية والعقلية.
الخوف
المقصود من الخوف بحسب قواعد علم النفس أنه انفعال يدفع الإنسان إليالهرب
من الخطر ،وإلى الحذر منه فيعينه ذلك على حفض حياته غير أنه كثيرا ما يتجاوز الخوف
فيصبح سببا لالحاق الضرر بحياته .
واختلف في حقيقة الخوف فهل هو أمر غريزي فطري أو أمر كسبي تعليمي ، لا
إشكال أن الخوف في اصل وجوده امر غريزي ، وان كان في اول مبدئه كامنا الا ان بعض
العوامل المثيرة تسبب وجود علاقة بينهما ، وقد لا تكون علاقة واضحة الا ان فرط
الخوف مما يوجب خلق صور وهمية تجعل الارتباط بين الموضوعين الّذي يكون عند التحليل
العقلي لا علاقة حقيقية بين الموضوعين .
وللخوف ارتباطات فقد يرتبط بالدافع الجنسي ، وقد يؤدي ذلك الى التجرد عن
الرغبة الجنسية نهائيا للتخلص مما تثيره من خوف وقلق ، وهذا هو سبب كثير من حالات
ضعف القدرة الجنسية عند الرجال ، وحالات البرودة عند الجنس النسائي .
وقد يرتبط الخوف بدافع الخلق والابتكار ، وذلك حينما يتكرر عقاب الطفل
على محاولات الخلق والابتكار الّتي اقدم عليها من تلقاء نفسه ، وبدون إذن والديه
فينشأ الطفل وهو يخشى الاقدام على اعمال جديدة ويتهيب من تحمل المسؤوليات ، ويرجع
كثير من الحالات القلق والخوف الى هذه الاسباب الّذي يشكو منه الكثير من الناس ،
ولا يعرفون له سببا الى حالات من هذا النوع الّذي ارتبط فيه الخوف ببعض الدوافع
والعوامل النفسية الداخلية .
هذا ما أردنا به من عرض حقيقة الخوف فإن وصل الى المرحلة الشديدة يكون
المجتمع دائما في تفهقر قد وقع ، بأسباب ضربة من قبل الحكام والمستعمرين قد أولدت
في نفسيتهم الضعف والخمول والفزع عن كل حادث ولكن للخوف منافع اذا كان في صفحة
الاعتدال ومضار اذا كان في حد التفريط فيصبح من الجبناء لا يتمكن على المحافظة على
مالة وعرضه وأبنائه .
1 ـ ومما يستعين به العالم الاجتماعي عن طريق معرفة القضايا الجزئية
للحصول على القضايا العامة الكلية ويعبر عنه علماء المناطقة بالقياس الاستقرائي
ويصطلح عليه
الرياضيون بالخطوط البيانية الّتي يتوصلون بها الى اعطاء فكرة عامة نظير كثرة
البضاعة وكثرة الطلب ، في موارد خاصة فإنه يمكن ادراك وجود العلاقة بين هذين الخطين
، او عدم وجود علاقة بينهما فينتقل الى قضايا عامة .
2 ـ يتوصل العالم الاجتماعي عند دراسة علم الاقتصاد الى معرفة الملكية
مثلاُ وانطباقها على ملكية الأرض وتصرفه فيها ، وهل يمكن للشخص ملكية الأرض أو يملك
الانتفاع ، وهل تصبح الملكية الفردية او الملكية الجماعية بعد مراجعة الاحداث
التاريخية في استقلال الملكية الفردية عن الملكية الجماعية ، أو بالعكس وما هي
المضاعفات الّتي يحصل بها احدهما عن الآخر .
سبق الفرد على الجماعة
تعرض علماء الاجتماع حول اسبقية الفرد على المجتمع ، أو تقديم الاجتماع
على الفرد لأنهم يرون ان الفرد ليس له استقلال بنفسه ، وإنما هو ضعيف تجاه المجتمع
نظير المعنى الحرفي امام المعنى الاسمي .
وربما يدعي بأسبقية الفرد على المجتمع لأن له كيانا ذاتيا ، ولذا ان
الحقوق والالتزامات تستقر على ذمة الفرد كالضمانات والبيع في الذمة أو وقوع
الايقاعات فإنها أيضا تقع على الفرد كالطلاق والحرية وإن كان بعض علماء الاجتماع
يرى الازدواجية مقرونة مع الفرد من حيث وجوده وبعده .
والّذي يبدو أن الفرد مقدم على الجماعة من حيث اصل الوجود ، ومبدأ الفرد
هو الواجب سبحانه ومبدأ الانسان هو الاب الاول الا اننا لا ننكر فضل الجماعة على
الفرد اذ المجتمع هو الّذي يعكس تلك النفسية على الفرد من حيث التقاليد ، والعادات
والرغبات ، وكسبه حلة الثقافة ، ويرفعه الى اوج الحضارة وسماء المعرفة وعلو المكانة
ان الفرد كالطفلصحيفة بيضاء ينقش فيها المربي ما يشاء يتلقى الفرد كل اتجاهات
المربي ويسير
على
اضواء المجتمع ، فلو جلس الفرد بمعزل عن حافة المجتمع كان اطاره الفكري ضيقا مع ما
يعتريه من حالة السأم والتضجر ، ويكون معقدا في جميع سلوكه ومنهجية حياته الفردية .
ولكن لانقول بإعدام فكرته وموت طاقته الفكرية الّتي قد ينبغ فيها كما حدث
لنظرية جاليلو بكروية الأرض وقال بأن الشمس هي المركز والأرض تتحرك حولها الا ان
المجتمع لم يقبل نظريته وأخذه اخذ الجبارين وحكم عليه بالاعدام ولكن بعد ان تطور
الفكر البشري وجد نظرية جاليلو هي المركزة المطابقة للعلم فلاتكلم مع المجتمع الّذي
لايدرك اهدافه ومقاصده العلمية أو الامور الاصلاحية ينبغي ان يخاطب الناس بمقدار
عقولها ولايعطي الماء اكثر من ظرفه لأن الجريان والفيض لابد انيتساوى الظرف مع
المظروف ، ولا نمنع أن يكون للفرد ميزة على المجتمع من جهة وعيه ، وانتباهه كما
لاننكر ميزة المجتمع على الفرد في بعضا لنقاط ، ولكن مثل هذا لا يجعل اسبقية
المجتمع عليالفرد كالتجانس والمماثلة والسلطة على الغير ، والديموقراطية والبلاد
المتحضرة أو كثرة السكان فلا يقصد بهذه العناوين الفرد وإنما النظر فيه الى المجتمع
كما ان للفرد خواص تميزه عما عداه .
وربما يتفق بين المجتمع والفرد في بعض الجهات كالاختيار واعلم والتحيز
الجسمي وإن كان كل من الفرد والجماعة لهما نحو من الاستقلالية وإن وجدت الغلبة في
افتقار الفرد الى الجماعة وأنه عنى آلي بإزاء المعنى الاستقلالي .
وقد تتساءل انه كيف يمكنك الجمع بين نظرية الحرية الفردية والافتقار الى
الجماعة مع ان الحرية الفردية من المتسالم على وجودها .
ذكرنا آنفا ان القيم الشخصية لا يصح اعدامها والمواهب الّتي اعطيت لا
يمكن إفناؤها في سبيل الجماعة فيما اذا كان فكره على مستوى رفيع وإنما يساير
المجتمع بمقدار عقله ، ولكن لا بأس بأن يتخذ طريق النوعية في سبيل اهدافه ويلقنها
على مقدار مدركاتهم واستعدادهم الفكري ، فلو جاء الى مجتمع معتاد على شرب الخمر كما
فيمحيط مكة في الزمن الجاهلي او في الدول الغربية فلا يقلدهم بالشرب وإنما ينظر الى
منظاره ، ومفاسده من الوجهة البيولوجية أو غيرها أو من ناحية سلبه للشعور ورفع قيمة
الشخص .
او يبدو لديه افكارا علمية لا يدركها مجتمعه فلابد ان يقوم بأول مرحلة
وهي القيام بالنوعية وجعل نقاط الاستفهام وايصال المعاني الصالحة لذهنية المجتمع
ولو عن طريق الملازمات البعيدة الّذي يصطلح عليه علماء الادب بأدي الالتزام فلو
جاءهم بنظريته من دون مقدمة سابقة لحصل الامر عكسيا .
وزبدة المخض ، أن الفرد ليس وليد المجتمع في جميع اطواره ، والملاك في
الاستقلالية هو التوسعة الفكرية وأن يخاطب الفرد المجتمع بما تصل اليه مدركاتهم
ولايكون على طبق رغباتهم الّتي لاتوافق الميزان العقلي ان كانوا في تقاليد معينة .
وإن كان الفكر الاجتماعي والفكر الفردي من نوع واحد فذاك بنحو الانظمام
الفكري واليس من نوع الاتحاد في الفكر الّذي يصطلح عليه بعض علماء الاجتماع بالعقل
الجمعي لعدم حقيقة له كما أوضحناه في القانون الوضعي الّذي عبر عنه بعض علماء
الاجتماع بالتفاعل الكيمياوي .
وما ذهب اليه دوركايم ، وليفي بريل وفوكنيه ، وجورج وافي وشارل لالو من
كون العقل الفردي معبرا عن العقل الجمعي لايساعد مقتضى الصناعة الفلسفية في ثبوت
اصل العقل الجمعي فضلاً عن كون العقل الفردي طريقا للوصول الى اهداف المجتمع .
وذهب هربرت سبنسر الانجليزي الى ثبوت اهمية العقل الفردي مع أنه يؤمن
بنظرية وجود العقل الجمعي .
وقد وفق بين هذين النظريتين الدكتور حسن شحاته بقوله : ونستطيع ان نوفق
بين كلا الرأيين بأن ، المجتمع يفرض نظما كما سبق أن ذكرنا ، ولكن هناك مجالاً
كبيرا للأفراد يمكنهم من اظهار شخصيتهم في نطاق النظام الاجتماعي بحيث يمكن ان
يشترك الفرد والمجتمع في التحديد فالمجتمع يتطور في كليته فيوحي ذلك الى الافراد
بأفكار واتجاهات جديدة يوجهون غيرهم اليها ، وقد تكون هذه الافكار متعالية على
المجتمع لأنه غير محدود ، وحينئذ يكون تنفيذها هنا بوصول مستوى العقل الجمعي الى
المستوى
الّذي تعبر عنه هذه الافكار بالتجديد قد يكون اجتماعيا ، أو فرديا ، ولكن تنفيذه في
المجتمع رهن بمستوى العقل الجمعي .
ويمكن المناقشة مع الدكتور بأنه ان فرضنا الاشتراك بين الفرد والعقل
الجمعي بنحو الفعل ولانفعال فقد بينا عدم صحته لأن الافكار تقع بنحو الانضمام
والمقارنة لا بنحو الاتحاد والجزئية وليس للعقل الجمعي وجود ، وان كان التنفيذ بيد
الاجتماع ، والفرد له استقلال في الفكر والاحداث فهو التزام بالعقل الفردي ، وقد
نفاه سماحة الدكتور مع ان الّذي استعرضناه ان القيام بأداء الرسالة ، او بيان
الاهداف العلمية إن كانت العقول غير مستوعبة لتلك الافكار الخاصة ، وإنما يؤديها
الزعماء والقياديون بأساليب بيانية لإيضاح مقصودهم فيما ذلك الا رجوع للعقل الفردي
، وفرق بين مخاطبة انطونيوس ومارك وبريكليس للجماهير وبين الانبياء حيث يعتمد
الزعماء والرؤساء الى اثارة الشعب عن طريق عواطفهم واشتمالها في تحقيق رغبتهم بما
يتطلبه عصرهم بينما الانبياء يأتون للمجتمع عن تأسيس الانظمة والقوانين الّتي
ترشدهم الى أخطائهم وتبين لهم الجادة الواقعية وتظهرلهم تلك الصفات النفسية بقالب
قانوني فما ذكره الدكتور شحاتة من جعل الزعماء والانبياء في مقياس واحد غير مؤيد
نظريا اذ الانبياء في سلوكهم تجاه المجتمع لا تعطى بحسب متطلباتهم العاطفية
والانفعالية أو القضايا التقليدية والا كانت مخالفة لموضوعية الدعوة الرسالية مع ان
الزعماء ربما يلحظون ذلك للحصول على اهدافهم وغاياتهم .
ولابد ان نميز بين القضايا الفردية والقضايا الجماعية ، فإن من قام بقتل
اقاربه أو ذويه كما يحدثنا به التاريخ عن بعض الاباطرة قد زنى بأمه ، أو بعضهم زنى
بأخته فهذه الاعمال راجعة للفرد دون المجتمع ، ولكن بخلاف مالو كان الطابع في
المجتمع الزنى او اللواط كما حدثنا به القرآن الكريم عن مجتمع نبي اللّه لوط
فالنظر فيه الى الصورة النوعية لأن الطابع قد يكون امرأ خاصا ، وقضايا فردية وقد
يكون الطابع قصد به الصورة النوعية وكأن الدكتور قد خلط بين القضايا الفردية
والاعمال الّتي ترجع لخصوصية الفرد وبين
القضايا الراجعة للجماعة الّتي تكون عنوانا لها .
مع انه يمكن فتح الحوار معه عند عرضه للأنظمة الدينية الاسلامية فقال :
ان الدين في كثير من المسائل لا يتعرض الا للكليات تاركا التفاصيل لظروف
كل المجتمع ، وحاجاته فإذا اردنا مثلاً معرفة موقف الدين الاسلامي من الملكية وجدنا
آراء او نصوصا نفهم انه لا يتعارض مع النظام الملكي ثم وجدنا نصوصا اخرى تفيد أنه
لا يتعارض مع النظام الجمهوري لا ان تلك تفاصيل تركها الدين لظروف الجماعة ، وكل
مايهم الدين في هذا هو ان يستشار المحكومين في امورهم بوساطة الحاكمين ، أو ما يسمى
في العرف الحديث بأسم الحكم الديموقراطي ولا يهمه بعد ذلك شكل الحكم .
ان ماذكره الدكتور كانه قد اعطى اضواء عن المسائل الدينية بصورة مختزلة
وأنها متعرضة للكليات مع أنه لو تأمل في ميدان التشريع الاسلامي لرآه في مقام اوسع
مما تصوره وأن الملكية والجمهورية لم يكن لهما موضوعية في ميدان الرسالة الاسلامية
لاستيفائها على اتم مراحل الديموقراطية في تصويرها الخارجي دون المفهوم المجرد
ووظيفة المسلم التطبيق لتلك المفاهيم ولايكفي مجرد الالتزام والعقد القلبي المجرد
عن التطبيق فالقوانين الاسلامية لها برنامج خاص وسياسة تعكس مفاهيم متعددة ولكن لا
يترك المجتمع سدى من غير مرب وإنما يرشدهم الى اسمى المعارف وبين لهم الطرق ،
والقواعد العامة في كسب المعارف الناصعة ، وربما يتدخل حتى في القضايا العرفية
ويخطئهم في تصويرها فلامحتمع فدم الملكية على الجمهورية أو العكس بحسب رغباته
وميوله الا ن الدين يرسم للمجتمع العام خطوطا توصله الى الحقيقة ، وترفع عنه
الافكار الساذجة الى افكار برهانية مطابقة للعلم في اتم مراحله .
وقد التزم ر . م . ماكيفر بوجود العقل الفردي واستشهد به عن طريق التوراة
بأن له استقلالاً ذاتيا وقال بعد ذلك ان الاستقلال الذاتي لا يتعارض في حقيقة
الامر مع الاجتماعية .
ونشاهد تعبيره في نظرية العقل الفردي بقوله : اما لعقل المفكر فإنه لم يعد
مبدأ اخلاقيات المجموعة بل يتطلب الاخذ بفكرة القوامة الذاتية لكل انسان بوصفه
كائنا اخلاقيا . |