نظرة الإسلام للمرأة

          مثل هذه الأحكام القرآنية قد انتشلت المراة من القهر والاستعباد ، ولذا يقول الرسول  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : المرأة ريحانة لا قهرمانة .

          ولو قلبت صحيفة الاجيال السابقة لرأيت المرأة كيف كانت تعاني من سحق كرامتها ، وصيرورتها كالسلعة تباع وتشتري بيد السماسرة ولنراجع حياتها في العصور القديمة حيث كان يطلق عليها (رجسا من عمل الشيطان) .

          وجاء في شرائع الهند (إن الوباء والموت والجحيم وسم الأفاعي والنار خير من المرأة) .

          وفي رومية قرر مجتمع كثير من كبار فلاسفتهم بأن المرأة كائن لا نفس له وأنها ترث الحياة الأخروية لهذه العلة وأنها رجس يجب أن لا تأكل اللحم وأن لا تضحك بل ولا أن تتكلم وعليها أن تقضي معظم أوقاتها في العبادة والخدمة وجعلوا على فمها قفلاً حتى لا تتكلم .

          وفي انكلترا صدر مرسوم من قبل الملك هنري الثامن بتحريم مطالعة الكتاب المقدس على النساء وفي قانون انكلترا لسنة / 1850 / كنّ في ذلك التاريخ غير معدودات من المواطنين وتعتبر في اوربا انها من الحيوان الأعجم .

 

         بينما القرآن قد حررها من هذه القيوم والعبودية الصارمة وبعدما كان حظها العسر والاستعباد والقتل والوأد في الزمن الجاهلي جعل لها حرية الاشتراك في جميع أعمال الرجل إلا أنه ألزمها بالستر والعفاف وذلك لمصلحتها وحفظ كيانها الاجتماعي كما دلنا القرآن بقوله تعالى :

          «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون اللّه‏ ورسوله أولئك سيرحمهم اللّه‏ » (التوبة 71 ).

          وهذا نمط عن التعبير في الشركة والتقييم بين الزوجين وأنهما في صراط واحد من غير تفاوت بينهما هكذا اراد حكم القرآن لحياة المرأة أن تنطلق من قفص الصائد إلى الفضاء تكون مغردة بأناشيد الحرية يجب للمرأة أن تعلن لواء المدح والثناء للقرآن وللنظم الاسلامية لما رفع عنها أسوار الاستبداد وجعلها في ركب المجتمع تزف بأكليل الزهور تسير من غير ذعر ولا خوف قد شهرت سيف الفتك لأعدائها لما تسمع صوت النصر يطرق مسامعها بما أحسن لها الصنيع وانتشلها من القهر إلى عز السلطة حتى أن الرجل إذا قاربها لم يسمح به أن يأمرها بأحضار الماء للغسل وإنما لها الحق بأن يحضر الماء له كما جعل لها حق اجرة اللبن من زوجها وألزمه أن يهيء لها من يخدمها إذا كانت من اللواتي يستخدمن في بيوت آبائهن وجعل لها الحق المالي في الصداق والمواريث كما في قوله تعالى : «وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا » (النساء 20) وقوله تعالى : «النساء صدقاتهن نحلة» (النساء 3 ).

          وقد وصى القرآن الإنسان بوالديه وحضه على تكريم أمه فقال سبحانه : «ووصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن أشكر لي ولوالديك إليّ المصير » (لقمان 14 ).

          وأما قوله سبحانه : «الرجال قوامون على النساء » (النساء 34) لا يقصد به الهيمنة والغلبة والسلطة بل يقصد القدرة والرعاية والإدارة في شؤونها الحياتية .

          وأجاز النظام القرآني تعدد النساء لحل مشكلة اجتماعية كما في قوله تعالى : «فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» (3 م النساء 4).

 

          وظاهر الآية الحكم بجواز تعدد الزوجات لما يعلم اللّه‏ سبحانه من سرعة نمو البنت وبط‏ء نمو الولد الذكر وكثرة نسل الأناث وقلة نسل الذكور بما فيه من حلول اجتماعية أخرى .

          وذهب مورمن إلى تعدد الزوجات وزعم أنه يبشر بدين جديد فاعتنق دينه مئات الألوف .

         وإذا جئنا إلى علماء النفس حول تحليل نفسية المرأة والفوارق الواضحة بين الرجل والمرأة فسيولوجية وسيكولوجية إذ يقول أوتوكلينبرغ ترجمة حافظ الجمالي أستاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة دمشق في كتابه علم النفس الاجتماعي  تحت عنوان دراسات كمية ، أن بين الرجال والنساء في مجتمعنا نفسه وكذلك على الأرجح في أغلب الجماعات الأخرى بعض الفروق الجسمية غير تلك التي تتصل بالخصائص الجنسية الأولية والثانوية فالرجال أعظم طولاً وأكثر وزنا من النساء أن الرجل الإنكليزي مثلاً يقيس 169/ سنتمترا والمرأة الإنكليزية تقيس 157 تقريبا ووزن الرجل هو في المتوسط أعظم من الوزن المتوسط للنساء بمعدل 20% على الرغم من أن النساء أشد سمنا نسبيا ويذكر دونلاب  Dunlap ملاحظة ترى أن أجسام النساء تحترق بسهولة أكبر في محارق الموتى ثم إن وزن دماغ المرأة المطلق والنسبي أصغر من وزن دماغ الرجل بالرغم من أن التراكب كبير بينهما ، وهذا التراكب صفة عامة لكل المقاييس المذكورة أما فعالية الاستقلاب عند النساء فأقدر منها عند الرجال بقليل والفتيات يبلغن سن النضج بسرعة أكبر الصبيان ، وبالتالي فإنهن قد يسبقن الصبيان من ذات العمر في القامة والوزن حتى المراهقة وقرينة الوفيات عند الرجال أعلى منها عند النساء وهذا صحيح حتى فيما يتعلق بالدور السابق للولادة ويلاحظ الفرق بين أجالهم المرتقبة في كل الأعمار ويستطرد في عرض الفوارق بينهما ويقول أيضا ودلت الأقيسة المباشرة على وجود فروق في عدد من

النقاط فمنذ الطفولة الصغرى مثلاً ترى البنات متفوقات على الصبيان في نمو الكلام وذلك فيما يتصل بالعمر الّذي يبدأ فيه الكلام وسعة المفردات وبنية الجمل وعدد الأصوات المستخدمة الخ .

          ويقول من المفيد فيما يتعلق بالقابليات العقلية أن نشير إلى أن التأتأة أكثر وقوعا عند الصبيان منها عند البنات وتتغير النسبة بين 21  و 101 ولا يعرف السبب في هذا الفرق معرفة دقيقة وأشار دونلاب إلى انه برهنت الدراسات التي دارت حول القدرات الحسية على تفوق النساء قليلاً من ناحية التمييز بين الألوان وكذلك فإن مرضى العمى اللوتي (أوالد التونسم) أقل وقوعا لديهن أما الرجال فإنهم متفوقون فيما يتعلق بالقابليات الحركية والميكانيكية وهم يحصلون وسطيا على نتائج أرقى في الروائز المكانية كالمتاهات .

          رغم هذه المجموعة من الفوارق من الرجل والمرأة وغيرها لم يترك الإسلام حق المرأة على الرجل وجعلها ريحانة يشمها الرجل ويتلذذ في النظر اليها كأنها الملاك يسري على وجه الأرض ولابد أن يقدم لها نظرة الرحمة والحنان لأنها العضو الرقيق والجسم الناعم الرطب فلابد أن يسير الرجل على وفق مزاجها في النظر إليها نظر العطف والحنان ولا يسايرها مسايرة الرجل أو يصارعها كمصارعة القهرمان ولذا قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المرأة ريحانة لا قهرمانة ويكون نتيجة البحث أن المرأة سريعة النمو فتعدد الزوجية يلائم حقيقتها كما أن التمتع بها يرقع المشاكل الاجتماعية .

 

نظام انفصال الزوجية

          يفرق علماء الاجتماع أحيانا بين الانفصال والطلاق ولقد حدد بارنز معيارا لهذه التفرقة يتمثل في أن الطلاق يمنح كلا الطرفين حرية إقامة زواج جديد ومع ذلك ففي بعض المجتمعات يصعب التفرقة بين الانفصال والطلاق  ولكن علماء المسلمين يعرفون الطلاق المأخوذ من الاطلاق وهو الارسال والترك وفي الشرع حل رابطة الزواج

وانهاء العلاقة بينهما  وذكر المحقق  قال والاصل أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع لا يقبل التقابل فيقف رفعها على موضع الأذن وهو من الاتباعات دون العقود .

         أما انفصال الزوجة فنظام اجتماعي اقتضته العدالة الإنسانية كما كان معروفا في الزمن الجاهلي أيضا لكي لا يقع الإنسان في حصار الأسرة السيئة الخلق سواء كان من طرف الزوج أم الزوجة ووجوده حل مشكلة اجتماعية وإن كان التشريع الإسلامي فرض الحصار عليه وقال : إن ابغض الحلال عند اللّه‏ الطلاق .

          والطلاق هو عبارة عن إزالة العلقة الثابتة بين الشخصين بحسب اللغة وأما في نظر الفقهاء فيسيرون على وفق اللغويين وهو من الايقاعات التي لا تحتاج إلى طرفين كما في العقد فحقيقته متقومة بطرف واحد وغير متقوم بطرفين أو أطراف وهو من المفاهيم الاعتبارية دون الأمور الواقعية أو المقولية .

          وأشار في قاموس علم الاجتماع إلى أنه انتهاء رابطة الزواج أو إصدار اعلان قانوني ببطلان هذه الرابطة  وهذا التعريف ليس بجيد لأن الانتهاء لا يحكي ذاتية الطلاق وإنما هو حكم انشائي يوجده المطلق في ايجاد الانفصال بينهما بأداة خاصة .

          ولكن هناك بعض الملاحظات في كون الطلاق من نوع الحق للزوج بإيجاد الفرقة أو من نوع الحكم والّذي يقتضيه التأمل أنه حكم وليس بحق حيث أن مقتضاه حصول الفرقة وعلى هذا ليس مفهومه حل العقد أو بطلان موضوع الزوجية أو جعل الحق للزوج في ايجاد الفرقة .

         وجاء التشريع القرآني بمقدمة تمهيدية وهي إقامة الصلح والطلب بين الزوجين لرعاية أحدهما الآخر بأطيب الكلام وأرق المقال لأن خشونة المنطق توجد المنافرة السريعة وبه يتحقق انهيار الصرح العائلي وبه توجد الشقة والخلاف وبه يتفتت المجتمع

الصغير ولكن بالتعبير الجميل والمنطق العذب ورقة الحديث وحسن البيان وحلو النغم يحصل التجاذب والتقارب ويدوم الوئام والانسجام .

          وترى القرآن الكريم معبرا بايجاز ووقور معنى موجها خطابه للمرأة بقوله تعالى : «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير « (النساء 128 ).

          وإن استعصى الأمر بينهما تجد النظام القرآني أمر بالتحاكم في قوله : «فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا اصلاحا يوفق اللّه‏ بينهما» (النساء 35) فعلى الحاكم أن يأمر بإرسال حكمين من أهليهما للنظر في أمرهما.

          ووجه خطابه للرجل بأنه صاحب الامتياز الأكبر والثقل الأوفر ذو التفكير الواسع لأن فيه القوة والصلابة والصرامة والبأس وبعد النظر وحسن التدبير فقال سبحانه : «الرجال قوامون على النساء بما فضل اللّه‏ بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ اللّه‏ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن اطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن اللّه‏ كان عليا كبيرا » (النساء 34 ).

          وبين حالة المرأة إذا نشزت عنه ولم تؤد امانتها المطلوبة من تنفيذ حقوقه أنه أول ما يقدم إليها من العرض الموعظة الحسنة ثم في المرحلة الثانية الهجران ولا يتصل معها تحت غطاء واحد أو يولي عنها في ظهره وإن لم يجد تأثيرا في الهجران فالعلاج الثالث الضرب لأن النفس لها جهات عكسية فإذا اصطدمت فوق طاقتها أبت إلى حالتها الأولى من الاستقامة وحسن الوئام .

          أما اعراض الزوج عن زوجته فقال سبحانه : «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير واحضرت الأنفس الشح وأن تحسنوا وتتقوا فإن اللّه‏ كان بما تعملون خبيرا » (النساء 128 ).

          وكان قبل عملية المفارقة أن يتخذ اسلوب المصالحة اولاً لأنه كلما أمكن توطيد العلاقة في المجتمع الصغير أولى من المسارعة إلى الانفصال وإن لم يجد إلى الحل سبيلاً جاء بعملية قطع الزوجية حتى يمضي كل من الزوجين في أمن واستقرار من غير تقييد في

حريته وسلب اطمئنانه .

          ووجه النظام القرآني الخطاب إلى الزوج إذا كان له عدة زوجات أن ينهج طريق العدالة وطلب المساواة حتى لاتشعر بالنقص والكآبة .

          أما العدالة القلبية فلا تطلب منه لعدم القدرة عليها ولا يصح التكليف بغير مقدور وحاشا لله أن يأمر بما لا تتحمله العباد والجبر منه قبيح عقلاً وشرعا كما في قوله تعالى : «لا تكلف نفسا الا وسعها » (البقرة 233 (وأشار إلى هذه الفقرات في ناحية سلوك الزوج مع زوجاته بالعدالة والمساواة بقوله تعالى : «ولن تستطيعوا أن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وأن تصلحوا وتتقوا فإن اللّه‏ كان غفورا رحيما » (النساء 129 ).

          وقال سبحانه : «وإن يتفرقا يغن اللّه‏ كلاً من سعته وكان اللّه‏ واسعا حكيما »(النساء 130 ).

          وبعد انقطاع الصلة وحصول الفرقة بين الزوجين فالله قد تكفل كل فرد بمعيشته ولم يجعله ضائعا في هذه الحياة لأنه الموجد لهذا الكون اللامتناهي وهو المدبر لمعيشتهم وسعادتهم ولكن عند السعي في طلب الرزق فهو الجاعل الأسباب الطبيعية التي يجب على الساعي تحصيلها وإيجادها .

          وبهذه المنهجية الصالحة أصبحت المرأة في النظام القرآني لها الاستقلال في إرادتها بعدما كانت إرادتها مندكة في إرادة الرجل ولها حقوقها الخاصة بعد أن كانت تعتبر من الحيوانات العجماوات فضلاً عن أن يكون لها حقا حتى إذا لم تنسجم مع الزوج انفصلت عنه وشقت لها حياة جديدة كما روي عن رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أوصاني جبرئيل بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها إلا من فاحشة مبينة .

 

فوائد الفرقة

          إن مفهوم الطلاق هو فك العلقة بين الزوجين وحل الترابط بينهما بعد أن كان عقد النكاح مثبتا لتلك العلقة بلحا أن العلة المحدثة مبقية .

          وذلك حتى ينطلق كل زوج إلى مقره ليجد حلاً آخر يسعد به عيشه ويدوم به أنسه

بعد ذلك العناء الشديد والنصب المتواصل المرير فيتخذ زوجا آخر وحبيبا منفتحا يسير على رغبته ويكتنف منهجه ويحنو عليه كالطفل بين أحضان أمه تنشر عليه الرحمة والحنان .

          ولو منع الطلاق لأصبح كل واحد في لهيب النار المشتعلة تحرق ضميره وتسعره في كل آن يفكر بالفرار دائما ولكن بكسر هذا الحصار الفولاذي الّذي طوقته غريزة الجنس يكون في راحة أما إذا بقي في الحصار فتجده عندما يدخل في بيته وجد الوجه مقطبا وآثار الشر تتقاطر من محياه ويحسبه الحيوان المفترس ينام على سريره وقد وجد نفسه بين أحضان الموت قد كشر أنيابه لتمزيقه يطلب النجدة ولا مجيب لدعوته .

          والجدير بمثل هذه الشقة وحصول المنافرة والاضطراب في الاسرة لابد من جعل قانون حاسم يطفيء حرارة أكباد الزوجين .

          وعند مطالعتك للنظام القرآني في هذا الميدان تجده جعل قيودا خاصة توجب إثباتهما في حق المطلق .

          1 ـ  تحديد المسافة الزمنية حتى يمكن أن تهدأ حدة التوتر والحالة الغضبية لجعل الحكمين من كلا الطرفين للنظر في أمرهما ومحاولة الصلح والتآلف بيهما .

          2 ـ  النظر إلى وقت وضع الحمل إن كانت حاملاً كقوله تعالى : «وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن » (الطلاق 4) والحكم خاص في المطلقات دون النظر إلى عدة الموت فإن الحكم فيها إلى أبعد الأجلين .

          3 ـ  إحضار شاهدين عادلين حتى إذا أرادت الزواج أمكنها ثبوت دعواها بالبينة مع رعاية الإنسان وعدم اختلاط المياه كما أنه لا يمكنها أن تدعي الميراث إذا مات مطلقها وكانت غير رجعية وبوجود الشهادة تترتب النفقة وتحل الخصومة .

          وذهب الإمامية إلى اشتراط الشهادة في الطلاق ولايصح الطلاق بدونها بخلاف النكاح كما أوضحناه فإنه يصح بدون الشهادة والدليل على الاشتراط في الطلاق صراحة الآية بقوله تعالى : «وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله » (سورة الطلاق آية 1 ـ 2) مع وجود الأدلة الروائية على الاشتراط .

 

          إلا أن نظرة الشافعي  و ابن حنبل إلى وجوب الشهادة في الرجعة  وذكر لمالك قولاً .

         وجعل الطلاق بالمرحلة النهائية عندما يبعث الحكمان العادلان لاصلاحية الزوجية وجعل التقارب بينهما فيكون هدفهما الاصلاح والانسجام وحل مشكلتهما ولا يكون غرضهما حصول الشقة والنفاق وإنما يطلب منهما الأمانة في إعطاء التحكيم كما قال سبحانه : «وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق اللّه‏ بينهما « (النساء 35) وما يراه أغلبية فقهاء العامة من وقوع طلاق الهازل مبني على حديث مختلق موضوع  بأن تكون النظرة الأولى للحكمين حصول الأئتلاف وتوطيد العلاقة ، وبعد اليأس وعدم الظفر بالنجاح في الإصلاح والائتلاف يتخذ طريق الانفصال الّذي هو أبغض الحلال إلى اللّه‏ .

 

أقسام المفارقة بين المجتمع العائلي

          جعل النظام القرآني لكل تباعد عن الزوجية اسما خاصا مصدره الشقاق والمنافرة وعدم الحب من أحد الطرفين أو منهما معا بشرط حضور الشاهدين العادلين لأن بهما يحصل الانفصال الحقيقي ولو انكشف عدم عدالتهما رجعت الزوجية إلى حالتها الأولى كما ذكره القرآن في قوله تعالى : «وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله « (الطلاق 2).

          لأنه بوجود الشهادة يحصل الاحتراز عن اختلاط المياه وصحة الانساب فوجود الشاهدين شرط واقعي بحيث عند انكشاف عدم الشهادة أو فسق أحد الشاهدين تكون الزوجة مستمرة في البقاء .

 

          وقد اشترط القرآن عند إجراء عملية الانفصال أن تقع في دور النقاهة والطهارة ولم يواقعها الزوج في تلك الفترة حتى يؤثر الافتراق أثره كما ذكره سبحانه : «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء « (البقرة 227).

          هذا بالنظر إلى المرأة المدخول بها أما غير المدخول بها فأشار القرآن إلى قانونها بقوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وسرحوهن سراحا جميلاً « (الأحزاب 49). والظاهرة القرآنية تفيدنا عدم العدة في حق غير المدخول بها وأما اللاتي لم يدخل بهن فقد فرض لهن نصف المهر ولم تستحق مهرا كاملاً لقوله تعالى : «وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الّذي بيده عقدة النكاح وإن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن اللّه‏ بما تعملون بصير » (البقرة 237).

 

بيان الأقسام

          1 ـ  إن وقعت الكراهة من طرف الزوج يسمى طلاقا رجعيا والزوجة لم تنفصل انفصالاً حقيقيا كقوله تعالى : «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بأحسان » (البقرة 229) ويصح الرجوع بالقول والفعل على خلاف السنة .

         حيث لما كان الطلاق بيد الرجل لأنه الّذي أخذ بالساق ولذا روي أن الطلاق لمن أخذ بالساق فقرر القرآن للرجل طلاقين وفي المرة الثالثة تبين منه وقبل الثالثة إما أن يمسكها بمعروف وحسن خلق وهو الكناية عن الرجوع أو التسريح بإحسان وقوله: «ولا تخرجوهن من بيوتهن » (الطلاق 7) وهذا مما يؤكد عدم خروجها عن الزوجية . فهي زوجة واقعا وإنما وقع الطلاق معلقا على انقضاء العدة وليس له صفة التنجيز .

          2 ـ  الطلاق الخلعي ورد في اللغة بمعنى النزع كما هو المستفاد من قوله تعالى «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن » لاٌن حالة الزوج مع زوجته كالرداء فإذا خلعته المرأة فقد

خلعت رداءها وهو من المعاني الكنائية كما ذكره علماء البيان .

          وكان الخلع معروفا في العصر الجاهلي وذكر أن أول من أحدثه عامر بن الظرب فقد زوج ابنته من أبن أخيه فلما دخلت عليه نفرت منه فشكاها إلى أبيها فقال له : لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك وقد خلعتها منك بما أعطيتها .

         وحقيقة الخلع أن تقع الكراهة من قبل الزوجة فقط دون الزوج ، ويجب أن تبذل إليه وقد صرحت الآية الكريمة بجواز الافتداء والبذل بقوله تعالى : «فإن خفتم ألا يقيما حدود اللّه‏ فلا جناج عليهما فيما افتدت به » (البقرة 229).

          ومتى رجعت عن البذل والافتداء جاز للزوج الرجوع إليها وانقلب الطلاق رجعيا ولو بذلت لأجل إيذاء الزوج فقط دون كراهة منها للزوج فلا يقع خلعيا وإنما هو رجعي لأن المناط فيه وقوع الإيذاء بسبب الكراهة الواقعية .

          وقد اختلف في أصل حقيقته هل الخلع من مصاديق الطلاق أو عنوان مستقل وإنما هو في عرض الطلاق وعلى تقدير الالتقاء بالخلع يقع فسخا ومن قرنه بالطلاق يكون طلاقا وليس بفسخ وإن قال السيد المرتضى بالاجتزاء بالخلع ويقع طلاقا .

         والّذي يبدو من تتبع الموارد أنه من مصاديق الطلاق لانطباق المفارقة عليه حقيقة لا أنه في عرضه وقسيم له حتى يكون مفهوما مستقلاً غير مفهوم الطلاق وكرهها له بلحا سوء أخلاقه أو منظره دون لحاظ أذية أب الزوج أو والدته أو أرحامه .

          3 ـ  طلاق المبارأة وهو فيما لو كان الإكراه من الطرفين مع شرط البذل من جانب الزوجة ولو رجعت بالبذل جاز الرجوع بها من قبل الزوج لا على وجه الالزام بأن يقول الزوج بارأتك على كذا فأنت طالق وهي تترتب على كراهية كل واحد من الزوجين صاحبه .

         4 ـ  طلاق الإيلاء وهو أن يحلف الزوج على عدم مقاربته لزوجته بمدة معينة لا تتجاوز أكثر من أربعة أشهر فإن وفى بيمينه إلى ذلك الضرب المحدد فإن اللّه‏ غفور رحيم

كقوله تعالى : «للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن اللّه‏ غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن اللّه‏ سميع عليم « (البقرة 226 ـ 227).

          ولا يجوز الوط‏ء في ضمن المدة إلا بوجود الكفارة كما هو المستفاد من مفهوم المخالفة لليمين وكان مثل هذا النوع من المفارقة مستعملاً قبل الإسلام إلا أن القرآن أقرهم على منهجية المفارقة لما فيه من الفوائد المترتبة عليه كرعاية الصحة من طرف الزوج أو الزوجة لأن الزيادة في التقارب الجنسي يسبب البرستات والالتهاب في رحم المرأة أو فسح المجال لتربية أولادها وغير ذلك من استعمال اقراص خاصة أو قذف الرجل منيه خارجا أو جعل حاجب .

          5 ـ  الظهار نوع من أنواع الفرقة والانفصال وكان له وجود قبل الإسلام والقرآن أقره كما في الايلاء ولكن يجري على طبق الشروط المقررة في الطلاق من عدم الغضب الرافع للقصد والاختيار ونحو ذلك من الشروط التي تناولنا الحديث عنها سابقا .

          وأسباب الاقرار في الظهار حيث جرت بين خولة بنت ثعلبة مع زوجها أوس ابن الصامت في ظهاره لها فجاءت رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله تشتكي على زوجها عنده  صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهفنزلت الآية الكريمة : «قد سمع اللّه‏ قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى اللّه‏ واللّه‏ يسمع تحاوركما إن اللّه‏ سميع بصير الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن اللّه‏ لعفو غفور والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به واللّه‏ بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود اللّه‏ وللكافرين عذاب أليم « (المجادلة 1 ـ 4).

          فأقر النظام القرآني الظهار وبين حكم العودة والمراد بالمظاهرة عبارة عن القول للزوجة أنت علي كظهر أمي أو أحد محارمي فينزلها منزلة الأم بعدم المقاربة ، وإذا أحب الرجوع وجبت عليه الكفارة أما عتق رقبة بشرط عدم المقاربة أو صوم شهرين متتابعين وأن لم يقدر على الصوم فإطعام ستين مسكينا .

          ولعل جريان الحكم في حقه بهذه الشدة والصرامة حتى يثبت أن الزوجة مرعية

عند اللّه‏ ووجودها محترم لم يكن معرضا للسخط والانتقال والاستبداد وليست وجودا يستهان به متى أراده قربه وأدناه ومتى غضب عليه أبعده ونآه بل هي لباس له وهو لباس لها يستر كل واحد صاحبه .

          6 ـ  اللعان ويراد به أن ينكر الزوج على زوجته ويباهلها أما من حيث رجمها بالزنا أو ينفي الولد عن فراشه ولا ينسبه إليه .

          وقد جاء التشريع القرآني معبرا عن هذه الحادثة بصيغة مخصوصة يطلقها كل من الزوجين حين الملاعنة كما في قوله سبحانه : «والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللّه‏ عليه إن كان من الكاذبين ويدرأوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أنّ غضب اللّه‏ عليها إن كان من الصادقين » (النور 6 ـ 9) فإذا قال والخامسة إن لعنة اللّه‏ عليه إن كان من الكاذبين يدرأ عنه الحد كما أن الزوجة إذا شهدت أربع شهادات يدرأ عنها العذاب والعقوبة من إقامة الجلد عليها وعند تلفظ الزوجة بالشهادات الأربع يرفع عنها الجلد وتنقطع العصمة بينه وبين الولد كل ذلك حفظا للأنساب وتحرم عليه مؤبدا .

          وعند ملاحظة العرض التاريخي تجد انحلال عقد الزواج في العصر الجاهلي قائما على الطلاق والخلع والإيلاء والظهار  والأحوال الشخصية في التشريع الإسلامي .

         كما أن تشريع القرآن في عدة الوفاة أو مطلق العدة لكيلا تختلط المياه الّذي به إفساد التربية وتكون الغرائز فاسدة وبهذا يتضعضع الكيان الاجتماعي والشارع هدفه رعاية المجتمع وحفظ النوع والمصلحة العامة ولا يتحقق اللعان إلا بنظر الحاكم الشرعي .

 

نظام العدة وحفظ الأنساب

          شرع القرآن حكم العدة لأجل رفع الاشتباه في الأنساب حتى لا تختلط مياه الرجال

بعضها مع البعض الّذي يكون حين الاختلاط موجبا لقلة المروءة وقلة العطف والوداد ويصبح الطفل المتولد من هذه المياه المختلطة معقدا في حياته الاجتماعية منطويا على ذاته يلحظ مصلحته الخاصة من دون رعاية المصلحة العامة كما يقره علم الوراثة ولعل القرآن أراد كشف حقيقة مكتومة بأن الوراثة لها لأثر من  حيث الأخلاق والاجتماع والنفس وأخذ الحيطة في حال الاشتباه وقد أصدر القرآن ثلاثة أحكام :

          1 ـ  جواز نكاح المرأة التي طلقت من قبل زوج آخر ولم يدخل بها .

          2 ـ  بيان قاعدة العدة بعد الدخول .

          3 ـ  معرفة عدة الوفاة دائمة أو متعة وبيان تحديدها .

          أما الحكم الأول في لسان التشريع القرآني قوله تعالى : «يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة »(الأحزاب 49 ).

          وأما الحكم الثاني : قوله تعالى : «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء » (البقرة 27 ). حيث آل حكم المدة والانتظار إلى مسافة ثلاث حيضات وبعد ذلك يجوز لها التزويج من رجل آخر وقال سبحانه أيضا في بيان التحديد الزمني : «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا اللّه‏ ربكم » (الطلاق 1).

          كل ذلك لحكمة عدم اختلاط المياه وامتزاجها لكي يكون الماء خالصا لم تعتوره التأثيرات والعوامل الخارجية .

          وأما بيان الحكم الثالث فقد بين مقدار الحداد على الزوج ولو فكرنا مليا في هذا الحكم فقد جاء على وفق الفطرة والعقل السليم مشيرا إلى أن لكل زوجة يجب أن تعتد بمقدار أربعة أشهر وعشرة أيام .

          ويمكن أن يتصور أثر الحداد لأجل نقاهة الرحم من مياه الزوج السابق بأكثر مدة يقتضيها احتمال وجود الحمل وانعقاد النطفة وإن كان العلم الحديث قد أثبت أن أقصى ما يمكن انعقاد النطفة فيه بمقدار أربعة وعشرين ساعة فقال سبحانه : «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف واللّه‏ بما تعملون خبير » (البقرة 234 ).

 

          ولعله يتصور في أثر الآية الاحترام والعفة لمكانة الزوج الأول والحداد عليه لأجل الوفاء وهذه جهات أخلاقية تحبذ من قبل الزوجة أن تنتهجها للدلالة على معنى الأخلاص والوداد وأن اسمه يرن في مسامعها وقلبها مضطرم لفراقه .

          وجوز لها القرآن البقاء إلى مدة حول كامل والصرف عليها من تركة الزوج إلى مقدار تلك السنة كما جاء في القرآن الكريم : «والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن بأنفسهن من معروف واللّه‏ عزيز حكيم » (البقرة 240) كل ذلك حتى لا تشعر من نفسها الكآبة بمجرد فقدانه .

          ومنع الكتاب العزيز أن يخطبها رجل آخر إلا أن يبلغ الكتاب أجله من التحديد في الوقت بقوله تعالى : «ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم اللّه‏ أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولاً معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن اللّه‏ يعلم ما في انفسكم فاحذروه واعلموا أن اللّه‏ غفور حليم » (البقرة 235).

          وجعل لها الحق في رضاعة ولدها بقوله تعالى : «والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا اللّه‏ واعلموا أن اللّه‏ بما تعملون بصير » (البقرة 233).

          إلا أن الشرع القرآني لم يحتم عليها القبول وإنما جعلها مختارة في أمرها وليس عليه ولي كما في الباكر بناء على اعتباره .

 

أثر المحلل

         أراد التشريع القرآني أن يحد من ثورة الرجل على المرأة وأن يلحظها بعين الاعتبار فليست من السلع التي تباع وتشترى وإنما هي ريحانه تشم وتحفظ وليست ألعوبة للأنفعالات وإنما لها كيانها الاجتماعي وقد عبر عنها القرآن بالسكن واللباس وهذه المعاني دالة لإثبات شدة الارتباط بين الذكورة والأنوثة فإذا صارت بيد الانفعالات اضطربت تلك الحلقة المتصلة وكانت قلقة الكيان مخلوعة اللباس في كل انفعال ، ولذا إن الحكم على أن تتزوج ببعل آخر لأجل إثارة غيرة الرجل على عرضه وحميته واشمئزازه من إتيان رجل على زوجته فقال سبحانه : «فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود اللّه‏ وتلك حدود اللّه‏ يبينها لقوم يعلمون » (البقرة 230 ).

          ولا يعتبر المحلل إلا إذا كان عن وط‏ء دون مجرد العقد كما هو ظاهر النصوص والاجماع والغرض منه كما أشرنا إليه هو قلة الإقدام نحو المفارقة السريعة الناشئة عن الانفعال لكي يشعر الرجل بوخز الضمير والتأنيب على مافرط من انفعال وقتي أوجب له انفكاك العلقة التي لا يمكنه الرجوع إلا بمجيء رجل يطلع على عرضه وشرفه ويكون فيه إرغام نفسيته الثائرة فمجيء الرجل المحلل خط دفاعي لكيلا يقدم على انفصال لا رجوع بعده وليس من نوع المهزلة كما دونها المسرحيون في أفلامهم وأقلامهم لتشوية الحقيقة الإسلامية لأنهم لم يتحسسوا بالغيرة هذا مع أن هذه العملية التي اتخذها لتشريع القرآني توافق علماء النفس بأن حالة الغضب إذا عرضه ما يقابل أمرا عكسيا حتى تنطفيء تلك الحرارة الغضبية ويرجع إلى  رشده وصوابه ولما كان الطلاق ناشئا عن تراكم انفعالات فإذا فسح الشارع المجال إلى تعدد الطلاق كانت الحياة الزوجية في قلق وعدم استقرار وإنما أراد النظام القرآني أن تكون الأسرة قائمة على أسس وركيزة لا تتغير بمجرد الانفعالات وعندما يجعل النظام أما الرجل سورا فولاذيا يحجم أمام ذلك السور عند توتر غضبه

ويرى أن هذا الخط الدفاعي غير قابل لاقتحامه وأن الطلاق الأخير وداع لا تلاقي بعده فتصطدم النفس بعمل معاكس يوجب له الرشد والصواب .

          وقد أظهر (جواد علي) أسباب الطلاق أن نقص دخل الزوج يدخل عامة الخصام في المنزل ويساعد على حدوث الطلاق وقد قام (دي فورج) بدراسة في فرنسا فأظهر أن الطلاق منتشر في المدن بين الطبقات الشعبية أكثر منه بين الطبقات الثرية وقام البعض بدراسات أخرى لمعرفة علاقة الطلاق بالمهن والحرف وقد ظهر في هذه الدراسات أن نسبة الطلاق مرتفعة بين الممثلين والممثلات والفنانين عامة وكذلك بين البحارة ويأتي بعدهم العمال بالنسبة حيث تقترب هذه لديهم من المتوسط وتنخفض هذه النسبة بشكل ظاهر بين رجال الدين والمدرسين والتجار .

         والّذي يعيننا في العرض أن فائدة الطلاق توجب حلاً اجتماعيا ولو قدر عدم الطلاق لأزمة تعكر الجو الأسري وربما يستلزم خروج الزوجة إلى محيط الدعارة في بعض الأحيان أو الكبت النفساني والدخول في الهستريا ونحوها كما تكون الحالة أيضا جارية في الرجل أيضا أو يوجب الانتحار من كلا الزوجين فلذا خطط الإسلام إلى رفع تلك المشكلة بجعل حلول أساسية فيما بين صفوف المجتمع حتى لا تعتورهم الفوضى أما دراسة الأسباب فلكل سبب قد جعل التشريع الإسلامي حلاً كالنفقة والرعاية والاخلاص والمحبة واطمئنان الزوج من زوجته وقتل الشهوة وجعل الوقت في التناغم مع زوجه إلى غير ذلك من الشروط المقررة في صفحات السنة النبوية والتشريع الإسلامي وكل هذه عناوين تحتها أبواب وفصول فعلى الباحث أن يدرسها بدقة .

 

نظام الفسخ والانفساخ

          نظام الفسخ يقع إما بارتداد كل واحد من الزوجين بأن كان أحدهما معتقدا الالحاد أو الشركة مع اللّه‏ أو رجع عن دينه فيما لو كان مسلمين أما إذا أسلم الزوج وبقيت الزوجة

على دينها فقد ذكر في فقه السنة  للسيد إذا أسلم الزوج وأبت زوجته أن تسلم وكانت مشركة فإن العقد حينئذ يفسخ بخلاف ما إذا كانت كتابية فإن العقد يبقى صحيحا كما هو إذ أنه يصح العقد على الكتابية ابتداء .

          ولكن الفقه الشيعي في صورة الشرك لا يقع العقد صحيحا وفي صورة العقد على الكتابية ابتداء على خلاف بينهم والمشهور عدم صحته إلا إذا كان بنحو العقد المؤقت وهو مايسمى بزواج المتعة .

          وهناك نوع آخر يطلق عليه الانفساخ وهو فيما ظهر أن المعقود عليه أخته من الرضاعة أو ظهر في الرجل أحد المعايب أو كانت المرأة معيبة كالبرص والقرن والعقل ونحوها فإنها تقع منفسخة ويصدق عليها فسخا .