|
الفصل الأوّل:
شروط العقد
البيع هو: نقل المال الى الغير بعوض مالي عرفاً و المراد بالعوض
هو المال الذى يجعل بدلاً عن الطرف الآخر بما لا اعتبار من الخصوصة و لا يتجدّد
بالنقود و انما راجع لأختلاف الظروف و المجتمعات و تطّورها، فالبيع قائم على
العوضية و المعوضية الذى لكشفه مبادلة البائع بما يبذله المشتري من غير تحديد فى
خصوصية المتعاملين و انما يصح حتى فيما بين الوكيلين المعاملة، فمن يبيع السكَّر
مثلا يريد حفظ مالية ماله في الثمن لكن المشتري إنما يطلب السكَّر لحاجته فيه، فإذا
كان الغرض لكلا المتعاملين أمراً واحداً ـ كمبادلة كتاب بكتاب مثلا ـ لم يكن هذا
بيعاً، بل هو معاملة مستقلة.
(مسألة 46) يعتبر في البيع الإيجاب و القبول، و يقع بكل لفظ دال
على المقصود و إن لم يكن صريحاً فيه، مثل: بعت، و ملكت، و بادلت و نحوها في
الإيجاب، و مثل: قبلت، و رضيت، و تملكت، و اشتريت، و نحوها في القبول، و لاتشترط
فيه العربية، كما لايقدح فيه اللحن في المادة أو الهيئة و يجوز إنشاء الإيجاب بمثل:
اشتريت، و ابتعت، و تملكت، و إنشاء القبول بمثل: شريت و بعت و ملّكت.
(مسألة 47) لا يشترط تقدم الإيجاب على القبول فلوتقدم القبول على
الإيجاب جاز ذلك مثل قول المخاطب: بعتك فرسي بهذا الدينار، و يترتب الأثر عليه ـ
بلاحاجة الى ضمّ القبول من الآمر ـ اذا كان للتفاهم منه عرفاً كإعطاء السلعة
للمخاطب فى نقل الدينار الى نفسه و نقل فرسه اليه، و كذلك الحكم في الولي عن
الطرفين أو الوكيل عنهما.
(مسألة 48) يعتبر في تحقّق العقد الموالاة بين الإيجاب و القبول،
فلو قال البائع: بعت، فلم يبادر المشتري إلى القبول حتى انصرف البائع عن البيع لم
يتحقق العقد، ولم يترتب عليه الأثر، أما إذا لم ينصرف و كان ينتظر القبول، حتى
قَبِلَ، صح كما أنه لا تعتبر وحدة المجلس، فلو تعاقدا بالتليفون فأوقع أحدهما
الإيجاب و قبل الآخر، صح أما المعاملة بالمكاتبة، ففيها إشكال، و الأظهر الصحة، إن
لم ينصرف البائع عن بيعه و كان ينتظر القبول.
(مسألة 49) الظاهر اعتبار التطابق بين الإيجاب و القبول في الثمن
و المثمن و سائر التوابع، فلو قال: بعت هذا الفرس بدرهم، بشرط أن تخيط قميصي، فقال
المشتري: اشتريت هذا الحمار بدرهم، أو هذا الفرس بدينار، أو بشرط أن أخيط عباءتك،
أو بلا شرط شيء، أو بشرط أن تخيط ثوبي، أو اشتريت نصفه بنصف دينار، أو نحو ذلك من
أنحاء الإختلاف لم يصح العقد، نعم، لو قال: بعتك هذا الفرس بدينار، فقال: اشتريت كل
نصف منه بنصف دينار صح، و كذا في غيره ممّا كان الإختلاف فيه بالاجمال و التفصيل.
(مسألة 50) إذا تعذر اللفظ لخرس و نحوه قامت الإشارة مقامه و إن
تمكن من التوكيل، و كذا الكتابة مع العجز عن الإشارة، أما مع القدرة عليها ففي
تقديم الإشارة أو الكتابة وجهان بل قولان، و الأظهر الجواز بكل منهما، اذا كان كل
منهما دال على المقصود بل يحتمل ذلك حتى مع التمكن من اللفظ.
(مسألة 51) الظاهر وقوع البيع بالمعاطاة، بأن ينشئ البائع البيع
بإعطائه المبيع إلى المشتري، و ينشىء المشتري القبول بإعطاء الثمن إلى البائع، و لا
فرق في صحتها بين المال الخطير و الحقير، و قد تحصل بإعطاء البائع المبيع و أخذ
المشترى بلا إعطاء منه، كما لو كان الثمن كلّياً في الذمة، أو بإعطاء المشتري الثمن
و أخذ البائع له بلا إعطاء منه، كما لو كان المثمن كلياً في الذمة.
(مسألة 52) الظاهر أنه يعتبر في صحة البيع المعاطاتي جميع ما
يعتبر في البيع العقدي من شرائط العقد و العوضين و المتعاقدين، كما أن الظاهر ثبوت
الخيارات ـ الآتية إن شاء الله تعالى ـ على نحو ثبوتها في البيع العقدي.
(مسألة 53) الظاهر جريان المعاطاة في غير البيع من سائر
المعاملات بل الإيقاعات إلا في موارد خاصة، كالنكاح و الطلاق و العتق و التحليل و
النذر و اليمين، و الظاهر جريانها في الرهن و الوقف أيضاً.
(مسألة 54) في قبول البيع المعاطاتي للشرط ـ سواءاً كان شرط خيار
في مدة معينة، أم شرط فعل، أم غيرهما ـ اشكال، و إن كان القبول لا يخلو من وجه، فلو
اعطى كل منهما ماله الى الآخر قاصدين البيع و قال أحدهما في حال التعاطي: جعلت لي
الخيار إلى سنة ـ مثلاً و قبل الآخر ـ صح شرط الخيار، و كان البيع خيارياً. و كذا
اذا ذكر الشرط فى المقاولة و وقع التعاطى مبنيّاً عليه في حال تحقّق الناظرية
المبنية للشرط فى المقاولة.
(مسألة 55) لا يجوز التعليق في البيع مطلقاً سواءاً علم حصوله
بعد ذلك
ـ كما إذا قال: بعتك إذا هلّ الهلال ـ أم جهل حصوله ـ كما لو
قال: بعتك إذا ولد لي ولد ذكر ـ ولا على أمر مجهول الحصول حال العقد او معلوم.
(مسألة 56) إذا قبض المشتري ما اشتراه بالعقد الفاسد، فإن علم
برضا البائع بالتصرف فيه حتى مع فساد العقد جاز له التصرف فيه و إلاّ وجب عليه رده
إلى البائع، و إذا تلف ـ و لو من دون تفريط ـ فهو ضامن، و وجب عليه رد مثليّاً ان
كان مثلها و قيمته. إن كان قيمياً، و كذا الحكم في الثمن إذا قبضه البائع بالبيع
الفاسد، و إذا كان المالك مجهولا جرى عليه حكم المال المجهول مالكه، و ان كان هناك
فرق بين العلم بالحكم و الجهل به، و لو باع أحدهما ما قبضه كان البيع فضولياً و
توقّفت صحته على إجازة المالك، و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
|