|
موضوع علم الاجتماع
حاول أوجيست كونت جعل موضوعين أساسيين لعلم الاجتماع وهما :
1 ـ الاستقرار الاجتماعي . 2 ـ التطور الاجتماعي
.
وقد أطلق كونت على الاول في الآونة الأخيرة بالبناء الاجتماعي إلا انه
قابل للنقد من حيث البناء الاجتماعي لوقوعه في اطار الحكم .
ويرى دروكايم موضوع الاجتماع بناء على دراسة البناء الاجتماعي ودراسة
الوظائف الّتي يؤديها هذا البناء في اجزائه وكلياته ، وجعل موضوعه الأساسي هي
الظواهر الاجتماعية بما أنها تتصل بنشاط الانسان من حيث كونه كائنا اجتماعيا ككل لا
الى ناحية واحدة فيه كالناحية الاقتصادية وحدها أو السياسية أو الدينية وحدها.
وبتعدد الظواهر يمكن فرض تعدد اقسام الاجتماع ، وسار جماعة كثيرة الى ناحية ثانية
من جهة دراسة الوحدات المتمايزة مثل دراسة المجتمعات المحلية الّتي تتميز من الوجهة
الجغرافية أو دراسة المجتمع القروي وتكون هي المحور في تميزها عن المجتمع.
والّذي يبدو في تصورنا أن موضوع علم الاجتماع تبنى ركائزه على منشأ
الظواهر الاجتماعية المتفاعلة معه الّتي تخص المجتمع نفسه دون دراسة البناء
الاجتماعي الّذي يقوم على القواعد والنظم أو ملاحظة الوحدات المتمايزة أو دراسة
المجتمع القروي بالقياس الى المجتمع لأنه يشكل مجتمعا واسعا بخلاف المجتمع القروي
لأنها أجنبية عن واقع المجتمع وحقيقته لأن النظم والقوانين المقررة على المجتمع
إنما هي أحكام بعد فرض موضوعية المجتمع أو أن دراسة المجتمع القروي بالقياس الى
المجتمع هو لحاظ الشيء بمضاده وهذا لا يثبت موضوعية الشيء أو أن دراسة المجتمعات
المحلية المتميزة من الوجهة الجغرفية لا تحقق موضوعية المجتمع لأن المقارنات
الزمنية أو المكانية غير دخيلة في موضوعية المجتمع فلابد أن ينظر الى المجتمع
بعنوانه الخاص فإن كانت الظواهر الزمنية أو الجغرافية متفاعلة مع المجتمع على نحو
الدقة الفلسفية فتحتسب من واقع المجتمع ولكن الفكر الفلسفي يأتي ذلك وإنما يمكن فرض
الوحدة والتفاعل على إطار الفكر العرفي .
والمقصود من الظواهر الاجتماعية كما عرّفها ابن خلدون بأنها عبارة عن
القواعد
والاتجاهات العامة الّتي تتخذ في مجتمع ما أساسا لتنظيم الحياة الجمعية وتنسيق
العلاقات الّتي تربط بين افراد هذا المجتمع بعضهم ببعض وتربطهم بغيرهم من أفراد
المجتمعات الاخرى ، ومن هذه الظواهر ما يتعلق بشؤون السياسة التعليم چ الاقتصاد نظم
إنتاج الثروة وتداولها وتوزيعها الاسرة نظم الزواج والطلاق والقرابة والمواريث ،
ويرى ابن خلدون في تقسيمه لموضوعات علم الاجتماع أنها تقع في نقطتين:
1 ـ أن تتعلق ببيئة المجتمع أي الّتي تتناول الظواهر الّتي تتصل بالبدو
والحضر وأصول المدنيات القديمة وتوزيع أفراد الإنسانية على المساحة الّتي تشغلها
والنظم الّتي تسير عليها المجتمعات في هجرة أفرادها وكثافتهم وتخلخلهم والمسائل
الّتي تتعلق بتخطيط القرى والمدن .
2 ـ وهي الّتي تتعلق بدراسة النظم العمرانية (النظم الأجتماعية) مثل
النظم الأسرية الأخلاقية الجمالية واللغوية والدينية .
فالنظرة الّتي سار عليها أوجيست كونت قد تبعها ابن خلدون بخمسمائة سنة
كما أن في النقطة الاولى الّتي اشار اليها ابن خلدون لم تكن وليدة فكرة دوركايم
الّتي اطلق عليها باسم (المورفولوجيا الاجتماعية) وإنما ابن خلدون سبقه الى ذلك ولم
تكن من ابتكارات دوركايم كما يبدو منه .
والغرض أنه لسنا في صدد نقد ابن خلدون في اصل الظاهرة الاجتماعية الا
اننا نناقشه في ميدان آخر وهو أن المجتمع الّذي يشكل تلك الكتلة المترابطة فالظواهر
من حيث هي لا تحكي موضوعية المجتمع بل لا بد من دراسة منشئه والمنشأ يأتي على
أنحاء:
1 ـ الاجتماع التعقلي وهو المنطوي في دائرة الانسان حيث ان المجتمع
البشري منطوٍ فيه حب الاجتماع وطلب المجانسة عن طريق التعقل والاصطناع دون مجرد
الغريزة الّتي تشترك فيها بقية الحيوانات .
2 ـ الاجتماع الغريزي كما هو في اطار العجماوات والشكل الواضح لها .
3 ـ الاجتماع الكيمياوي أو الفيزياوي .
4 ـ الاجتماع الجرثومي ويقصد بالجرثومة هي الّتي تشكل كل جرثومة خلية
واحدة تتقاتل مع الخليات الأخر .
وإذا نظرنا الى أدوار هذه المجتمعات فكل نحو يحكي مجتمعا خاصا لا يرتبط
بالمجتمع الآخر وإنما يختلف عنه بحسب خواصه ، فموضوع الاجتماع يكون النظر فيه الى
جوهريته من غير ملاحظة الظواهر بنحو الحالات والطوارئ فلا يعقل ان تكون من حقيقة
الشيء وجوهريته ، وإنما قلنا أن تقع متفاعلة معه بنحو الوحدة العرفية دون الوحدة
الدقية العقلية لأنه لا يصح أن تقع الظواهر دخيلة في حقيقة الجوهر ولذا أن الموضوع
يحكي عن الجوهرية والظواهر تحكي عن الحالات والطوارئ العارضة على الصفحة الجوهرية ،
فما ذهب اليه ابن خلدون وأوجيست كونت ودوركايم غير متبنى على نظرة علمية ، وقد ادعى
علماء الاجتماع الى تحديد موضوعية علم الاجتماع الى ثلاثة آراء:
1 ـ دراسة العلاقات الاجتماعية ، ويعرف بمدرسة العلاقات .
2 ـ موضوعه دراسة المقومات العامة للحياة الاجتماعية وتنسيق النتائج
النهائية الّتي تصل اليها العلوم الاجتماعية الخاصة ، وهي علوم يجب ان تقوم بجانب
علم الاجتماع العام لدراسة النظم الاجتماعية فهناك علم الاجتماع العام من ناحية
وهناك العلوم الاجتماعية الخاصة من ناحية اخرى .
3 ـ ينبغي ان يكون الاجتماع فرعا من علم الحياة العام كما اختاره هربرت
سبنسر ومدرسته ويرى جماعة أنه متعلق بمباحث علم النفس كما ذهب تارد ومدرسته ومنهم
من يرى أنه علم النظم الاجتماعية كما هو المشهور كغلييه الفرنسي ومنهم من يذهب الى
أن موضوع علم الاجتماع هو دراسة المبادىء الّتي تؤدي الى الوحدة في المجتمع كما هو
مذهب لماك أيفر الأميركي . |