|
مصدر القانون الدولي
بعد عرضنا لمصادر التشريع الإسلامي وهو قائم على الكتاب والسنة والاجماع
والعقل كما هي نظرية الإمامية أو على الكتاب والسنة والاجماع والقياس أو الاستحسان
كما هي نظرية السنة (العامة) .
يقوم أساس مصادر القانون الدولي على المبادىء الطبيعية فتكون هي المقياس
في الحكم الوضعي أو الاجتماع والبيولوجيا هما مصدر القانون الوضعي وذهب بعض انصار
مدرسة القانون الوضعي إلى أن الإرادة سواء كانت فريدة أم مشتركة هي مصدر القانون .
وسار القانون الوضعي لى جهة الانفصالية بينه وبين التطورات الاجتماعية
ويرى أن الدولة تأخذ شكلاً معينا غير قابل للتغيير ولكن هذه النظرية غير تامة علميا
لأن الدول إنما تأخذ شكلاً معينا غير ظروف سياسية فإذا تغير الأتجاه السياسي تغيرت
الشكلية إلى صياغة جديدة ملائمة لتلك الظروف المناسبة ويمكن تصوير مصادر القانون
الدولي في ثلاث نقاط :
1 ـ الإرادة الشارعة للدول ولأشخاص القانون الدولي ذوي الأختصاص
التشريعي.
2 ـ ما يصدر عن هذه الإرادة يلزم أشخاص القانون الدولي العام تحقيقا
لسبب هذه القواعد وهو فكرة العدالة واستنادا إلى مبدأ المشروعية .
3 ـ الأحكام التي تتضمنها قواعد القانون الدولي العام يجب أن تهدف إلى
تحقيق العدالة .
وخلاصة هذه الآراء إن المصادر تقوم على الإرادة والسبب والعدالة أما
النظرة
الاسلامية فالإرادة قائمة على ذات الإرادة الإلهية والأسباب لم يدركها الإنسان
بكمالها الواقعي وإنما يتوصل في بعض المجالات إلى حكمتها جون علتها الحقيقية
والعدالة إنما تقع في دور الغايات دون المبادىء ولابد من التفكيك بين الغايات
والمبادىء التي يبدو من بعض فقهاء القانون عدم التمييز بينها ولا يصح أن تكون
الإرادة مرتبطة مع العدالة برابطة السبب والمسبب كما سار عليه الدكتور محمد طلعت
(لأن العدالة من الغايات دون المبادىء والسبب من المبادىء دون الغايات فتنظيره
للمورد غير صالح .
تعريف القانون
ورد لفظ القانون كما في تاج العروس أن كلمة قانون رومية (يونانية) أو
فارسية .
وذكر في القاموس المحيط أنها سريانية والمعروف أنها كلمة يونانية أخذتها
العرب عنهم في تلك العصور أما بحسب اللغة فالقانون مقياس كل شيء .
وفي الاصطلاح هي القواعد الكلية الصادرة عن الشرع أو القاعدة العامة
الإلزامية أو القواعد الكلية المتعلقة بأفعال المكلفين والّذي يبدو من التعريف
للقانون هو الأخير .
وقد وقع خلاف بين فقهاء القانون حول دخول الجزاء في واقع القانون أو عدمه
فذهب فريق منهم إلى أن القاعدة لا تكتسب صفة القانون إلا إذا توافر لها الجزاء كما
هي نظرية كلسن حيث يرى أن القانون نظام إكراه .
وأنكر بعضهم عروض صفة القانون على القانون الدولي العام عند عدم وجود
سلطة دولية عليا تفرض الجزاء ويمكن أن يكون شاهدا على مقالتهم عندما قررت الأمم
المتحدة عدم توطين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة بالاجماع إلا أن اسرائيل لم
تكترث بذلك وقد صرخت على رئيس الولايات المتحدة كارتر بسحب اعترافه سنة 1400 للهجرة
.
وقد حررنا موضوعية الجزاء في الأصول وذكرنا أن الجزاء يقع في رتبة متأخرة
من عالم الأمر والنهي وليس داخلاً في جوهرية القانون وفرق واضح بين الاستعانة به
على
تنفيذ القانون وبين النظر إلى ذات القانون مستقلاً وإلا لاستلزم أخذ المتأخر في
المتقدم المعبر عنه بالدور الصريح أو الخلف بالمصطلح الفلسفي .
وقد تعرض علماء القانون إلى ثلاث كلمات في هذا الموصوع هي :
1 ـ الإلزام .
2 ـ الجزاء .
3 ـ الفعالية .
وهل هناك بين هذه الكلمات .
يحدثنا الدكتور محمد طلعت عن جهة الفرق بن هذه الكلمات إذ يقول :
أعني بالفعالية بالنسبة للقاعدة أنها مطبقة فعلاً في العلاقات المتبادلة
بين أعضاء المجتمع .
أما إلزام القاعدة فمعناه أن أعضاء المجتمع يعتقدون أنهم ملزمون باتباع
ما تقضي به أحكام القاعدة .
ويبدو أن علماء الأصول تعرضوا إلى هذه الكلمات بأن الإلزام فيه جهة الدفع
والتحريك والجزاء جهة الثواب والعقاب والفعالية جهة التطبيق المأمور به للأمر
والانقياد للخطاب التشريعي .
ويرى فقهاء القانون أن القانون يرمز إلى الفكرة القانونية بما هي وأن
المجتمع يرمز إلى دور الالتزام بالفكرة وأما قواعد القانون فهي تشخيص لفكرة القانون
وهي عبارة أخرى عن الصورة المادية التي يرسمها أعضاء المجتمع لتجديد سلوكهم ونشاطهم
بطريقة ملزمة .
ويبقى سؤال وهو أن الفكرة القانونية هل هي مجرد ترجمة للوقائع الاجتماعية
أو أنها فكرة عن العدالة المرتسمة على العدالة التبادلية والعدالة التوزيعية كما
جاء بالتفرقة بينهما أرسطو بأن تكون العدالة التبادلية قائمة على الملكية الخاصة
العقود والمبادىء وهذه ليست في حاجة إلى التشريع لأنها من الضروريات العقلية وأنها
تطبق تلقائيا
بخلاف العدالة التاريخية فإنها بحاجة إلى التشريع .
ويبدو أن بعض فقهاء القانون لم يميزوا بين المبادىء والغايات فإن
الوقائع الاجتماعية من المبادىء وفكرة العدالة من الغايات والأهداف التي يريد
تطبيقها على الجمهور وهكذا بالقياس إلى العدالة التقاصية والعدالة الانتقامية
والعدالة الاجرائية والعدالة الدستورية .
والمجتمع الدولي يرتكز على عنصرين وهما العنصر المادي والعنصر المعنوي ،
والعنصر المعنوي يقوم على الوعي الاجتماعي بصيرورة نظام يربط المجتمع بالمجتمع
الآخر والشعور بالالتزام وتطبيق أنظمته حتى لا يقابل بالجزاء عند المخالفة .
بينما النظام الإسلامي يقوم على الدافع الإلهي ويقظة الضمير لكي لا يقع
في اللوم وجعل الحكم للعقل في دور الانقياد والطاعة دون أصل التشريع وليست هناك
سيادة وجماعة مسيطرة تجعل قانونا من قبل أنفسها لأن الرقابة لسيد المجتمع يرتهن
بطاقة عظمى خارجة عن دائرة البشر وإنما يكون التشريع الإسلامي من واقع الإنسان
وفطرته . |