|
الرابع: خيار الغبن
إذا باع بأقل من قيمة المثل، ثبت له الخيار، و كذا إذا اشترى
بأكثر من قيمة المثل، و لايثبت هذا الخيار للمغبون إذا كان عالماً بالحال او كان
قادماً من غير اكتراث فى ناحية القيمة حتى و لو كان اقل مما هو المتعارف علمه.
(مسألة 122) يشترط في ثبوت الخيار للمغبون أن يكون التفاوت
موجباً للغبن عرفاً، بأن يكون مقداراً لايتسامح به عند غالب الناس، فلو كان جزئياً
غير معتد به لقلّته لم يوجب الخيار، وحدّه بعضهم بالثلث و آخر بالربع و ثالث
بالخمس، و لايبعد اختلاف المعاملات في ذلك، فالمعاملات التجارية المبنية
على المماكسة الشديدة يكفي في صدق الغبن فيها العشر بل نصف العشر و أما
المعاملات العادية فلا يكفي فيها ذلك، و المدار على ما عرفت من عدم المسامحة
الغالبية.
(مسألة 123) الظاهر كون الخيار المذكور ثابتاً من حين العقد لا
من حين ظهور الغبن، فلو فسخ قبل ظهور الغبن صح فسخه مع ثبوت الغبن واقعاً.
(مسألة 124) ليس للمغبون مطالبة الغابن بالتفاوت و ترك الفسخ،
لأن مجرد ثبوت الغبن واقعاً للمغبون غير كاف ما لم يحقق موضوع اجراء الفسخ الشرعى و
لذا لو بذل له الغابن التفاوت لم يجب عليه القبول بل يتخير بين فسخ البيع من أصله و
امضائه بتمام الثمن المسمى، نعم لو تصالحا على إسقاط الخيار بمال صح الصلح و سقط
الخيار و وجب على الغابن دفع عوض المصالحة.
يسقط الخيار المذكور بأمور:
الأول: إسقاطه بعد العقد و إن كان قبل ظهور الغبن، و لو أسقطه
بزعم كون التفاوت فاحشا كعشرة فتبين كونه افحش كمائة فإن كان التفاوت بالأقل مثل
العشرة ملحوظاً قيداً بطل الإسقاط و إن كان التفاوت ملحوظاً من قبيل الداعي كما هو
الغالب صح، و كذا الحال لو صالحه عليه بمال.
الثاني: اشتراط سقوطه في متن العقد، و إذا اشترط سقوطه بزعم
كونه عشرة فتبين أنه مائة جرى فيه التفصيل السابق.
الثالث: تصرف المغبون ـ بائعاً كان أو مشترياً فيما انتقل إليه
ـ تصرفاً يدل على الإلتزام بالعقد، هذا إذا كان بعد العلم بالغبن، أما لو كان قبله
فالمشهور المختار عدم السقوط به و لو كان ذلك التصرف موجباً لإتلاف العين او مخرجاً
لها عن الملك او مانعا عن الإسترداد كما فى الجارية.
(مسألة 125) إذا ظهر الغبن للبائع المغبون ففسخ البيع، فإن كان
المبيع موجوداً عند المشتري استرده منه، و إن كان تالفاً بفعله أو بغير فعله رجع
بمثله ان كان موجوداً او بقيمته ان كان قيميّاً، و إن وجده معيباً بفعله أو بغير
فعله أخذه مع ارش العيب، و ان وجده خارجاً عن ملك المشتري ـ بأن نقله إلى غيره بعقد
لازم كالبيع و الهبة المعوضة أو لذي الرحم ـ فالظاهر أنه بحكم التالف فيرجع عليه
بالمثل او بالقيمة و ليس له إلزام المشتري بارجاع العين بشرائها أو استيهابها، بل
لايبعد ذلك لو نقلها بعقد جائز كالهبة و البيع بخيار فلايجب عليه الفسخ و ارجاع
العين، بل لو اتفق رجوع العين إليه بإقالة أو شراء أو ميراث أو غير ذلك بعد دفع
المثل او القيمة لم يجب عليه دفعها إلى المغبون، و اما لو كان رجوع العين اليه قبل
دفع البدل أو قبل فسخ المغبون، كان عليه وجوب ردّ العين نفسها الى الفاسخ المغبون و
لايجتزي بدفع البدل، و إذا كانت العين باقية عند المشتري حين فسخ البائع المغبون
لكنه قد نقل منفعتها الى غيره بعقد لازم كالأجارة اللازمة أو جائز ـ كالإجارة
المشرط فيها الخيار ـ لم يجب عليه الفسخ أو الإستقالة مع إمكانها، بل يدفع العين و
أرش النقصان الحاصل بكون العين مسلوبة المنفعة مدة الاجارة.
(مسألة 126) إذا فسخ البائع المغبون ـ و كان المشتري قد تصرف
في البيع تصرفاً مُغَيِّراً له ـ فإما أن يكون بالنقيصة أو بالزيادة أو بالإمتزاج
بغيره; فإن كان بالنقيصة أخذ البائع من المشتري المبيع مع بدل التالف أرش النقيصة
فى ظرف كون النقيصة حاصلة من زوال الهيئة التركية ان كان لها الدخالة فى زيادة
القيمة و كان التالف قيميّاً او مثليّاً على نحو لا يمكن تدارك تمام النقص و عليه
يدفع قيمة التالف خاصة، و إن كان بالزيادة، فأما أن تكون الزيادة صفة محضة كطحن
الحنطة و صياغة الفضة و قصارة الثوب، و إما أن تكون صفة مشوبة بالعين كصبغ الثوب، و
أما أن تكون عيناً غير قابلة للفصل كسمن الحيوان و نمو الشجرة، أو قابلة للفصل
كالثمرة و البناء و الغرس و الزرع، فإن كانت صفة محضة أو صفة مشوبة بالعين، فإن لم
تكن لها مالية ـ لعدم زيادة قيمة العين بها ـ فالمبيع للبائع و لا شيء للمشتري، و
كذا إن كانت لها مالية و لم تكن بفعل المشتري كما إذا اشترى منه عصاً عوجاء فاعتدلت
او خَلاًَّ قليل الحموضة فزادت حموضته، و إن كانت لها مالية و كانت بفعل المشتري،
فلكون الصفة للمشتري و شركته مع الفاسخ بالقيمة وجه، لكنه ضعيف، و الأظهر أنه لا
شيء للمشتري لكون الشركة انما تحصل بعد الفسخ و بعد عود المبيع، و إن كانت الزيادة
عيناً، فإن كانت غير قابلة للإنفصال كسمن الحيوان و نمو الشجرة فلا شيء للمشتري
أيضاً، و إن كانت قابلة للإنفصال كالصوف و اللبن و الشعر و الثمر و البناء و الزرع
كانت الزيادة للمشتري، و حينئذ فإن لم يلزم من فصل الزيادة ضرر على المشتري حال
الفسخ كان للبائع الزام المشتري بفصلها كاللبن و الثمر، بل له ذلك و إن لزم الضرر
على المشتري من فصلها، و إذا أراد المشتري فصلها فليس للبائع منعه عنه، و إذا أراد
المشتري فصل الزيادة بقلع الشجرة أو الزرع أو هدم البناء فحدث من ذلك نقص على الأرض
تداركه، فعليه طم الحفر و تسوية الأرض و نحو ذلك، و إن كان بالإمتزاج بغير الجنس
فحكمه حكم التالف ـ يُضمّنه المشتري مثله او قيمته ـ سواء أعدّ المبيع مستهلكاً
عرفاً كإمتزاج ماء الورد المبيع بالماء، أم لم يعد مستهلكاً بل عدّ موجوداً على نحو
المزج، مثل خلط الخلّ بالعسل أو السكر فإنّ الفاسخ بفسخه يملك الخَلّ مثلا، و
المفروض أنه لاوجود له و إنما الموجود طبيعة ثالثة حصلت من المزج فلا مناص من
الضمان بالمثل او القيمة، بل الحال كذلك في الخلط بجنسه كخلط السمن بالسمن سواءا
كان الخلط بمثله أم كان بالأجود و الأردأ، فإن اللازم بعد الفسخ ردّ شخص المبيع،
فإن لم يمكن من جهة المزج وجب ردّ قيمته.
(مسألة 127) إذا فسخ المشتري المغبون و كان قد تصرف في المبيع
تصرفاً غير مسقط لخياره لجهله بالغبن، فتصرفه ايضاً تارة لايكون مغيّراً للعين و
أخرى يكون مغيّراً لها بالنقيصة أو الزيادة أو بالمزج، و تأتي فيه الصور المتقدمة و
تجري عليه احكامها، و هكذا لو فسخ المشتري المغبون و كان البائع قد تصرف في الثمن،
أو فسخ البائع المغبون و كان هو قد تصرف في الثمن تصرفاً غير مسقط لخياره، فإن حكم
تلف العين و نقل المنفعة و نقص العين زيادتها و مزجها بغيرها و حكم سائر الصور التي
ذكرناها هناك جار هنا على نهج واحد.
(مسألة 128) الظاهر أن الخيار في الغبن ليس على الفور، ما لم
يخرج عن مساقه العرفى، فلو أخر إنشاء الفسخ عالماً عامداً لإنتظار حضور الغابن أو
حضور من يستشيره فى الفسخ و عدمه و نحو ذلك من الأغراض الصحيحة لم يسقط خياره فضلا
عمّا لو أخره جاهلا بالغبن أو بثبوت الخيار للمغبون، أو غافلا عنه، أو ناسياً له
فيجوز له الفسخ إذا علم أو إلتفت.
(مسألة 129) الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاملة مبنية على
المماكسة صلحاً كانت أو إجارة أو غيرهما.
(مسألة 130) إذا إشترى شيئين صفقة بثمنين ـ كعبد بعشرة و فرس
بعشرة ـ
و كان مغبوناً في شراء الفرس جاز له الفسخ، و يكون للبائع
الخيار في بيع العبد.
و هذا بخلاف ما باع بشرط الاجتماع على نحو صفقة واحدة لم يكن
له التبعيض.
(مسألة 131) إذا تلف ما في يد الغابن بفعله أو بأمر سماوي و
كان قيميّاً ففسخ المغبون رجع عليه بقيمة التالف، و في كونها قيمة زمان التلف، أو
زمان الفسخ، أو زمان الأداء وجوه، أقواها الاول، و لو كان التلف بإتلاف المغبون
لم يرجع عليه بشي، و لو كان بإتلاف أجنبي ففي رجوع المغبون بعد الفسخ على
الغابن أو على الأجنبي أو يتخير في الرجوع على أحدهما وجوه، أقواها الأول، و يرجع
الغابن على الأجنبي، و كذا الحكم لو تلف ما في يد المغبون ففسخ بعد التلف فإنه إن
كان التلف بفعل الغابن لم يرجع على المغبون بشي و إن كان بآفة سماوية او بفعل مغبون
أو بفعل أجنبي، رجع على المغبون بقيمة يوم الفسخ و رجع المغبون على الأجنبي إن كان
هو المتلف. و حكم تلف الوصف الموجب للأرش حكم تلف العين. |