|
حرية الفرد
نطلعك على إجمالاً على تاريخ الأمم القديمة في نظرتها للأسترقاق منذ عهد
البابليين والفراعنة والفرس والهنود واليونان والروم والعرب .
وذلك عندما نطالع تلك الصفحات التاريخية في تلك الأدوار تنكشف لنا طبائع
البشر وصنع بعضهم البعض إذ يحملون بعضهم البعض على أشق الأعمال وأحمزها لأنهم
يعتبرون الأرقاء الطبقة المنحطة كما نشاهد جذوره في الولايات المتحدة الأمريكية حيث
لا تزال مظاهر السيطرة والاستعباد ظاهرة في الزنوج وهكذا في أفريقيا الجنوبية .
وإليك عن وجود التمايز العنصري حيث تراهم لا يسمحون في عشرين ولاية من
الولايات المتحدة الامريكية للزنوج أن يتعلموا في مدرسة واحدة مع البيض وتنص الفقرة
207 من قانون ميسيسيبي أنه يراعى في هذا الحقل وهو حقل التربية والتعليم أن يفصل
أطفال البيض عن اطفال الزنوج فتكون لكل فريق مدارسه الخاصة ، وفي ولاية فلوريدا تنص
قوانينها على فصل الكتب المدرسية للطلاب الزنوج عن البيض .
وينص القانون الميسيسيبي على بطلان زواج الزنوج من البيض أو بالعكس بل
على بطلان زواج أبيض بشخص يكون الدم الّذي يجري في عروقه دم زنجي وتطور التمييز
العنصري حتى في الفرق في الأعمال ووسائل النقل والكنائس حتى أنه ذكر أنه دخل زنجي
من جمهورية بناما كنيسة كاثوليكية في واشنطن وعندما اشتغل بالعبادة جاءه أحد
القساوسة وقدم له ورقة صغيرة وفيها مكتوب عنوان كنيسة زنجية كاثوليكية وحين ما سأل
القس الزنجي عن سبب ذلك أجاب القس الأبيض في المدينة كنائس خاصة
بالكاثوليك الزنوج .
ومن الغريب أنه قد تطور التمايز إلى جعل مستشفى عصبي للزنوج ومستشفى عصبي
للبيض وبأسباب هذا التمايز قد يحصل الأنتحار بين صفوف شباب السود الذين تتراوح
أعمارهم من 15 سنة إلى 24 سنة كما حصل ذلك في عام 1960 وذكر أيضا أنه قد تضاعفت هذه
النسبة ثلاث مرات بين صفوف النساء أيضا ومن العجب أنه قد ورد في اعلان جنيف لحقوق
الطفل في سنة 1924 واعترف بها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان المبدأ : من
المبادىء العشرة في اعلان حقوق الطفل النص أن يتمتع الطفل بكافة الحقوق الواردة في
هذا الأعلان فيخول لجميع الأطفال بدون أي استثاء حق التمتع بهذه الحقوق دون أي
تمييز أو تفرقة بسبب النوع أو باللون أو الجنس أو اللغة أو الرأي السياسي أو غيره
أو الأصل الوطني أو الأجتماعي أو الملكية أو المولد أو غيره من أية منزلة أخرى سواء
بالنسبة له أو لأسرته .
إلا أنه بعد ملاحظتك سوف تشاهد أن هذه المادة كأنها لا أثر لها في
الولايات المتحدة أو غيرها وأن القيام العنصري ثابت على كيانه يتمتغ بالتفرقة
والتمايز وإنما المادة صورة مفهوم لا انطباق لها بالحمل الشائع من حمل الكلى على
أفراده.
ونظير هذه المادة جاء في المادة العاشرة يجب حماية الطفل من الأعمال
التي قد تغرس في نفسه أي نوع من أنواع التفرقة العنصرية أو الدينية بل يجب أن ينشأ
في جو تسوده روح الفهم والتسامح والصداقة بين الشعوب والسلام والأخوة العالمية وأن
يشعر شعورا كاملاً بأن طاقته ومواهبه ينبغي أن تكرس لخدمة أخوانه في الإنسانية .
وما علموا أن الدين الإسلامي جاء لرفع التمايز العنصري وأن الدين عند
اللّه الإسلام وإنما هو مظهر للفضائل النفسية والمكارم الخلقية كاشف عن تلك
الانطباعات الكامنة في فطرة الإنسان ومظهر للديمقراطية الواقعية .
والغرض أنه لم يقع الاسترقاق الا في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد وترى
انكلترا في نفسها الكبرياء والعظمة والسلطان المطلق ولا تعتبر أي وجود ما سوى أبناء
جنسها المتولد في لندن .
وقد شاهدت قضية في عرض تلفزيوني عند قدوم الإنكليز إلى العقبة بمساعدة
العرب المموه عليهم بقالب الحرية وانتشالهم من استبداد السلطات العثمانية الذين لم
يجدوا رحمة منهم حينذاك وكيف جرت مذابح دامية بين الفريقين وكيف أبدى هذا القائد
الإنكليزي في المسلمين القتل والتشريد والحرق حتى أنه شوهد أحد رفاقه الخلص عندما
أخذ مفجرة لتفجير القطار وأدخلها في ثيابه وقد انفجرت عليه قبل وصول القطار ورأى
القائد الإنكليزي أن رفيقه العربي آل إلى شرفات الهلاك فقتله بنفسه ومضى كأن لم
يصنع شيئا هذا في الأحرار فكيف سلطتهم على العبيد .
وفي خلال الشهر الثامن عام 1977 وقعت في انكلترا حوادث عنف ضد الزنوج
وكانت إحدى الحوادث في حي لويشهام حيث كانت الجبهة الوطنية بمظاهرة ضد العمال
الأجانب ودارت معارك ضخمة وتدخل البوليس لصالح البيض ضد السود .
ونرى سلوكهم قبل الحرب العالمية الثانية بأشد مما في عصرنا الحاضر حيث قد
احتقرت الهنود وجعلتهم آلة لمطامعها في الحروب والخدمات حتى تفطن غاندي إلى أعمالهم
مع أبناء جنسه من العبودية فقام بثورة عارمة حتى أخذ لنفسه السيادة واستقلت دولته
وأصبح القائد للحرية والاستقلال .
بينما نجد منذ شروق الدعوة الإسلامية لكافة أرجاء المعمورة أن الإسلام قد
ألغى الاسترقاق على وجه التدرج والسير البطيء لأنه لو جاء في إبطال الرقية للزم سد
مصالح السادة وجعل المجاعة للأرقاء ولأدى ذلك إلى تعطيل العمل والوجوم الاقتصادي
فقد جاء :
أولاً : لتحديد موضوعية الاسترقاق من طرف الأسارى في الحرب بجواز شراء
المملوك نفسه من سيده ومالكه .
ثانيا : إذا دخل المسترق الإسلام يكون حرا .
ثالثا : من عذبه السيد وأسقط بعض أعضائه يحكم عليه بالحرية .
رابعا : من ضرب مملوكا فكفارته عتقه .
خامسا : من قال انك حر دبر حياتي صار معتقا بعد ذلك .
سادسا : من أولد من المملوكة حرا ينعتق من نصيب ولدها .
سابعا : من ملك أحد أبويه يعتق قهرا .
ثامنا : يشتري نفسه من مال الزكاة لحرية نفسه .
تاسعا :كفارة الصوم أحد مصاديقه الإعتاق .
فأين العبودية والاستعباد هذا أسلوب تشريع الإسلام وهذه أهدافه يقلص بها
وجود الموضوع حتى ينعدم حكمه .
ألا فانظر إلى الحضارة الإسلامية الم تر الفرق بين الوجود الإنساني فقال
سبحانه: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم » . وإنما اراد من المجتمع الأتيان إلى ساحة الإسلام
طوعا لا كرها حتى يدخلوا في طوق العبودية كما هو الحال في البحرين .
وقال الرسول صلىاللهعليهوآله لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على
عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ، ويقول
صلىاللهعليهوآله ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا
من مات على عصبية .
ومن موارد مصرف الزكاة من كان مديونا لا يستطيع سد الدائنين فله أن يأخذ
بمقدار دينه وكل هذه فريضة من اللّه على الأمم للتضامن وحفظ المجتمع .
كما يصرف المال الزكوي في سبيل اللّه ولأبناء السبيل وهم المحتاجون في
غير بلادهم ولو كانوا أغنياء في بلادهم ووطنهم .
ووردت عدة أحكام من قبل السنة النبوية تلزم المجتمع على أداء الزكاة
وأثرها الاجتماعي لأنها تمثل مصلحة اجتماعية هائلة تتعارض مع مصلحته الشخصية من
انطوائه على ماله إلا أن الشارع ضرب على مصلحته الشخصية للحفاظ على المصلحة
الاجتماعية لأن الإدارة العامة تناط بالمصلحة النوعية دون المصلحة الشخصية .
إلا أنه جاء في العصور المتأخرة في القرن الثامن عشر قيام حركة ضد
الاسترقاق كما حدث ذلك في انجلترا وقال عدد من الفلاسفة في فرنسا بعد محاولة بذلت
في 27 سبتمبر 1791 كان من الواجب الأنتظار حتى عام 1848 لكي يصبح الاسترقاق من
الأمور المعاقب عليها في المستعمرات الفرنسية ولم يتم مثل هذا التطور في روسيا إلا
في عام 89
(1861) .
وورد في المادة الثامنة من الاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية :
1 ـ لا يجوز استرقاق أحد ويحرم الاسترقاق والإتجار بالرقيق في كافة
أشكاله .
2 ـ لا يجوز استعباد أحد .
3 ـ لا يجوز فرض ممارسة العمل على أي فرد بالقوة أو الجبر كما جاء في
عام 1919 / 10 سبتمبر في سان جرمان من المعاهدة الثالثة بإلغاء الرق وأيضا إلغاء
تجار الرق الأسود ولكن هذه المعاهدة لم تتضمن أنشاء رقابة دولية تكفل تنفيذ احكامها
ولكن في اتفاقية الأمم المتحدة أعدت اتفاقية خاصة بالعقاب على الرق والنظم المشابهة
له من الناحية العلمية وهي الاتفاقية التي وافقت عليها الجمعية العامة في 4 سبتمبر
1955 وهذه الاتفاقية لا تلغي اتفاقية 1926.
والغرض من ذلك كله أن الرقية قد تفطن إليها المجتمع البشري في حالة
متأخرة بينما الإسلام أراد سد باب الرقية من جذورها عن طريق غير مباشر حتى لا يوجب
تقزز الناس وتقديم الاعتراضات والانتقادات من الأشخاص الذين يؤمنون بالرقية كما كان
عليه أغلب المجتمعات المثقفة وإنما جاء الإسلام بأسلوب يوجب إعدام الموضوع من غير
أن يشعره بشيء كما هو ديدنه في بعض التشريعات التي قد أخذت مكانتها بعض الموضوعات
المعاكسة للتشريع بالخطاب التدريجي أو رفع الموضوع تدريجيا حتى ينهار صرح الاسترقاق
برمته ويبقى لواء الحرية خفاقا من غير منازع ولا مناوىء .
موضوعية التضامن
تفرض الدولة مبدأ الضمان إذا وجدت الفرد عاجزا عن التكسب فعندئذ تلزم
الدولة رؤساء الأموال بأخذ العشر إن كان للزكاة أو الخمس إن كان من الأنفال لصالح
المعوزين والضعفاء حتى لاتعم البطالة أرجاء الدولة التي قد تنشأ منها الفوضى ولذا
عندما
كان
الإمام علي عليهالسلام يمر في الطريق ووجد نصرانيا يستجدي نادى علي بأمين المال
فأحضر بين يديه وقال له ما هذا أخذتم شبابه وكهولته وتركتموه يستجدي في الطرقات .
وإليك النص الروائي عن محمد بن حمزة عن رجل بلغ به أميرالمؤمنين عليهالسلام قال
مر شيخ مكفوف كبير يسأل فقال أمير المؤمنين يا هذا قالوا يا أمير المؤمنين نصراني
فقال عليهالسلام استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه أنفقوا عليه من بيت المال .
وبهذا العرض الروائي يظهر أن الامام عليهالسلام أمر عبد اللّه بن أبي
نافع وزير المال بجعل تقاعد مرتب لمثل هذه النوعية العاطلة عن العمل حتى لا يكون
كلاً على المجتمع وإنما الإدارة المالية هي الكفيلة للعجزة في تأميم حياتها وحفظ
شؤونها الاقتصادية .
وعن صحيح سماعه أنه سأل الإمام جعفر بن محمد عن قوم عندهم فضل وبأخوانهم
حاجة شديدة وليس يسعهم الزكاة أيسعهم أن يشبعوا ويجوع إخوانهم فإن الزمان شديد فرد
الإمام عليه قائلاً إن المسلم أخ المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحرمه فيحق على
المسلمين الاجتهاد فيه والتواصل والتعاون عليه والمواساة لأهل الحاجة لاحظ
بمطالعتك لهذين الحديثين تجد دور الإمام أمير المؤمنين عليهالسلاميطلب من وزير
المال أن يتكفل معيشة النصراني وأن الدولة ملزمة بضامنه من بيت المال وترى في
الحديث الثاني أن يقوم المجتمع نفسه بالتكافل لكي يزج المجتمع في المسؤولية دون
النظر إلى الدولة لأن التحسس له الأثر في جلب العاطفة والرقة على الفرد ولأن
الاعطاء في مصالح المجتمع العام ينبغي اقترانه بالميل والرغبة دون الاعطاء المجرد
حتى يدفع المجتمع إلى المزج والتفاعل وإن كان للفرد حق في أموال الأغنياء لا يجوز
لهم التصرف فيها إذ في الزكاة مرجع الحقية في العين وفي الخمس تعلقها في الذمة وكلا
الحكمين ترفع اليد عن السلطنة بنحو القصور في المالكية .
إلا أنه يمكن عرض سؤال وهو أنه لو كانت الدولة في استطاعتها تأميم حياة
الفرد
هل
يحق لها أن تلزم المجتمع بالاعطاء .
بمقتضى صحيح سماعه أن بيت المال إذا كان قاصرا على الاعطاء لا يكلف
بالاعطاء أو الاحتساب على نفسه وإنما يدفع الناس إلى التحسس بأنفسهم للشعور
بالمسؤولية في انقاذ الفرد إلى دور الرفاه دون النظر إلى الحياة الاتكالية التي
مآلها إلى التواكل وعدم الشعور مع بعضهم البعض كما أن الدولة ليس مشروطا عليها أن
ترفه عليه بأكثر من أفراد المجتمع وإنما على الدولة أن ترعاه بما يسد حاجته
المعاشية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وإلى هذه النوعية من التشريع يقول الإمام علي
عليهالسلامإلى مالك ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلي من الذين لا حيلة لهم من
المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمني فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا واحتفظ لله
ما استحفظك من حقه فيهم واجعل قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في كل
بلد فإن للأقصى منهم مثل الّذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر
فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لأحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم ولا تصعر خدك
لهم .
وهذه صحيفة ناصعة عن سلوك حكام الدولة مع مجتمعهم في نظر الإمام حتى يعطي
ضابطة عامو للأمراء والسلاطين أن يقوموا بالعدل والمساواة من غير تبعيض في الحق
وتضييع على فقير إلا أن البحث في مقام الحقية هل تخصص للرد أو تقع عامة للجماعة .
واستعرض القرآن إلى صور التضامن فقد يكون بين الفرد وذاته وهو عبارة عن
توجيه النفس إلى المصالح وزجرها عن الشهوات كقوله تعالى : «ونفس وما سواها فألهمها
فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها » (الشمس 7 ـ 10) كما وجهه إلى
دور العمل في قوله سبحانه : «ولا تنس نصيبك من الدنيا» (القصص 77 (وقوله : «وكلوا
واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين » (الاعراف 31) وقد جعل التضامن ما بين
الفرد والأسرة في قوله «وبالوالدين احسانا » (الاسراء 23 ـ 24) وقوله تعالى :
«ووصينا الانسان بوالديه » (لقمان / 14) وقوله تعالى : «وأولوا الأرحام بعضهم أولى
ببعض في كتاب اللّه » (الاحزاب 6 ).
وأرشدنا إلى ناحية التضامن في العمل بين جماعة وجماعة والجماعة والفرد
كقوله
تعالى : «وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون » (التوبة 105) وقوله
تعالى : «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان»(المائدة 2 ).
الحق الفردي والحق الاجتماعي
قبل تناولنا لتقسيم الحق تعال معي إلى مفهوم الحق تعرض فقهاء القانون
الوضعيين والإسلاميين إلى حقيقة الحق .
أما نظر فقهاء القانون فيعبرون عن الحق بأنه قدرة أو سلطة إرادية يخولها
القانون الشخص ويعزي هذا التعريف إلى سافيني ويند شايد الألمانيين .
إلا أن هذا التعريف ينتقض عليه بمن كان عديم الإرادة كالمجنون فإن له حق
وليس بإرادي لاعتراف القانون بثبوت الحقية له .
وذهب اهزيج الألماني : بأن الحق مصلحة يحميها القانون .
ولكن نناقشه أن المصلحة ناشئة عن مقام ثبوت الحق فيكون التعريف بلحا
النتيجة وليست المصلحة هدفا للحق كما ذهب إليه الدكتور عبد المنعم وإنما هي نتيجة
الحق أو منتزعة منه .
وعرف دابان البلجيكي الحق بأنه ميزة يخولها القانون للشخص ويضمنها
بوسائله بمقتضاها يتصرف في قيمة معترف بثبوتها له أما باعتبارها مملوكة أو
باعتبارها مملوكة له أو باعتبارها مستحقة له .
إلا أن الملاحظة في هذا التعريف لم يرتسم بحقيقة الحق وإنما النظرة إلى
التحويل من قبل القانون يعطي صورة الامضاء والتقرير على ثبوت الحق والقانون لم يخلق
حقا وإنما له حق الامضاء والتقرير كما أنه ليس بمعنى السلطة لأنها من آثار الحق
وليست نفس حقيقته كما أنه ليس من مراتب الملكية بنحو الوجود المشكك .
أما النظرة الاسلامية في مفهوم الحق فهو عبارة عما كان قابلاً للأسقاط
وعليه جمهرة من الفقهاء الامامية وله تصويرات في هذا الميدان :
1 ـ بحسب الاطلاق اللغوي ويراد به مطلق الثبوت والتحقق فيصدق على اللّه
حث وهو عين الثبوت .
2 ـ الحق الّذي يقابل الحكم التكليفي والوضعي لأنه ليس فيه نهي أو بعث
كما في الحكم التكليفي وليس من نوع الملكية والحرية كما في الأحكام الوضعية .
3 ـ الحق من نوع الملكية إلا أنه ضعيفة وناقصة بخلاف أصل الملكية فهي
تامة وقوية وقد سار على ذلك الفقيه اليزدي في حاشيته على المكاسب.
4 ـ كل ما كان قابلاًً للأسقاط ينتزع منه مقام الحق .
وبهذا التصوير الأخير أخرج من دائرته حق التولية وحق الوصاية وحق الولاية
عن محوطة الاسقاط لأنها غير صالحة للاسقاط وقد ألحقها بعض الفقهاء بالأحكام وليست
من الحقوق بشيء كما أنه ليس منتزعا عن الحكم التكليفي كما يبدو من بعض النظريات
بناء على جعل الحق من مراتب الملكية تكون منتزعة من جواز التصرف لأنه تثبت الملكية
ولم يكن هناك وجود جواز التصرف كما في المحجور كالصغر والسفه أو الجنون.
وينقسم الحق إلى حق فردي وحق اجتماعي ويعبر عنه فقهاء الإسلام وفقهاء
القانون الوضعي بالحق الشخصي والحق النوعي .
والمقصود من الحق الشخصي كحق الأولوية في المكان اوالتحجير فإن الحق يناط
به شخصيا من غير مشاركة الآخرين في حقه بخلاف حق المجتمع فإن كل فرد له حق مع الآخر
ويكون في صورة التوزيع على نحو الاشاعة والتساوي .
وعلى ضوء هذا إن ضمان الفرد والمجتمع يقع على كاهل الدولة والمجتمع
الإسلامي إذا كان بيت المال لا يسد حاجيات شؤون الدولة وإدارتها أو تلحظ الدولة
وجود موضوعات هامة تقدمها على ضمان الفرد للمصلحة النوعية إلا أنه لم يتركه من غير
راعٍ وإنما جعل المتكفل لرعايته هو المجتمع .
هذه لمحة من لمحات المخطط الإسلامي في صورة التضامن الاجتماعي وعليك
بمراجعة اقتصادنا للعلامة الصدر والموسوعات الفقهية وتصيد النظريات الاقتصادية
الاسلامية من خلالها .
ضريبة الدخل (الخمس)
من الأحكام الاسلامية في الحقوق الثابتة على المجتمع المسلم أن يؤدي خمس
المال الّذي جاءه عن طريق الكسب وهذه الاحكام من الفوائد الجليلة كتقليل النشاط
المالي وعدم تورمه في إطار رأس المال وكذلك لمصلحة العامل ورعاية الفقير مع ملاحظة
كيان الغني والحفاظ عليه في حياته ويكون على هذا النمط من السلوك قد جمع بين
حقالفقير وحق الغني بوجود التضامن الاجتماعي وجعل المودة الصادقة بين المجتمعين
بينما إذا أطلق المجتمع الرأسمالي ناتئا والمجتمع عاطل متقزز حصل العداء والتطاحن
بين الطائفتين لأن كل طائفة ترغب في الهجوم على ضرتها ولكن بتطبيقنا لتشريع الإسلام
على منهجه الصحيح المجرد عن الشكلية صارت كل طائفة ترغب إفناء ذاتها لأختها الحنون
.
فجاء القرآن بذلك الصوت المعبر عن الدفاع المشترك بقوله تعالى : «
واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه » .
ويراد بالغنيمة مطلق الاغتنام والربح من غير اختصاص في الحرب وإن اعتبرته
العامة في إطار الجهاد إلا أن المورد لا يخصص الوارد كما تدل الآية الأخرى على مطلق
الكسب بقوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم » (البقرة 267
). والغنيمة مال من أموال الكفار ظفر المؤمنون به على وجه الغلبة والقهر .
والآية الثالثة في قوله تعالى : « يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله
والرسول »تدل هذه الآية الكريمة على عدم انحصارها في الحرب للأطلاق .
وهذه الآيات حكمت على المجتمع بتأدية الضريبة بالمائة عشرين عشرة لأبناء
الرسول صلىاللهعليهوآله وأولاد أئمة الشيعة لأنهم المظهر في الإعطاء لا من باب
انحصار الحكم فيهم على نحو الوجود الشخصي .
وأشار القرآن الكريم إلى الجماعة المستحقة بقوله تعالى : « واعلموا أنما
غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن
كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان واللّه على
كل شيء قدير » (41 ـ الأنفال) وليست الغنيمة منحصرة في دار الحرب وإنما كل مورد
يحصل منه الاستفادة فإن الحكم جار في حقه .
كما ورد عن صحيح ابن مسكان عن زكريا بن مالك الجعفي عن أبي عبد اللّه
عليهالسلام عن قول اللّه عز وجل : «وأعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه
وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل » فقال عليهالسلام : أما خمس
اللّه عز وجل فللرسول يضعه في سبيل اللّه ، وأما خمس الرسول صلىاللهعليهوآله
فالأقاربه وخمس ذوي القربى فهم اقرباؤه وحده واليتامى يتامى أهل بيته فجعل هذه
الأربعة أسهم فيهم وأما المساكين وأبناء السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا
تحل لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل .
إلا أنه ورد في مرسل حماد فسهم اللّه وسهم رسول اللّه
صلىاللهعليهوآله لأولي الأمر من بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وراثة
وله ثلاثة اسهم سهمان وراثة وسهم مقسوم له من اللّه وله نصف الخمس الباقي بين أهل
بيته فسهم ليتاماهم وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم .
وجاء في المدارك : الاصحاب قاطعون بتساوي الأنواع في المصرف .
والغرض من هذا العرض الفقهي لكي تلتمس أن التوزيع في الأنتاج محله للضمان
الاجتماع ولشؤون الدولة وأن القيادة الاسلامية في تنظيمها لا تربط بفردية خاصة
وإنما سير الصدقات والاخماس تتناول الرعاية العامة التي تنطوي تحت إدارة شؤون
القيادة والإمامة ويكون إخراج الخمس لازما لا يجوز التصرف فيه لأنه حق الآخرين كخبر
أبي بصير عن أبي جعفر عليهالسلام كل شيء قوتل عليه على شهادة أن لا اله الا
اللّه وأن محمدا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فإن لنا خمسه ولا يحل لأحد أن
يشتري من الخمس شيئا حتى يصل إلينا حقنا .
ويمكن أن تكون أظهرية الانطبقا لأبناء الرسول والمساكين من ذريته أو
اليتامى كذلك تتصور على نقاط :
1 ـ أن لا يكون عالة على المجتمع .
2 ـ دفع البغضاء عن نفوس الآخرين لعدم الاحتياج .
3 ـ إلفات المجتمع اليهم في التبليغ وأداء الرسالة .
4 ـ تنشيط الورثة في القيام نحو الرسالة .
وبهذه النقاط يصبح العضو في تحريك الجهاز التشريع وليس هم شعب اللّه
المختار كأبناء هارون وليس لهم الملكية في الخمس وإنما ادلته ظاهرة لشؤون الإمامة
والقيادة العامة ولذا تشاهد أنه عندما تتوفر حاجيات أبناء الرسول الاقتصادية ينتقل
المصرف المالي إلى المصالح الأخرى وإن كان أبناء الرسول المظهر الأولي في الاعطاء
ومن باب الانطباق دون الأنحصار .
وهذه الاحكام القرآنية تحتم على المتمولين الذين كان مصدر ماليتهم عن
طريق الكسب فيجب إعطاء ضريبة الكسب والأرباح وتسليمها إلى تلك الطبقة المستحقة من
أبناء الرسول أو للمصالح العامة التي يشخصها الإمام .
وهذه الضريبة إنما قررت لصالح المجتمع دون لحاظ المصلحة الشخصية ولذا تجد
النظام القرآني يقدم المصلحة النوعية على المصلحة الشخصية في جميع أحكامه حتى في
صورة الجهاد فإنه يمثل مصلحة اجتماعية تتعارض مع حب الذات فأمره القرآن الكريم أن
يعدم الذات لبقاء النوع فقال : «وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم » .
نظام الخراج
ورد نظام الخراج في صورة فتح المسلمين للأرض عنوة أو بحرب فيوقفها خليفة
المسلمين على مصالحهم من غير نظر إلى زراعتها أو تؤخذ الأراضي الخارجية بسبب
المصالحة من غير قتال وأهل الفيء يؤدون الخراج للمسلمين يدخل على بيت المال ويصدق
الخراج على الحاصلات الزراعية أو الأغلال والأموال النقدية ولم يتكن قيمهالخراج
ثابتة بل كانت متفاوتة كثرة وقلة بتفاوت وسائل الري والتعمير في الأراضي
الزراعية .
وجاء التعبير القرآني في نظام الخراج قوله تعالى : «فخراج ربك وهو خير
الرازقين» (المؤمنون 72) وهو المراد به مطلق الخراج ويصدق الخراج على اقتطاع الأرض
كما حدث ذلك في أرض خيبر على عهد النبي صلىاللهعليهوآله ويقسم الأقطاع على
نحوين .
1 ـ اقطاع استغلال .
2 ـ اقطاع تمليك وهي إما عامرة أو غامرة .
وورد في مكاسب الشيخ الأنصاري ما يأخده السلطان المستحل لأخذ الخراج
والمقاسمة من الأراضي بأسمها ومن الأنعام باسم الزكاة يجوز أن يقبض منه مجانا أو
بالمعارضة وإن كان مقتضى القاعدة حرمته لأنه غير مستحق لأخذه فتراضيه مع من عليه
الحقوق المذكورة في تعيين شيء من ماله لأجلها فاسد كما إذا تراضى الظالم مع مستأجر
دار الغير في دفع شيء إليه عوض الأجرة وتعرض المكاسب إلى شبهات ثمانية :
1 ـ لا يجوز التعامل على الخراج قبل أخذه .
2 ـ لا يجوز من عليه الخراج سرقته ولا حجره ولا منعه .
3 ـ حل الخراج والمقاسمة المأخوذين من الأراضي التي يعتقد الجائر كونها
خراجية وإن كانت عندنا من الأنفال وهو الّذي يقتضيه نفي الحرج .
4 ـ السلطان من المدعي الرئاسة العامة دون من تسلط على بلدة وقرية .
5 ـ لا يعتبر في حل الخراج المأخوذ أن يكون المأخوذ منه لمن يعتقد
استحقاق الأخذ للأخذ فلا فرق بين المؤمن والكافر لاطلاق بعض الاخبار .
6 ـ ليس للخراج قدر معين بل المناط فيه ماتراضى فيه السلطان .
7 ـ ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لا يشترط فيمن يصل إليه الخراج أو الزكاة من
السلطان على وجه الهدية أو يقطعه الأرض الخراجية أقطاعا أن يكون مستحقا.
8 ـ إن كون الأرض الخراجية بحيث يتعلق بما يؤخذ منها ماتقدم من أحكام
الخراج والمقاسمة يتوقف على أمور ثلاثة :
أ ـ كونها مفتوحة عنوة أو صلحا على أن تكون الأرض للمسلمين .
ب ـ أن يكون الفتح بإذن الإمام .
ج ـ أن تكون الأرض محياة حال الفتح .
نظام الجزية
ثبتت الجزية بالنص القرآني في قوله تعالى : «قاتلوا الذين لا يؤمنون
بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من
الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون» (29 ـ التوبة) .
ونظام الجزية من قبل القرآن وهو لأجل تقوية المسلمين الاقتصادية أولاً
ولأجل الحفاظ على شؤون المقيمين في حرم الدولة الاسلامية ثانيا . ويكون مورد الجزية
على رؤوس الأموال لا على الأرض فكانت الجزية عن أهل الكتاب عوضا عن الأمن قوله
الجزية أثبتت للذمي الأمن العام على نفسه وأهله وماله في المقام والسفر وعلى كل
مسلم إذا لم يمض إلى الجهاد وتؤخذ من ثلاثة أصناف:
1 ـ الأغنياء وقيمة ما يؤخذ منهم ثمانية وأربعون درهما .
2 ـ المتوسطون ويؤخذ منهم أربعة وعشرون درهما .
3 ـ الفقراء بشرط أن يكونوا مكتسبين ذوي حرفة غير مرضى ولا عجز ويؤخذ
منهم اثنان عشرون درهما .
نظام المعاملات التجارية
نظام العقود يشمل المقايضة والبيع والهبة وقد تعرض الدكتور محمود سلام
زناتي في كتابه تاريخ النظم القانونية المجتمع البدائي المجتمع العقلي مجتمع
المدنية ، حيث ذكر مع بدايات تراكم الثروة وكان ذلك مع ظهور مجتمع الصيد والرعي ظهر
فائض لدى الأفراد مما دفعهم إلى البحث عن وسيلة للتخلص من هذا الفائض مقابل إشباع
رغباتهم في نواحي أخرى وكانت هذه هي البدايات الأولى لظهور عقد المقايضة ومع تقدم
المراعي واستقرار الزراعة ظهرت أيضا عقود الرعي والهبة والقرض وعارية الاستعمالات
وولائم العمل والبيع والايجار والرهن ولكن إذا جئنا إلى الطرح التاريخي لم يستقر
لدينا الأمر الجزمي في مراحل هذه العقود وإنما هي وليدة الأحتياج والمرتكزات
العرفية التي لا يصح إخضاعها للظروف الزمنية .
وإنما تجلت فكرة الانسان نحو المعاملات التجارية لتقويم حياته وكان في
بداية حياته الأولى يسير في منهجية مبسطة تباني عليه في معاملاته ولم تكن منسقة
بحيث تجري على وفق ضوابط معينة ولكن بعد ترقي الانسان فكريا أمكنه جعل قوانين في
سير المعاملة نحو اتجاه سليم إن الإنسان بطبيعته لم يتوصل به الرساليون لأنه قد
يدخل في إطار المعاملة أفرادا يحسبها من حقيقة المعاملة الا أن النظام الديني يخرج
مثل هذه الأفراد عن دائرة التعامل وحقيقة المعاملة إلا أن النظام الديني يسير على
منهجية العرف العقلاني إلا انه ربما يخطيء العرف في انطباق المفهوم على مصداقه
ويلفت نظره إلى عدم صحة مثل هذا التطبيق كما في المعاملات الربوية .
جاء الحكم القرآني لبيان معرفة حكم المعاملة وأثرها الاجتماعي والاقتصادي
وأول منطلق في تقييم المعاملة بأن لا يكون أساس التجارات قائما على عدم رضاء المالك
وإنما يقدم المتعاملان على البيع في حالة الرضاء من الطرفين فلو اضطر أحد
المتعاملين على إجراء المعاملة من غير رضاء منهما تقع المعاملة ملغية لم يقرها
القانون ولا النظام القرآني لأن صحة المعاملة مقرونة بالرضاء وتوجه الإرادة إلى
مدلول العقد بينما في صورة عدم الرضاء تقع المعاملة فاقدة لركن الإرادة وعدم انطباق
مدلول العقد على معناه الموضوع له العقد فيكون مسلوب الإرادة وعديم الأختيار .
أما الاكراه في المعاملة فيمكن القول بصحة المعاملة لقصد المعنى من اللفظ
الا أنها فاقدة لطيب النفس وعدم الرضاء وهذا لا يرفع حقيقة المعاملة في صدقها على
المبادلة بين المالين أو التبديل على الوجوه المقررة في حقيقة المعاملة من صيرورتها
من طرفين أو من طرف واحد وقد اعتبرنا صحة المعاملة ولو كانت من طرف واحد والوفاء من
الطرف الثاني وقد ذكرنا ذلك في كتابنا البيع المقارن ولكن هذا خلاف بيع المضطر فإنه
باطل لعدم الإرادة .
أنظر إلى تشريع القرآن في قوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا
أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم » (النساء 29 ).
أشار سبحانه إلى المجتمع البشري بأن الأكل الناشيء عن المعاملة لابد أن
يقع عن تجارة رضائية وهي تسير على وفق العرف ولا توجد إلا مع التراضي بين البائع
والمشتري وإن صدقت من طرف واحد وهو البائع والوفاء من طرف المشتري ولا تنتقض بالهبة
والصلح لأنهما يوجدان من طرف واحد لأن حقيقة الصلح السلم والمسالمة كما في قوله
تعالى : «وأصلحنا له زوجه » (الأنبياء 90 ). وهو أجنبي عن حقيقة المعاملة من تبديل
المالين أو مبادلة المالين كما أن الهبة يراد بها التعويض المجاني فلا ترتبط بواقع
البيع ولو كانت بنحو الهبة المعوضة سواء كانت بنحو شرط الفعل أو شرط النتيجة لم
تدخل في حقيقة البيع لأن الشرط لا يجعل المال الموهوب عوضا لو قلت أهبك بشرط أن
تهبني ولذا لو كان بنحو شرط النتيجة كما لو قلت أهبك بشرط أن يكون ملكا لي فالملكية
استقرت للواهب إلا انها جاءت عن طريق الشرط دون استقلالية العقد الّذي مقتضاه تمليك
بعوض .
وقال سبحانه «يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود » (المائدة 15).
وهذه الظاهرة القرآنية تشير إلى ناحية الالتزامات وأن جميع صورها تحت
العقد المعتور للعقد القولي والعقد الفعلي .
حيث يرى جماعة من الفقهاء خروج المعاملة المعاطائية عن دائرة الالتزام
لأن الظاهرة القرآنية تحدد صحة المعاملة في قالب اللفظ دون الفعل ، فصدق المعاملة
حقيقة يناط باللفظ من كلمة بعت وقبلت وإذا تجردت المعاملة عن هذه الشكلية لا تصدق
على البيع حقيقة .
أما وجهة نظرنا في نظرية المعاطاة فهي داخلة في مفهوم العقد لأن العقد
يراد به العهد كما جاء في اللغة وبين العقد والعهد العموم من مطلق إذ يصدق العقد
عهدا ولايصدق العهد عقدا مطلقا والعهد يراد به جعل القرار سواء كان في إطار الفعل
أم القول أم في القلب ولسنا في مقام عرض الفكرة بأقسامها الموسعة وإنما أردنا
الاشارة إلى بعض النقاط للتنبيه على بعض الملاحظات استطرادا دون البحث الموضوعي.
وقال تعالى : «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها الحكام
لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالأثم وأنتم تعلمون » (البقرة 188 ).
تضمنت هذه الآية النهى عن أكل أموال الناس ظلما وعدوانا والادلاء بها لاى
الحكام غير الشرعيين واستعرض القرآن إلى اخراج بعض المعاملات عن مفهوم المعاملة
الحقيقية وأخرجها تخصصا لا تخصيصا عن دائرة الوفاء بالعقد في قوله تعالى : «الذين
يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الّذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا
إنما البيع مثل الربا وأحل اللّه البيع وحرم الربا » (البقرة 275 ).
وصف رائع وحالة حقيقية عندما يقوم المرابي من قبره وقد اعترته سكرة
الجنون مثقلاً بما اقترفه من إفناء الشعب المحروم يسير كالمصروع وهذا جزاء من شرب
دماء الضعفاء وجعلهم في مجاعة وفاقة .
وقال سبحانه في مورد آخر : «يمحق اللّه الربا ويربي الصدقات واللّه لا
يحب كل كفار أثيم » (البقرة 276 ). وقد أوعد سبحانه بإهلاك الربا وإذهابه لأنه ناتج
عن معاملة فاسدة من اتعاب الشعوب واستهلاك طاقاتهم .
وقال تعالى : «يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا مابقي من الربا إن
كنتم مؤمنين فإن
لم
تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا
تُظلمون وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وإن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون »
(البقرة 278 ـ 279 ).
والظاهرة القرآنية ترشدنا إلى عدم صحة الاشتراط في الزيادة كما في تعبيره
وذروا ما بقي حيث ذكر أنه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم عند الحل بالمال
والربا وإن أصروا على المعاملة الربوية كان خلاف الإيمان وإلا فإن تابوا أخذوا
رؤوس اموالهم من غير زيادة على رأس المال .
وجاء في سورة آل عمران : «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا
مضاعفة»(آل عمران 130).
وقال سبحانه : «ما أتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند
اللّه وما آتيتم من زكاة تريدون وجه اللّه فأولئك هم المضعفون » (39 ـ الروم) .
ومعنى الربا هو الزيادة على أصل المال وقد شدد القرآن على عدم جوازه
وجعله خارجا موضوعا عن دائرة المعاملة بنحو التخصص دون التخصيص .
ولنردد الآيات مرة أخرى إذ يقول سبحانه : «ولا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون
».
ولنردد الآيات مرة أخرى إذ يقول سبحانه : «ولا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون
».
أرشد المجتمع إلى عدم أكل بعضهم مال بعض بالباطل ما لم يكن التكسب ناشئا
عن رضا حتى يصح فيه العمل التكسبي هذا بالنظر إلى كون الاستثناء متصلاً في دلالة
الآية أما إذا كان الاستثناء منفصلاً فيكون المعنى في الآية الكريمة أن المال الّذي
يأتي عن طريق غير التكسب وكان عن غير رضا هو أكل للمال بالباطل وكأن الاستثناء
المنقطع يتضمن حكمين لموضوعين التكسب وغير افراد التكسب من سائر الالتزامات
الخارجية عن حقيقة المعاملة مساعدتهم أو نظير اليمين الكاذبة وشهادة الزور أو يلقى
المال للحكام رشوة للاستعانة بهم على غيره فإنه أكل للمال بالباطل وسحت وحرام .
وقد مثل القرآن دورا آخر لمن يأكل مال اليتيم ظلما وتفريطا بقوله تعالى :
«وإن
الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا
»(النساء 10 ).
نقف برهة نرتل معك هذه الآية لأنه سوف تنفتح أشعة الرحمة من المبدع
الأعلى على البشرية أن فيها تمام الإصلاح والرعاية الكاملة على مال اليتيم فاعتبر
القرآن الولي مشرفا على مال اليتيم وأن يده يد أمانية يجب أن يحافظ على مال اليتيم
ويجب مراعاة المصلحة عند التصرف لكي لا يهدر ماله من غير مبرر كل ذلك لعدم ضياعه في
المستقبل وحرمانه في الحياة تتداوله الرياح ويكون شقيا غير صالح في المجتمع وإنما
يحب له السعادة والرفاهية والسرور الدائم ويكون كالعضد الواحد يشد بعضه بعضا كل فرد
يحب رعاية مصلحة صاحبه .
وشدد النكير على رجال الدين من الأحبار والرهبان حيث كانوا يأكلون أموال
الناس بالباطل فقال سبحانه مخاطبا لهم : «إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون
أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل اللّه » (التوبة 34 ).
تضمنت هذه الآية الأخبار عن مجتمع الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى
حيث كان دأبهم جذب أموال الفقراء والمساكين بشتى الأساليب غير المشروعة فأشار
القرآن إلى قبح أعمالهم وعدم الشفقة على المجتمع الإنساني يريدون شرب دماء الضعفاء
والمساكين فكشف القرآن هذا الغطاء والعمل اللا إنساني الموجب لشقاوة المجتمع وعدم
صلاحه بعدم سلوك الأحبار والرهبان عن طريق الرحمة للمجتمع وإنما هدفهم بقاء الذات
وإفناء المجتمع الّذي لم نأت به جميع الأديان الرسالية والنبوات وإنما أراد القرآن
أن يكون القائد الرسالي رافعا لمشعل الديمقراطية الحقيقية من غير إبهام المجتمع أو
الالتباس عليهم بالتعبير الفارغ والقالب العاري عن الحقيقة وينبغي لقادة المسلمين
أن يكونوا قدوة صالحة لمجتمعهم حتى لا يكونوا مورد السخط للمجتمع وإنما الهدف أسمى
من هذه الاتجاهات المادية التي يسلكها الماديون لإضعاف الشعوب أو إمانتها وقد جاء
القانون الرسالي لربط المجتمعات ولا امتياز لأمة على أخرى .
المعاملات المحرمة
من المعاملات التي لم يقرها التشريع الإسلامي بيع الخمر واستعمال الميسر
والأنصاب والأزلام فإنه عمل غير مرضي ورجس من عمل الشيطان .
إذ التعامل على الخمر أو الأنصاب أو الأزلام أو استعمال الميسر يوجب فناء
المجتمع أو ضعف قواه أو مما يوجب فيه الضعف النفسي والأنهيار العصبي أو الشرود
الذهني أو بصورة عامة الخلل في كافة المجتمعات التي بدأت على مثل هذه الأعمال كما
دلت الآية الكريمة في النهي عن مثل هذه الأمور بقوله تعالى : «إنما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه » (المائدة 109) وإذا حرم اللّه
شيئا حرم ثمنه فلا يجوز المعاملة فيه وتقع المعاملة باطلة.
النقصان في المكاييل والأوزان
قال سبحانه : «ويل للمطففين الّذي إذا اكتالوا للناس يستوفون وإذا كالوهم
أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب
العالمين» (المطففين 1 ).
أصدر التشريع القرآني قرارا حاسما وبيانا رهيبا وزجرا مروعا فيه تهديد
وتنكيل للخائنين في الأوزان لأن وجود مثل هذه النوعية توجب تفكيك المجتمع وتوزيعه
إلى أشلاء لأنه إذا كانت المعاملات مبنية على المخادعة والخيانة غير قابلة
للاستمرار والبقاء ولابد من انهيارها لعدم وجود ركائزها الاجتماعية والاخلاقية
والنفسية والاقتصادية وقال سبحانه : «وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس
المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا » (الإسراء 35 ).
استهلاك الطاقات
تناولنا الحديث عن خروج موضوعية الربا عن دائرة المعاملة بالتخصص كما هو
مصطلح علماء الأصول وأشرنا إليه بأن الشارع لا يتصرف في المفاهيم العرفية وإنما
يخرج بعض المصاديق لخطأ العرف في التطبيق وعلى هذا لا تشمله أدلة أوفوا بالعقود مع
ما فيه من وجوم الحركة الاقتصادية وجعلها بيد طبقة معينة ترجع الطبقة العاملة إلى
سلطان المال بينما القرآن يهدف إلى المساواة والعدالة الصادقة بين الطبقات والتحريم
صفة عامة سواء كانت للاستهلاك أن للإنتاج لأن الدائن عندما يأخذ من المدين كمية من
المال الغالب في مثله احتياجه إلى الصرف سواء كانت الحاجة للاستهلاك أم للإنتاج
فإذا قل الإنتاج وزاد طرف الاستهلاك وأصبحت الأرباح متراكمة يوجب بذلك ضعف رأس
المال وصار في شبكة الفوائض تسوده إرادة المرابين وتلعب بمقدراته لضعفه ووهنه .
ولا يجوز للمدين أن يأخذ زيادة على رأس المال لما قد خلّف قلوبا حرى
تنتظر القرص من رب أسرتهم الّذي لا حول له ولا قوة قد أعياه وسن الكرى وقلق الضمير
فإن مثل هؤلاء الذين لا يعتبرون للإنسانية موضع قدم سوى النظر إلى المادة العمياء
إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا .
وقد يستثنى من حرمة الربا إذا وقع الربا بين الوالد وولده وبين الزوجة
وزوجها وبين السيد وعبده لأن الأرباح والفوائض في حركة دائرية لأن المستهلك يرجع
للمستهلك لاستقرار الضمان والتكفل في حق كل واحد منهما الآخر .
وأما مسائل البنوك والمصارف فإن كان قوامها إضعاف الطاقات واستهلاكها
فالإسلام لا يقره وإن كان قوامها التجارات والأرباح جاءت له عن طريق التكسب فهي
معاملة جائزة يقرها الإسلام .
التوفير دعم اقتصادي
بين الكتاب العزيز حالة التوفير وبيان جهة المصرف في شؤونه التجارية أو
العائلية كما في قوله تعالى : «إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين » (27 الإسراء) .
وقوله : «وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا
»(الاسراء 26 ).
جاءت هذه الآية إلى صلة الرحم منه أو من آل البيت عليهمالسلام ولكن
توجه في خطابه
إلى
سير الفرد على النهج المعتدل بأن لا يقع في حبال التبذير والاسراف لأنه يفسد النظام
العائلي ومنه إلى الأسرة والمجتمع وبالأنفاق المعتدل بصلح المجموع .
وجعل قوام التوفير مكونا من تعادل صفتين وهما عدم الأسراف وعدم الشح
الّذي هو ميزانية علم الأخلاق وأشار لهذين الصفتين القرآن الكريم بقوله : «ولا تجعل
يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا » (الاسراء 29 ).
وينتزع علماء الأخلاق من هاتين الصفتين صفة الاعتدال المعبر عنه بكلمة الكرم
فالكريم من أعطى حق الضعفاء والمساكين ولم يغمط حقا لأي فرد وحفظ ماله يسد به
احتياجه لا يمد به المسألة ولا ينظر إلى الأغنياء بعين السخط والانتقام .
إن الاسراف في نطاق الفرد أو المجتمع مآلهما إلى عدم الاستقرار الاقتصادي
وتوزيع تلك الكتلة المترابطة أن الاسراف لوحة ذلك الفنان المعبر عن ذلك الفقير
الجائع الّذي ينظر إلى طبق الخبز بيد الغني قد مر عليه ونظر إليه بحقارة وازدراء
وجعل في نفسه اللوعة والشقاء .
إن الاسراف قتل المجتمع العائلي والاسري ومآلهما إلى الحرمان والضياع .
إن الاسراف يجعله في مغارة حالكة من غير هاد يرشد ولا نور يسير على ضوئه
ويخرجه من تلك الطامة الكبرى .
أما التقتير فهو صفة البخل والاحتكار من غير نظر لمصلحة المجتمع وإنما
يطالب في الحصول على المصلحة الشخصية ويلحظ حب الذات من غير اكتراث لحق الآخرين بل
قد تصل الحالة فيه إلى التضييق في معيشة عائلته وأطفاله يلبسهم الثياب المرقعة
والطعام الخشن ويمشي المسافات الشاسعة لأجل أن لا يخرج الدرهم من كيسه ويجلس في
الأماكن المحقرة من غير رعاية شخصيته وعنوانه ويجعل نفسه ذليلاً تجاه التوفير
وزيادة في المربح .
بينما النظام القرآني يريد للإنسان الاعتدال في سلوكه وأفعاله وأقواله
بعيدا عن الافراط والتفريط يسير في خط الاعتدال والوسطية في السلوك والاتجاه . بهذا
جاء النظام الاخلاقي إلى تعديل الصفات أنظر إلى حالة تصوير الغني في الظاهرة
القرآنية التي استعرضها سبحانه عن دور المسرف حيث يكون ملوما محسورا حيث يصيبه وخز
الضمير والعذاب النفسي فإنه يسايره في جميع حركاته ولكن المعذب الخارجي قد يفارقه
بخلاف المعذب الداخلي فإنه يقترن معه وقد يلحقه إلى الفناء المعبر عنه بالنفس
اللوامة وقد تعرض إليها القرآن وذكرناها في كتابنا علم النفس الضمير وحالاته.
قانون المؤجر والمستأجر
من الاحكام المقررة في المجتمعات قانون المؤجر والمستأجر وأشار النظام
القرآني إلى صيانة حقوق المؤجر والمستأجر من غير تقديم شخص على شخص وإنما أراد لهما
الأمن والاستقرار والحفاظ على حق كل واحد منهما .ونعرف الاجارة بأنها العقد على
تملك المنفهة المعلومة بعوض معلوم أو تمليك عمل أو منفعة بعوض أو عند ثمرته نقل
المنفعة لأن التقييد بالمنفعة لأخراج الأعيان فإنها تتوجه إلى ناحية البيع لتعلقه
بالأعيان دون المنافع وقد تصدق كلمة الاستيجار على الأعيان إلا أن العرف يسير على
منهجية الأعيان دون المنافع والاجارة تواكب منهجية المنافع ونحن نسير في سلوك العرف
وتباني العقلاء ومراجعة الموارد التي ترشدنا إلى التحديد في طرف المنافع دون
الأعيان إلا أن التمليك وقع على المنفعة دون العين وقال سبحانه : «فإن أرضعن لكم
فآتوهن أجورهن » وقال «لو شئت لأتخذت عليه أجرا » وتختلف الأجارة عن الجعالة بأن
الاجارة لا بد فيها من تعيين المنفعة بخلاف الجعالة مع عدم تعيين الشخص فيها أيضا .
وتعتبر الأجارة من طرفين المؤجر والمستأجر مع إجراء صيغة خاصة كلفظ أجرتك وأكريتك
أو ملكتك المنفعة إذا اريد بها قولاً وتنفسخ الأجارة بالتقابل كما يصح انفساخ البيع
بالتقابل أيضا كما أن الاجارة لها صلاحية الاستمرار وإن المؤجر أو المستأجر لأن
موضوعية الشخص لا ترتبط بالعقد إلا إذا كانت العين موقوفة على المؤجر فبالموت ينتقل
الحق إلى الآخرين أو اشترط المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه فتبطل الأجارة بموته
لأدلة : المؤمنون عند شروطهم .
أما إذا كانت العين مشاعة للآخرين فتتم الاجارة عند قبول الجميع كما أنها
تقع بالمعاطاة ولا تختص بصيغة خاصة وأشار القرآن إلى نقاط يمكن الاستدلال بها على
أثر الأجارة في المنفعة دون العين كما في قوله تعالى : «فما استمعتم به منهم فآتوهن
أجورهن» (24 ـ 25 النساء) وإتيان الأجور بعد التسليم لا بمجرد العقد والالتزام
الإيجاري وإن صح التملك بمجرد العقد .
وقوله سبحانه : «يا أبت استأجره » القصص 26 . وطلب الإجارة في حال
الاختيار صحيح وفي المكره باطل وفي المضطر صحيح كما إذا اضطره القاهر إلى مال ولم
يكن لديه مال فأضطر إلى إجارة داره وقد جاءت هذه الآيات إلى الالتزام بمقررات
الإجارة وأن الإجارة يقصد بها المنفعة المترتبة على العين الخارجية وجاء في عرض آخر
لنظام الإجارة قوله تعالى : «أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين » القصص 27 أن الإجارة
في الطرح القرآني وقعت مقابل البضع .
الظاهرة القرآنية أن المرسلة طلبت من أبيها أن يستأجر موسى لرعي الغنم
ووصفته بالأمانه وعلو النفس فقال الأب شعيب لموسى أريد أن انكحك إحدى ابنتي هاتين
على أن تكون أجيرا لي بثمان سنين والعشر تفضل منك فأجاب موسى بالقبول وأتمها له
وذكر أنه دخل بها قبل العشرة لعلمة بالبقاء حتى يفي شعيب بالشرط وأن نظر الآية إلى
عقد الأجارة للرعي دون النظر إلى جعل الإجارة بدلاً عن البضع .
إلا أن الملاحظة يمكن عرضها بأن عوض الإجارة لم يخرج عن كونه بدلاً للبضع
بينما المنفعة عائدة للأب دون الزوجة وإن صحة وقوع المهر منفعة فكيف يمكن تصوير
الظاهرة القرآنية عندئذ .
فيحتمل في الآية ملاحظات :
1 ـ أن الشريعة خاصة ولا تسري إلى شرعنا الإسلامي .
2 ـ إجراء الإجارة على رعي الغنم وعوضها البضع .
3 ـ كان الامتلاك للمهر عن طريق الولاية العامة للأنبياء .
4 ـ إجراء عقد النكاح فضولاً لعدم تركيزه على المهر كما في البيع .
نظام القروض وأثرها
الدّين هو الاقتراض من المدين لأمد محدد وذكر عيون الأخبار القرض عقد
يسلّم بموجبه المقرض مالاً إلى المقترض ليعيد إليه مثله وبذلك لا يكون إلا في
المثليات كالنقود والحبوب والزيوت وما أشبه ذلك وكان الجاهليون يقرضون المال بطريق
البيع فبيع الرجل السلعة إلى المشتري ويشترط عليه رد ضعفها في مدة معلومة وتكون
الزيادة ربا ومنع الإسلام في القرض تقاضي أي زيادة أو منفعة غير الأجر والشكر) 114
(وحمل النظام القرآني حدودا معينة في ابتداء القرض حتى يقطع الخصومات أو التشاجر
الّذي يحتمل وقوعه عند عدم الوفاء فحكم بكتابة وثقة موقعة بين الدائن والمدين حتى
تصبح مستمسكا في إثبات دعواه عند مورد الأفكار أو فقدان أحدهما أو الانتقال إلى
الوراثة .
وهذا الحكم سار في جميع العقود الالتزامية كما جاء في أنظمة القرآن بقوله
سبحانه «يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم
كاتب بالعدل ولايأب كاتب أن يكتب كما علمه اللّه فليكتب وليملل الّذي عليه الحق
وليتق اللّه ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الّذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا
يستطيع أن يملّ هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا
رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكّر إحداهما الأخرى
ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم
أقسط عند اللّه وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها
بينكم فليس عليكم جناح الا تكتبوها واشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وان
تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا اللّه ويعلمكم اللّه واللّه بكل شيء عليم »البقرة
282 .
لابد أن نقدم محتويات هذه الآية وما تقصدة من الأحكام القرضية فإنها تعلن
بصوتها القانوني إذا استدان بعضكم من بعض أو تعاملتم بمعاملة بان يقع أحد العوضين
مؤجلاً الّذي مقتضاه السلم وهو أن يبيع كليا مؤجلاً بثمن حالي بالفعل فيكون المشتري
مسلما بالكسر والبائع مسلم إليه ويعبر عنه بالسلف الّذي مضمونه عكس النسيئة فإن
اشترط المشتري تأجيل الثمن فلابد من كتابة وثيقة لرعاية الحقوق ولاطمئنان النفوس
والحفاظ على المالية في المستقبل حتى لا يتعدى كل شخص على صاحبه .
ولذا قال سبحانه : وليكتب بينكم كاتب بالعدل حتى لا يقع الحيف بين
الطرفين زيادة أو نقيصة ولا يمتنع الكاتب من الكتابة فإنه دستور إلهي لا يجوز
التخلف عنه ويمضي طبقا لما علمه اللّه أن يكتب من حيث العدالة والإنصاف فليكتب
وليملل الّذي عليه الحق وهو المديون وليتق اللّه ربه حين الإملاء ولا ينقص من الحق
شيئا بما طلب منه من الإملاء وأداء الامانة .
أما الّذي عليه الحق إن كان سفيها ناقص العقل والتدبير أو ضعيف المعرفة
والعلم بشؤون الحياة من الوجهة الاقتصادية والاجتماعية أو النفسية أو لا يستطيع أن
يمل هو لعدم قدرته على البيان والتدوين أو لا يستطيع لاشتغاله بأعمال أخرى يراها
أهم من الحضور في المجلس . فليجعل نائبا عنه حتى لا يضيع حقه وليكن النائب في كتابه
الوثيقة منصفا وعادلاً للمكتوب له أو عليه محافظا على الأمانة وحق الأداء .
وعند انتهاء الكتابة لابد أن يوقع على تلك الوثيقة من قبل الشهود العدول
لأنه قد يكون أحد الشهود ناسيا في مرور الزمن فيذكر الشاهد الآخر .
ولا يمتنع الشهود في إدلاء الشهادة إذا ما دعوا اليها ، ولا مورد للتضجر
والسأم في الكتابة سواء كان الأمر في حق الصغير أم الكبير إلى أجل مسمى ذلك أعدل
وأقسط عند اللّه وأثبت للشهادة عند مورد القضاء .
أما إذا كانت التجارة حاضرة قد جرى عليها التعاطي والاستعمال فالكتابة
أولى والامر للإرشاد إلى حكم العقل بعدم الوقوع في المشاجرة وضياع الحق أو الدين
فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ، ولكن إذا تبايعتم فالأفضل أن تحضروا الشهداء في مجلس
التعامل حتى لاتوجد المنازعة في المستقبل كل ذلك حفاظا على الوحدة الاجتماعية وجعل
العلاقة والارتباط بين الدائن والمدين والبائع والمشتري والراهن والمرتهن .
ثم وجه خطابه إلى للكتاب أن لا يحرفوا الكتابة ويغيروا ما رسم لهم من
إطار معين ويتجهوا إلى طريق غير مستقيم .
وكذا بالنظر إلى الشهود أيضا لابد أن يدلوا بالشهادة على واقعيتها المرتسمة
المطابقة للمشهود به بألفاظ صريحة مطابقة للواقع الّذي شاهده بالعيان كما جاء عن
رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على مثل هذا فاشهد وكان نظر الشاهد إلى الشمس بأن
لا يخالف المشهود به ولذا قال سبحانه فإن تفعلوا المضارة فإنه فسوق وخروج عن
الانقياد والطاعة التي أمر بها سبحانه أو نهى عنها حيث قد أظهر للمجتمع الطريق
القويم والصراط المستقيم والاعتدال في سلوكهم وبالمخالفة والتمسك بالجادة غير
المرسومة عمل مخالف للعدالة الإنسانية لأن هذه الأحكام والنظم التي أشرقت علينا من
سماء القرآن قد أصبحت أعرافا فيما بين المجتمعات المسلمة والقرآن قد جرى على وفق
الأعراف العامة التي يتبانى عليها العقلاء في شؤونهم التجارية وسارت عليها جميع
الدول في تدوين المعاملات والقروض في سجلات محكمة وعهود ومواثيق رصينة كل دولة تدلي
بمستمسكها أمام المحكمة عند المنازعة لم تهمل المعاملة أو الدين ولو بفلس واحد فلو
جاءت المعاملة أو القرض بمشاهدة تلفزيونية لم تعط النظر الكاملة بما استقرت عليه
الاعراف في الكتابة لأن المشاهدات البصرية قابلة للخطأ للباصرة بخلاف الكتابة فإنها
تعطي نوعية خاصة في جانب الوثوق والاطمئنان .
وقد كشف القرآن ستارا آخر عندما يقع الإنسان في شبكة الاحتياج وأخذ
القروض من قبل المدين كان في صورة عدم وجود الكاتب فعلى المقترض أن يسلم عينا
للمقترض منه قبال ذلك الدين الّذي أخذه لكي يكون في مأمن واطمئنان على ماله وعند
التلف أو عدم القدرة على التسديد يكون للمرتهن بالفتح عوضا عن ذلك الحق.
نظام الرهن
أشار النظام القرآني إلى ناحية الرهن بقوله تعالى : «وإن كنتم على سفر
ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الّذي أوتمن أمانته وليتق
اللّه ربه ولاتكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه » البقرة 283 .
إن الظاهرة القرآنية في حكم الرهن هي أخذ عين أو منفعة كالجلوس في الدار
بناء على قبال النقد الّذي أخذه الدائن منه حتى تكون وثيقة يمكنه إثبات دعواه عند
إنكاره أو عند ذهاب ما اقترض منه .
فأثبت القرآن وجود الرهان بين الراهن والمرتهن حتى إذا اصبح الراهن من
وفاء الدين يجوز للمرتهن بيع ما عنده ويكون تحت سلطانه يتصرف فيه مقابل دينه وإن
حصل زيادة على دينه يرجعه إلى الراهن .
وجميع هذه الأحكام عند عرضها أمام العقل يجدها مطابقة لجوهر العقل
والفطرة السليمة .
نظام الزراعة
ورد في العروة الوثقى للفقيه اليزدي ) 115 (في خبر الواسطي ما شيء أحب
إلى اللّه من الزراعة وما بعث اللّه نبيا إلا زارعا إلا أدريس عليهالسلام فإنه
كان خياطا وقد وردت الآيات القرآنية على حكم الزراعة كما في قوله تعالى : «ترزعون
سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون » 47 ـ 12 يوسف
وظاهرها إعطاء القانون لجهة الأدخار وبيان جهة الصرف والاستهلاك وورد في قوله تعالى
: «ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون » 64 الواقعة 56 ويعطي مفاد هذه الآية أن القدرة
الواقعية هي لله سبحانه فالإنبات والناتج كله من الدعم الإلهي وليس للإنسان أي قدرة
على ذلك إنما هو أداة معدة لا أداة فاعلة حقيقية وإنما العلة الحقيقية هو اللّه
سبحانه .
فقد حرص الدين الإسلامي على الزراعة وإحياء الأرض وورد في الخبر العامي
ما من مؤمن يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو نعجة إلا كان له به صدقة ومن
ذلك قوله صلىاللهعليهوآله من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها
وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤجره إياها .
وتقوم المصلحة الاقتصادية على المجتمع والدولة والفرد .
وتقوم الجباية في جمع المحاصيل الزراعية من القمح والشعير على اختلاف
الأراضي وموقعيتها الجغرافية من حيث حصول الأمطار والري أو العيون فكانت مثلاً شمال
العراق معتمدة على مياه الأمطار أما منطقة حران في الجزيرة الفراتية فحفر أهلوها
بمعونة الدولة بعض الآبار الاصطناعية لإرواء مزارعهم وأما منطقة الخابور فأفادت
الكثير مما جرى على أرضها من العيون .
وقد اهتمت الدولة الأموية في خلافة هشام بن عبد الملك (105 ـ 125) بالخراج
وإحصاء وارداتها بدقة بالغة ففي مصر مثلاً قام عبد اللّه بن الحجاج بتقدير ما
يركبه النيل من عامر وغامر لمساحة الأراضي وتحديد وظائفها وإذا بهذه الأراضي تضرب
بعد مساحتها رقما قياسيا أقرب إلى الخيال إذ بلغت مئة ألف ألف فدان ومن المعلوم أن
الفدان أقل من نصف هكتار يساوي 10 الآف متر مربع وفي العراق وجّه الوالي خالد بن
عبد اللّه القسري (105 ـ 120) جل عنايته إلى الزراعة فحفر الأنهار وأقام القناطر
وأصلح الجسور فهو الّذي أقام قنطرة الكوفة وقد كان عمر بن هبيرة أنشأها أولاً وهو
الّذي حفر نهر الجامع وأقام قنطرة دحلة بعد أن استأذن هشام بن عبد الملك وانشأ
السدود لمنع مياه دجلة من الفيضان وبلغت غلال الأراضي الزراعية في العراق على عهد
خالد هذا عشرين ألفا على إحدى الروايات .
وظهرت بعض السمات الاقتصادية بعض الأراضي لبعض الأشخاص بعد أن كانت ملكا
للدولة وظهرت الأيغار ويراد بها كما جاء في القاموس أنظر مادة وغر أن يوغر الملك
الرجل الأراضي فيجعلها له من غير خراج أو هو أن يؤدي الخراج إلى السلطان الأكبر
إقرار من العمال .
وظهر أيضا الإلجاد راجع القاموس مادة لجأ وهو أن الرجل يسجل أرضه باسم
أمير قوي لحمايته فيلجأ إليه ويصبح القوي هو الّذي يدفع الخراج كما صارت المراغة
ملكا
لمروان بن محمد لأن أهلها الجؤوها إليه وكتبوها باسمه .
ومن الظواهر الاقتصادي التقبل أو القبالة وهو عبارة عن الكفالة أو الضمان
وذلك عندما يأخذ الرجل لنفسه قبيلاً أي كفيلاً يحصّل باسمه الخراج ويأخذه لنفسه
لقاء أجر معلوم يدفعه إليه وذكر الماوردي فأما تضمين العمال لأموال العشر والخراج
فباطل لا يتعلق به في الشرع حكم (أحكام الماوردي ص 168) وقال ابو يوسف في هذا
الصدد ورأيت ألا تقبل شيئا من السواد ولا غير السواد من البلاد فإن المتقبل إذا كان
في قبالته عن الخراج عسف أهل الخراج وحمل عليهم ما لا يجب عليهم وضمنهم وفي ذلك
وأمثاله خراب البلاد وهلاك الرعية والمتقبل لايبالي بهلاكهم بصلاح أمره في قبالته .
وأشار الفقية اليزدي في عروته إلى شروط المزارعة :
1 ـ الإيجاب والقبول .
2 ـ البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لسفه أو إفلاس ومالكية التصرف
في كل من المالك والزارع .
3 ـ أن يكون النماء مشتركا بينهما ولو جعل الكل لأحدهما لم يصح الزراعة.
4 ـ أن يكون مشاعا بينهما فلو شرطا اختصاص أحدهما بنوع كالذي حصل أولاً
والآخر بنوع آخر أو شرطا أن يكون ما حصل من هذه القطعة من الأرض لأحدهما وما حصل من
القطعة الأخرى للآخر لم يصح .
5 ـ تعيين الحصة بمثل النصف أو الثلث أو الربع أو نحو ذلك .
6 ـ تعيين المدة بالأشهر والسنين فلو أطلق بطل .
7 ـ أن تكون الأرض قابلة للزرع ولو بالعلاج فلو كانت سبخة لا يمكن
الانتفاع بها أو كان يستولي عليها الماء قبل أوان ادراك الحاصل أو نحو ذلك أو لم
يكن هناك ماء للزراعة ولم يمكن تحصيله ولو بمثل حفر البئر أو نحو ذلك ولم يمكن
الاكتفاء بالغيث
بطل
.
8 ـ تعيين المزروع من الحنطة والشعير وغيرهما مع اختلاف الأغراض فيه فمع
عدمه يبطل .
9 ـ تعيين الأرض ومقدارها فلو لم يعينها بأنها هذه القطعة أو تلك القطعة
أو من هذه المزرعة أو تلك أو لم يعين مقدارها بطل مع اختلافها .
10 ـ تعيين كوز البذر على أي منهما وكذا سائر المصارف واللوازم إذا لم
يكن هناك انصراف مغن عنه ولو بسبب التعارف .
الرحلة إلى المعرفة : (الحج)
الطبيعة البشرية لما كانت منطوية على الارتباط والعلاقة بين الأفراد وأنه
اجتماعي بالطبع يحب النظام والمشاركة في أعماله وأقواله مع غيره فكانت إحدى
الموجبات التي أجرى التجارب عليها الأسفار النائية التي قد تسبب له الخبرة والاطلاع
في كسب المعرفة وطرق الثقافة والتعرف إلى الأصدقاء الأخلاء والأمور الاقتصادية
وكيفة السلوك الفردي والاجتماعي والحصول على الأدب والتثقيف النفسي ، وفي ضمنها
الاتصال مع ساحة غفران اللّه ورضوانه والارتباط الوثيق في التقرب إليه ويقع ذلك
الاتصال المفعم روحانية وإيمانا في السفر إلى بيت اللّه الّذي أمر القرآن أن يؤديه
المسلم في العمر مرة واحدة إطاعة لله وتقربا إليه وقال سبحانه : «من استطاع إليه
سبيلا » (97 آل عمران) . أراد للإنسان أن يقدم بيت اللّه بشرط الاستطاعة .
وإذا تمت شروط الاستطاعة العرفية دون الشرعية والعقلية يسافر إلى أرض
النور والرحمة وأرض الإيمان والمغفرة يجب على كل مستطيع أداء أداء تلك المراسم
المقررة لأنها أعمال هادفة إلى المصلحة العامة التي ترتسم بالمجتمع المسلم كافة
فالمضي إلى الكعبة رمز التوحيد ورفع للشرك والوثنية والإخلاص في العمل والطاعة
ودعوة إلى توحيد المجتمعات نحو خط واحد وقد أشار القرآن إلى الفوائد المترتبة
عليهذا السفر بقوله : «ليشهدوا منافع لهم » الحج ـ 28 .
والكعبة قام ببنائها رافع مشعل التوحيد والإيمان وما ذاك إلا سيدنا
إبراهيم عليهالسلامقد
هاجر من الشام التي كانت موئلاً لعبادة الأصنام واصطحب زوجته المؤمنة الوديعة هاجر
مع ولده اسماعيل وأقبل نحو الحجاز تلفه أعاصير الرمال المتأججة وقد حط رحله في واد
غير ذي زرع كما حدثنا القرآن عن حياته قال سبحانه : «ربنا أني اسكنت من ذريتي بواد
غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم
وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون » إبراهيم 37 .
استجاب اللّه لذلك القلب الفاني تجاه تلك الذات القدسية ولم يقل أفئدة
الناس تنادي بالقلبية وكانت الاستجابة موافقة لمؤدى الدعاء ولم يقل أفئدة الناس
وإنما طلب التبعيض فاستجاب له المسلمون لندائه الصارخ إيمانا إلا أن الطلب من
اللّه عام لجميع البشرية قال سبحانه «وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل
ضامر يأتين من كل فج عميق » الحج 27 .
وأمر اللّه إبراهيم أن يرفع القواعد والأسس من البيت وإسماعيل يساعده في
تشييد البناء وجعل عمله خالصا لوجهه الكريم فقال «ربنا تقبل منا إنك انت السميع
العليم » البقرة 127 .
ولم أتم البناء أمر اللّه نبيه مع ولده إسماعيل أن يجعلا هذا البناء
مصلى ومحلاً للتقرب لله سبحانه وجعل إبراهيم موضعا خاصا للعبادة كما ذكره القرآن
«أن أول بيت وضع للناس الّذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام
إبراهيم ومن دخله كان آمنا » (آل عمران 96 ـ 97 .
جعل البقعة أمنا للرواد وسورا حصينا عن الاعتداء وموضعا مباركا للغفران.
حكم القرآن لم يكن لطائفة أو مجتمع وإنما هو عام لكافة البشرية من غير
استثناء وخطاباته بنحو القضية الحقيقية دون القضية الشخصية .
وإن هذه الطقوس التي يحتفل بها المجتمع المسلم في العمر مرة واحدة لم تكن
من المبتكرات الإسلامية فحسب بل إن الأمم القديمة عندما يجتمعون للعبادة حصلوا
موضعا معينا إلا أن المحل المرتسم فيه العبادة تختلف بلحاظ الكيفيات والاوقات
الظروف ولذا قال سبحانه : «ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم اللّه على مارزقهم من
بهيمة الأنعام » الحج 34 . وقال سبحانه : «لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه » الحج 67
.
ومن عرض هاتين الآيتين تطلع إلى وجود شريعة مسبقة قبل الإسلام ووجود محل
للعبادة إلا أن الإسلام يختلف عن تلك المراسم وبيان كيفية العرض والتصوير الجميل
الّذي لم تحتفل به سائر المجتمعات الأخرى حيث تنطلق من حناجر الملايين الدعوة إلى
الحق .
وأمر اللّه نبيه إبراهيم أن يجعل هذه الأرض المقدسة موئلاً للموحدين وأن
يظهر بيته من عبدة الأوثان وأن يجعلها متمحضة وخالصة للطائفين والركع السجود كما
عليه الحكم القرآني «وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي
للطائفين والقائمين والركع السجود » الحج 27 .
الظاهرة القرآنية في هذه الآية أن الحكم منوط للموحدين والطائفين وأعطاهم
صفة خاصة في كيفية الطاعة بأن تقع على صورة الركوع والسجود لأن فيهما كمال الخضوع
والتذلل وأشار إلى ناحية الحكم أنه وقع بنحو القضية الحقيقية شاملاً للموجودين
والمعدومين بذلك النداء الصارخ عبر القارات وصعد جبل أبي قبيس كما روى يستصرخ
المجتمع البشري بالمثول إلى هذه البقعة المشرقة بالإيمان والبركة ، فاستجاب له خلق
كثير «من كل فج عميق » الحج 21 .
هذه الرحلة الروحية والسفر الممتع تحتوي على المتعارف الكثيرة أو القليلة
كل بحسب استعداده وقابليته ولذا قال سبحانه : «ليشهدوا منافع لهم » والمنافع لسير
الإنسان إلى حياة افضل أعطتنا تعاليم القرآن سلكا ضوئيا عن كل رحلة يريدها الإنسان
وأن يكون السفر مدرسة سيارة تكشف لنا صفحات المجتمع .
1 ـ السفر إلى المبدأ والعروج إليه وبما في هذا السفر من متعة وأنس حيث
تتجلى له مظاهر الحقيقة والارتباط بالمبدأ الأعلى قد نثر ما عليه من غل وصار في
العالم المثل
وصفاء النفس في تلك الأجواء المقدسة في فضاء المعرفة وفي الرقي إلى النبل والكرامة
.
2 ـ السفر إلى تطلع المجتمعات والانتباه إلى الظواهر الأجتماعية
والأخلاقية أو لزيادة المعرفة في العلم والأدب وكيفية سير الاقتصاد الأجتماعي
والفردي .
بهذه الرحلة السعيدة بحسن الحديث والمصاحبة الجميلة وأخذ الناس باللطف
ولين الخطاب قد تعرى عن كافة النزعات والعصبيات القومية والدينية وجعل في نفسه
الشعور الكامل فقال تعالى : «الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق
ولا جدال في الحج » البقرة 197 .
هكذا نجد منهج القرآن قد درب أمته في السلوك الخلقي حتى يصبحوا قدوة
للآخرين وموعظة للمتدبرين وموئلاً للعارفين وعزيمة للمتمسكين وأمنا للطائعين.
المراسم المقررة
بهذا الأسلوب القرآني الجميل والظاهرة الناصحة يعطينا ضوءا عن بيان كيفية
المراسم وتلك الطقوس المشربة جمالاً ورونقا فأوضح في سورة البقرة قوله تعالى «الحج
أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من
خير يعلمه اللّه وتزودوا فأن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب »البقرة 197
.
جعل القرآن حكما إلزاميا لمن أراد الحج وأداء الوظيفة بأن يعقد الإحرام
في إحدى ساحات المواقيت للاستعداد والتهيؤ في رياض الرحمة وساحة الغفران قد تجرد عن
عالم التلذذ والدخول في الماديات بل يجعل نفسه في عالم المثل العليا قد حرم عليه
الرفث ومقاربة النساء لأنه غاية في البعد عن التلذذ والتعري عن كل زينة لأجل الوصول
إلى الروحانيات ويشعر من نفسه وجود عالم أفضل وأن هذه الماديات جعلت في خدمة المثل
وليس لها موضوعية أمامه .
وأطلعنا إلى ناحية قيمة بأن القائم بالرحلة لابد أن يخضع نفسه إلى قاهرية
العقل وسلطانه وأن تنصهر النفس إلى مسيرة الحكم وأن كل شعلة عصبية لابد أن تدخل في
إطار الحكم كما أمر سبحانه ولا فسوق في الحج إن هذا الحكم ترويض للنفس في كل ميادين
الحياة وليس الأمر منحصرا في زمن الحج وإنما هو منطلق للخلق والسمو والكمال في جميع
الأدوار والحالات والحكم مطلوب في جميع الأزمنة .
وفسرت السنة الفسق والجدال ، ويراد بالفسق الكذب والسباب فإنه منهي عنه
وغير مرغوب فيه سواء كان في ساحة الرحمة أم كان في مجتمعه الصغير أو الكبير لأنها
حالات تبعده عن الشرف وصفاء الضمير .
وكلمة الجدال قول لا واللّه وبلا واللّه .
وقال سبحانه : «تزودوا فإن خير الزاد التقوى » البقرة 197 .
وذكر أن سبب نزول هذه الآية الإشارة إلى مجتمع اليمن حيث كانوا في
أسفارهم لا يتزودون ويقولون نحن متوكلون ولسنا بمتزودين من الطعام والشراب فخصهم
بالخطاب حتى لا يكونوا إتكاليين وإنما الأمور بأسبابها وقال وأتقون يا أولي الألباب
.
وأثبت سبحانه في تشريعه أن على القادم إلى ساحة النور والبركة أن يطوف
بالبيت العتيق سبعة أشواط وأن يصلي في المقام ركعتين وبعدهما يتجه إلى الصفا
والمروة كما ذكره اللّه في كتابه العزيز «إن الصفا والمروة من شعائر اللّه فمن حج
البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن اللّه شاكر عليم »
البقرة 158 .
وأما التقصير بعد السعي يستفاد من السنة .
وقد أصدر حكم الوقوف بعرفة والمشعر ويراد به الوقوف الكلي الكنائي لا
الوقوف الحقيقي على المكلف وقال تعالى : «فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا اللّه عند
المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين » .
ويعرف التحديد الوقتي عن طريق السنة بالنظر إلى عرفات من الزوال إلى
الغروب يجب عليهم أن يفيضوا من عرفات إلى المشعر ، ودلت هذه الآية عل حالة القرشيين
حيث كانوا يقفون منفردين عن المجتمع للترفع عنهم فقال تعالى : «أفيضو من حيث أفاض
الناس واستغفروا اللّه أن اللّه غفور رحيم » البقرة 199 . فنهاهم اللّه عن هذا
الترفع والكبر الّذي منشأه عدم المعرفة وإنما ينبغي أن يكون الناس كتلة مترابطة
بعضها مع بعض وبعد انتهاء المناسك والمراسم الخاصة قال سبحانه : «فليذكروا
اللّه»البقرة 220 فإنه أولى بالنعم كما تذكرون آباءكم بل ذكر اللّه بالمدح
والثناء والشكر له قولاً وعملاً أشد من ذكر
الآباء لأنه الموجد الحقيقي وإنما الأب محقق لمرحلة الاستعداد والقوة وإلا
فالفاعلية والتأثير من قبله سبحانه .
وأعطاه نظرة أخرى عن الأعمال التي يصدرها الحاج في أيام التشريع وهو
اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر بأن يرمي الجمار الثلاث وينحر يوم
العاشر.
من أراد الخروج في ثاني أيام التشريق بعد الزوال فلا إثم عليه ولو نظرت
إلى تلك المسرحية الجميلة والمظاهرة الهادئة تقوم بها مجموعه احتشدت ضد الشرك وضد
الإلحاد وضد الاستبداد كلها تهدف إلى خط معين قد مثل لها تجسيد الشر الّذي يرمز إلى
عداء الخير فتقوم تلك الفئة المسلمة برمي ذلك العدو الرمزي حتى تصبح الأرض محلاً
للسعداء وأهل الخير والصلاح .
وأشار من جملة أحكامه القرآنية إلى الحلق وأنه يجريه في اليوم العاشر أما
المريض أو من كان في رأسه أذى فعليه الفدية وتتحقق الفدية أما بصيام ثلاثة أيام
فسبعة عند الرجوع أو يتصدق للمساكين بمقدار عشرة مساكين أو نسك وهو ذبح شاة كما دلت
الآية الكريمة بقوله : «وأتموا الحج والعمرة فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا
تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من
صيام أو صدقة أو نسك فإذا آمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن
لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة لمن لم يكن أهله
حاضري المسجد الحرام واتقوا اللّه وأعلموا أن اللّه شديد العقاب » البقرة 196 .
وقد تناول القرآن الكريم الهدي رمزا للفداء والتضحية وفيه إعانة للفقراء
والمساكين يقسمه أثلاثا ثلث للحاج وثلث للفقراء وثلث للمساكين وليس فيه تضييع مالي
كما يتصوره النقادون المغرضون وإنما هو حكم المساواة بين الغني والفقير في المأكل .
وأوضح المنهج القرآني أنه في صرة الإحصار وهو عدم قدرته على الوصول من
مرض ونحوه يرسل هديه إلى م |