مسألة 1: يجب على كل مكلف لم يبلغ رتبة الاجتهاد، ان يكون في جميع عباداته، ومعاملاته، وسائر افعاله، وتروكه: مقلداً، أو محتاطاً، إلاّ أن يحصل له العلم بانه لا يلزم من فعله أو تركه مخالفة لحكم الزامي ولو مثل حرمة التشريع، أو يكون الحكم من ضروريات الدين أو المذهب ـ كما في بعض الواجبات والمحرمات وكثير من المستحبات والمباحات ـ ويحصل له العلم الوجداني أو الاطمينان الحاصل من المناشئ العقلائية كالشياع واخبار الخبير المطلع عليها بكونه منها. ثم لا يخفى ان الملاحظ من الاحتياط تارة يتعلق بموضوع وهو كترك التدخين فيما إذا اختلف المجتهدون في حليته وحرمته، واخرى يكون له موضوعات متعددة كالاحتياط في مورد الجنابة والحيض ويكون في مورد الاحتياط في الجنابة لابد من الجمع بين الغسل والوضوء كما ان الحائض لابد لها من الجمع بين واجبات الطاهر كالصلاة والصيام وتروك الحائص كترك دخول المسجد وتمكين الزوج من الوطئ، هذا بالاضافة إلى الاحتياط ايضا بالنسبة إلى المكلف تارة يتعلق بفرد كما هو المتعارف في تعلق العبادات بالفرد واخرى يتعلق باكثر من شخص كما يقع ذلك بالنسبة في المعاملات فيما لو كان الاحتياط ببطلان البيع قائما بين البائع والمشتري فمقتضى الاحتياط اما ترك المعامله لكل منهما أو التقايل وفسخ المعاملة.

مسألة 2: عمل غير المجتهد بلا تقليد ولا احتياط باطل، بمعنى انه لا يجوز له الاجتزاء به ما لم يعلم بمطابقته للواقع الا ان يحصل له بموافقته لفتوى من يجب عليه تقليده فعلا، أو هو بحكم العلم بالموافقة، كما سيأتي بيان بعض موارده في المسألة الحادية عشرة.

مسألة 3: الاقوى جواز ترك التقليد، والعمل بالاحتياط، سواء اقتضى التكرار ـ كما إذا ترددت الصلاة بين القصر والتمام ـ ام لا، كما إذا احتمل وجوب الاقامة في الصلاة. لكن معرفة موارد الاحتياط معتذرة غالبا، أو متعسرة على العوام.

مسألة 4: يكفي في التقليد تطابق العمل مع فتوى المجتهد دون اخذه على الالتزام الذي يكون قوله حجة في حقه فعلا مع احراز مطابقته لها، ولا يعتبر فيه العتماد، نعم الحكم بعدم جواز العدول الاتي في المسألة الرابعة عشرة مختص بمورد التقليد بمعنى العمل اعتمادا على فتوى المجتهد.

مسألة 5: يصح التقليد من الصبي المميز، فاذا مات المجتهد الذي قلده الصبي قبل بلوغه فحكمه حكم غير الاتي في المسألة السابعة الا في وجوب الاحتياط بين القولين قبل البلوغ.

مسألة 6: يجوز تقليد من اجتمعت فيه امور: البلوغ، والعقل، والايمان، والذكورة، والاجتهاد، والعدالة، وطهارة المولد، والضبط بالمقدار المتعارف، والحياة فلا يجوز تقليد الميت ابتداء وانما يصح ذلك استدامة.

مسألة 7: إذا قلد مجتهدا فمات، فان لم يعلم ـ ولو اجمالا ـ بمخالفة فتواه لفتوى الحي في المسائل التي هي في معرض ابتلائه جاز له البقاء على تقليده، وان علم بالمخالفة ـ كما هو الغالب ـ فان كان الميت اعلم وجب البقاء على تقليده، ومع كون الحي اعلم يجب الرجوع اليه ومع تساويهما في العلم يجري عليه ما سيأتي في المسألة التالية ويكفي في البقاء على تقليد الميت ـ وجوبا أو جوازاً ـ الالتزام حال حياته بالعمل بفتاواه ولا يعتبر فيه التعلم أو العمل على الأظهر.

مسألة 8: إذا اختلف المجتهدون في الفتوى وجب الرجوع إلى الاعلم في الابتكار في المباني الكلية الاصولية والاقدر استنباطا اخذ طريقا للابتكار ولو تساووا في العلم، أو لم يحرز وجود الاعلم بينهم، فان كان احدهم اكثر تثبتاً واحتياطاً في الجهات الدخيلة في الافتاء ـ تعين الرجوع اليه، والا فالاحوط الاحتياط بين اقوالهم مطلقاً، وان كان الأظهر كون المكلف مخيرا في تطبيق عمله على فتوى اي منهم ما لم يحصل له علم اجمالي منجز أو حجة اجمالية كذلك في خصوص المسألة، كما إذا افتى بعضهم بوجوب القصر وبعض بوجوب التمام فيجب عليه الجمع بينهما، أو افتى بعضهم بصحة المعاوضة وبعض ببطلانها فانه يعلم بحرمة التصرف في احد العوضين فيجب عليه الاحتياط حينئذ.

مسألة 9: إذا علم ان احد الشخصين اعلم من الاخر ـ مع كون كل واحد منهما اعلم من غيرهما، أو انحصار المجتهد الجامع للشرائط فيهما ـ فان لم يعلم الاختلاف بينهما في الفتوى تخير بينهما. وان علم الاختلاف وجب الفحص عن الاعلم، فان عجز عن معرفته كان ذلك من اشتباه الحجة باللاحجة في كل مسألة يختلفان فيها في الراي، ولا اشكال في وجوب الاحتياط فيها مع اقترانه بالعلم الاجمالي المنجز، كما لا محل للاحتياط فيما كان من قبيل دوران الامر بين المحذورين الذي يحكم فيه بالتخيير مع تساوي احتمال الاعلمية في حق كليهما، والا فيتعين العمل على وفق فتوى من يكون احتمال اعلميته اقوى من الاخر.

واما في غير الموردين فالاحوط مراعاة الاحتياط فيما كان من قبيل اشتباه الحجة باللاحجة في الاحكام الالزامية، سواء اكان في مسألة واحدة كما إذا افتى احدهما بوجوب الظهر والاخر بوجوب الجمعة مع احتمال الوجوب التخييري، ام في مسالتين كما إذا افتى احدهما بالحكم الترخيصي في مسألة والاخر بالحكم الالزامي فيها وانعكس الامر في مسألة اخرى. واما إذا لم يكن كذلك فالظاهر عدم وجوب الاحتياط، كما إذا لم يعلم الاختلاف بينهما على هذا النحو في مسألة واحدة، أو علم به في ازيد مع كون المفتي بالحكم الالزامي في الجميع واحدا.

مسألة 10: إذا قلد من ليس اهلا للفتوى وجب العدول عنه إلى من هو اهل لها. وكذا إذا قلد غير الاعلم وجب العدول إلى الاعلم، مع العلم بالمخالفة بينهما. وكذا لو قلد الاعلم ثم صار غيره اعلم وجب الانتقال إلى الثاني.

مسألة 11: إذا قلد مجتهدا ثم شك في انه كان جامعا للشرائط ام لا وجب عليه الفحص فان تبين له انه كان جامعا للشرئط بقي على تقليده، وان تبين انه كان فاقداً لها. أو لم يتبين له شي عدل إلى غيره. واما اعماله السابقة: فان عرف كيفيتها رجع في الاجتزاء بها إلى المجتهد الجامع للشرائط، فمع مطابقة العمل لفتواه يجتزي به، بل يحكم بالاجتزاء في بعض موارد المخالفة ايضا كما إذا كان تقليده للاول عن جهل قصوري واخل بما لا يضر الاخلال به لعذر، كالاخلال بغير الاركان من الصلاة، أو كان تقليده له عن جهل تقصيري واخل بما لا يضر الاخلال به الا عن تعمد كالجهر والاخفات في الصلاة. واما ان لم يعرف كيفية اعماله السابقة بنى على الصحة الا في بعض الموارد، كما إذا كان بانيا على مانعية جزء أو شرط واحتمل الإتيان به غفلة، بل حتى في هذا المورد إذا لم يترتب على المخالفة اثر غير وجوب القضاء، لا يحكم بوجوبه.

مسألة 12: إذا بقى على تقليد الميت من غير فحص ـ غفلة أو مسامحة ـ من دون ان يقلد الحي في ذلك كان كمن عمل من غير تقليد، وعليه الرجوع إلى الحي في ذلك والتفصيل المتقدم في المسألة السابقة جار هنا ايضا.

مسألة 13: إذا قلد من لم يكن جامعا للشرائط، والتفت اليه ـ بعد مدة ـ فان كان معتمدا في ذلك على طريق معتبر شرعا وقد تبين خطاه لا حقا كان كالجاهل القاصر، والافكا لمقصر، ويختلفان في المعذورية وعدمها، كما قد يختلفان في الحكم بالاجزاء وعدمه، كما مر بيانه في المسألة الحادية عشر.

مسألة 14: لا يجوز العدول من الحي إلى الميت الذي قلده اولا، كما لا يجوز العدول من الحي إلى الحي، الا إذا صار الثاني اعلم أو كانا متساويين ولم يعلم الاختلاف بينهما.

مسألة 15: إذا تردد المجتهد في الفتوى، أو عدل من الفتوى إلى التردد، تخير المقلد بين الرجوع إلى غيره والاحتياط ان امكن.

مسألة 16: إذا قلد مجتهدا يجوز البقاء على تقليد الميت مطلقا أو في الجملة، فمات ذلك المجتهد لا يجوز البقاء على تقليده في هذه المسألة، بل يجب الرجوع فيها إلى الاعلم من الحياء. واذا قلّد مجتهدا فمات فقلد الحي القائل بجواز العدول إلى الحي، أو بوجوبه مطلقا، أو في خصوص ما لم يتعلمه من فتاوى الاول، فعدل اليه ثم مات، يجب الرجوع في هذه المسألة إلى اعلم الاحياء، والمختار فيها وجوب تقليد اعلم الثلاثة مع العلم بالاختلاف بينهم في الفتوى ـ كما هو محل الكلام ـ فلو كان المجتهد الاول هو الاعلم ـ في نظره ـ من الاخرين لزمه الرجوع إلى تقليده في جميع فتاواه.

مسألة 17: إذا قلد المجتهد وعمل على راية، ثم مات ذلك المجتهد فعدل إلى المجتهد الحي لم يجب عليه اعادة الاعمال الماضية، وان كانت على خلاف رأي الحي في ما إذا لم يكن الخلل فيها موجبا لبطلانها مع الجهل القصوري، كمن ترك السورة في صلاته اعتمادا على رأي مقلد ثم قلد من يقول بوجوبها فلا تجب عليه اعادة ما صلاها بغير سورة. بل لا يبعد عدم وجوب اعادتها والاجتزاء بها مطلقا حتى في غير هذه الصورة.

مسألة 18: يجب تعلم اجزاء العبادات الواجبة وشرائطها، ولا يلزم العلم ـ تفصيلا بذلك. واذا عرضت له في اثناء العبادة مسألة لا يعرف حكمها جاز له العمل، على بعض الاحتمالات، ثم يسال عنها بعد الفراغ، فان تبينت له الصحة اجتزا بالعمل، وان تبين البطلان اعاده.

مسألة 19: يجب تعلم مسائل الشك والسهو، التي هي في معرض ابتلائه، لئلا يقع ـ لولا التعلم ـ في مخالفة تكليف الزامي متوجه اليه عند طورهما.

مسألة 20: تثبت عدالة المرجع في التقليد بامور:

الاول: العلم الوجداني أو الاطمئنان الحاصل من المناشي العقلائية كالاختيار ونحوه.

الثاني: شهادة عادلين بها.

الثالث: ان يكون علمه على نحو الدافع الالهي واما حسن الظاهر، والمراد به حسن المعاشرة والسلوك الديني فقد اخذ طريقا للدافع الالهي، وهو يثبت ايضا باحد الامرين الاولين. ويثبت اجتهاده ـ واعلميته ايضا ـ بالعلم، وبالطمئنان، بالشرط المتقدم، وبشهادة عادلين من اهل الخبرة بل لا يبعد ثبوتها بشهادة من يثق به من اهل الخبرة وان كان واحدا، ولكن يعتبر في شهادة اهل الخبرة ان لا يعارضها شهادة مثلها بالخلاف، ومع التعارض ياخذ بشهادة من كان منهما اكثر خبرة بحد يكون احتمال اصابة الواقع في شهادته اقوى من احتمالها في شهادة غيره. واما الشهرة لدى العوام لا اعتبار بها لان فاقد الشي لايعطي وان تراكم جهل مع جهل لا يثبت علما.

مسألة 21: يحرم الافتاء على المجتهد مطلقا، واما من يفقد غير الاجتهاد من سائر الشرائط فيحرم عليه الفتوى بقصد عمل غيره بها. ويحرم القضاء عل من ليس اهلا له، ولا يجوز الترافع اليه، ولا الشهادة عنده إذا لم ينحصر استنقاذ الحق المعلوم بذلك، وكذا المال الماخوذ بحكمه حرام إذا لم يكن شخصيا أو مشخصا بطريق شرعي والا فهو حلال حتى فيما إذا لم ينحصر استنقاذه بالترافع اليه وان اثم في طريق الوصول اليه.

مسألة 22: بناء على القول بالمتجزي في الاجتهاد يجوز له العمل بفتوى نفسه، بل الظاهر انه يجوز لغيره العمل بفتواه الا مع العلم بمخالفة فتواه لفتوى الافضل، أو فتوى من يساويه في العلم ـ على تفصيل علم مما سبق ـ وينفذ قضاؤه ولو مع وجود الاعلم إذا عرف مقداراً معتداً به من الاحكام التي يتوقف عليها القضاء.

اذا شك في موت المجتهد، أو في تبديل رأيه، أو عروض ما يوجب عدم جواز تقليده، جاز البقاء على تقليده إلى ان يتبين الحال.

مسألة 24: الوكيل في عمل يعمل بمقتضى تقليد موكله، لا تقليد نفسه فيما لا يكون مأخوذا بالواقع بلحاظ نفس العمل أو آثاره، والا فاللازم مراعاة كلا التقليدين، وكذلك الحكم في الوصي.

مسألة 25: المأذون، والوكيل عن المجتهد في التصرف في الاوقاف أو في أموال القاصرين ينعزل بموت المجتهد، وكذلك المنصوب من قبله وليا وقيما فإنه ينعزل بموته على الاحوط.

مسألة 26: حكم الحاكم الجامع للشرائط لا يجوز نقصه حتى لمجتهد آخر، إلا إذا كان مخالفا لما ثبت قطعا من الكتاب والسنة. نعم لا يكون حكمه مغيرا للواقع، مثلا من علم ان المال الذي حكم به للمدعي ليس ملكا له لا يجوز ترتيب اثار ملكية. وهذا بخلاف نقض الفتوى بالفتوى فانه جائز.

مسألة 27: إذا نقل ناقل ما يخالف فتوى المجتهد، وجب عليه على الأحوط اعلام من سمع منه ذلك إذا كان لنقله دخل في عدم جري السامع على وفق وظيفته الشرعية، والا لم يجب اعلامه، وكذا الحال فيما إذا اخطأ المجتهد في بيان فتواه.

واما إذا تبدل رأي المجتهد، فلا يجب عليه اعلام مقلديه فيما إذا كانت فتواه السابقة مطابقة لموازين الاجتهاد.

مسألة 28: إذا تعارض الناقلان في فتوى مجتهد فان حصل الاطمينان الناشي من تجميع القرائن العقلائية بكون ما نقله احدهما هو فتواه فعلا فلا اشكال، والا فان لم يمكن الاستعلام من المجتهد عمل بالاحتياط، أو رجع إلى غير الاعلم، أو اخر الواقعة إلى حين التمكن من الاستعلام.

مسألة 29: العدالة ـ المعتبرة في مرجع التقليد عبارة عن الدافع الالهي دون حسن الظاهر أو الاستقامة في جادة الشريعة المقدسة الناشئة غالبا عن خوف راسخ في النفس. وقد عد من الكبائر:

الشرك بالله تعالى. والياس من روح الله تعالى. والامن من مكر الله تعالى. وعقوق الوالدين، وهو الاساءة اليهما. وقتل النفس المحترمة. وقذف المحصنة. واكل مال اليتيم ظلما. والفرار من الزحف. واكل الربا بعد البينة. والزنا. واللواط. والسحر. واليمين الفاجرة، وهي: الحلف بالله تعالى كذبا في مقام فصل النزاع. ومنع الزكاة المفروضة. وشهادة الزور. وكتمان الشهادة. وشرب الخمر.

ومنها: ترك الصلاة أو غيرها مما فرضه الله متعمدا. ونقض العهد. وقطيعة الرحم، بمعنى: ترك الاحسان اليه من كل وجه في مقام يتعارف فيه ذلك. والتعرب بعد الهجرة، وقيل انه الاقامة في البلاد التي ينقص بها الدين. والسرقه. وانكار ما انزل الله تعالى. والكذب على الله أو على رسوله (صلى الله عليه واله) أو على الاوصياء عليهم السلام، بل مطلق الكذب. واكل الميتة والدم. ولحم الخنزير. وما اهل به لغير الله. والقمار. واكل السحت، وقد مثل له: بثمن الخمر، والمسكر، واجر الزانية، وثمن الكلب الذي لا يصطاد، والرشوة على الحكم ولو بالحق، واجر الكاهن، وما اصيب من اعمال الولاة الظلمة، وثمن الجارية المغنية، وثمن الشطرنج، وثمن الميتة، ولكن في حرمة الاخير فضلا عن كونه من الكبائر اشكال، ومما عد من الكبائر ايضا: البخس في الميكال والميزان. ومعونه الظالمين، والركون اليهم، والولاية لهم. وحبس الحقوق من غير عسر. والكبر والاسراف، والتبذير، والاستخفاف بالحج. والمحاربة لاولياء الله تعالى. والاصرار على الذنوب الصغار، والاشتغال بالملاهي، كضرب الاوتار ونحوها مما يتعاطاه اهل الفسوق. والغناء، والظاهر انه الكلام اللهوي الذي يوتي به بالحان المتعارفة عند اهل اللهو واللعب، وفي مقومية الترجيع والمد في صدقه اشكال، والعبرة بالصدق العرفي. مما عد من الكبائر: البهتان على المؤمن، وهو ذكره بما يعيبه وليس هو فيه. وسب المؤمن واهانته واذلاله. والنميمة بين المؤمن بما يوجب الفرقة بينهم. والقيادة، وهي السعي بين اثنين لجمعهما على الوطء المحرم. والغش للمسلمين. واستحقار الذنب، فان اشد الذنوب ما استهان به صاحبه. والرياء. والغيبة. وهي: ان يذكر المؤمن بعيب في غيبته، سواء اكان بقصد الانتقاص، ام لم يكن: وسواء اكان العيب في بدنه، ام في نسبه، ام في خلقه، ام في فعله، ام في قوله، ام في دينه، ام في دنياه، ام في غير ذلك مما يكون عيبا مستورا عن الناس. كما لافرق في الذكر بين ان يكون بالقول، ام بالفعل الحاكي عن وجود العيب. على نحو المحاكاة الفعلية والظاهر اختصاصها بصورة وجود سامع يقصد افهامه واعلامه أو ما هو في حكم ذلك. كما انه لابد من تعيين المغتاب، فلو قال: واحد من اهل البلد جبان لايكون غيبة، وكذا لو قال: احد اولاد زيد جبان. نعم قد يحرم ذلك من جهة لزوم الاهانة والانتقاص لا من جهة الغيبة. ويجب عند وقوع الغيبة التوبة والندم والاحوط ـ استحبابا ـ الاستحلال من الشخص المغتاب ـ إذا لم تترتب على ذلك مفسدة ـ أو الاستغفار له .وقد تجوز الغيبة في موارد: منها المتجاهر بالفسق، فيجوز اغتيابه في غير العيب المتستر به منها: الظالم لغيره، فيجوز للمظلوم غيبته والاحوط ـ وجوباـ الاقتصار على ما لو كانت الغيبة بقصد النصح، كما لو استشار شخص في تزويج امراة فيجوز نصحه، ولو استلزم اظهار عيبها بل لا يبعد جواز ذلك ابتداء بدون استشارة إذا علم بترتب مفسدة عظيمة على ترك النصيحة. ومنها: ما لو قصد بالغيبة ردع المغتاب عن المنكر، فيما إذا لم يمكن الردع بغيرها. ومنها: ما لو خيف على الدين من الشخص المغتاب، فتجوز غيبته، لئلا يترتب الضرر الديني. ومنها: جرح الشهود. ومنها: ما لو خيف على المغتاب الوقوع في الضرر اللازم حفظه عن الوقوع فيه، غيبته لدفع ذلك عنه. ومنها: القدح في المقالات الباطلة، وان ادى ذلك إلى نقص في قائلها، وقد صدر من جماعة كثيرة من العلماء القدح في القائل بقلة التدبر، والتامل، وسوء الفهم ونحو ذلك، وكان صدور ذلك منهم لئلا يحصل التهاون في تحقيق الحقائق. عصمنا الله تعالى من الزلل، ووفقنا للعلم والعمل، انه حسبنا ونعم الوكيل. وقد يظهر من الروايات عن النبي والائمة عليهم افضل الصلاة والسلام انه: يجب على سامع الغيبة ان ينصر المغتاب، ويرد عنه. وانه إذا لم يرد خذله الله تعالى في الدنيا والاخرة. وانه كان عليه كوزر من اغتاب.

مسألة 30: ترتفع العدالة بمجرد وقوع المعصية وتعود بالتوبة والندم. وقد مر انه لايفرق في ذلك بين الصغير والكبيرة.

مسألة 31: الاحتياط المذكور في مسائل هذه الرسالة ان كان مسبوقا بالفتوى أو ملحوقا بها فهو استحبابي يجوز تركه، والاتخير العامي بين العمل بالاحتياط والرجوع إلى اخر الاعلم فالاعلم وكذلك موارد الاشكال والتامل، فاذا قلنا: يجوز على اشكال أو على تامل فالاحتياط في مثله استحبابي. وان قلنا: يجب على اشكال، أو على تامل فانه فتوى بالوجوب. وان قلنا المشهور كذا، أو قيل كذا، وفيه تامل، أو فيه اشكال، فاللازم العمل بالاحتياط، أو الرجوع إلى مجتهد اخر.

مسألة 32: ان كثيرا من المستحبات المذكورة في ابواب هذه الرسالة يبتني استحبابها على قاعدة التسامح في ادلة السنن، ولما لم تثبت عندنا الضعف المستند فيتعين الإتيان بها برجاء المطلوبة. وكذا الحال في المكروهات فتترك برجاء المطلوبية، وما توفيقي الا بالله عليه توكلت واليه انيب.