كتاب المضاربة

يراد بالمضاربة لغة ضرب العامل فى الأرض لقصد التجارة و طلب الربح و هى من المفاعلة. فعند العراق تسمى مضاربة و عند الحجاز تسمّى قراضاً بمعنى القطع، حيث ان صاحب المال اقتطع قطفه و سلمها للعامل لقصد الربح.

المضاربة: هي أن يدفع الإنسان مالا إلى غيره ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك.

و يشترط فيها أمور:

(الأول) : الإيجاب و القبول، و يكفي فيهما كل ما يدلّ عليهما من لفظ أو فعل أو نحو ذلك و لايعتبر فيهما العربية و لا الماضوية.

(الثاني) : البلوغ و العقل و الإختيار في كل من المالك و العامل.

و يعتبر في المالك عدم الحجر لفلس او سفه، و اما العامل فلايعتبر كونه مفلساً، و اما السفيه ففي صحة المضاربة معه اشكال.

(الثالث) : تعيين حصة كل منهما من نصف أو ثلث أو نحو ذلك إلا أن يكون هناك تعارف خارجي ينصرف إليه الإطلاق.

(الرابع) : أن يكون الربح بينهما، فلو شرط مقدار منه لأجنبي لم تصح المضاربة إلا اذا اشترط عليه عمل متعلق بالتجارة.

(الخامس) : أن يكون العامل قادراً على التجارة فيما كان المقصود مباشرته للعمل، فاذا كان عاجزاً عنه لم تصح.

هذا إذا أخذت المباشرة قيداً، و أما إذا كانت شرطاً لم تبطل المضاربة و لكن يثبت للمالك الخيار عند تخلف الشرط. و أما إذا لم يكن لاهذا و لاذاك و كان العامل عاجزاً عن التجارة حتى مع الإستعانة بالغير بطلت المضاربة. و لافرق في البطلان بين تحقق العجز من الأول و طروه بعد حين، فتنفسخ المضاربة من حين طروّ العجز.

(السادس) : ان يؤخذ المال بعنوان الإسترباح لقصد المضاربة فلو أخذ بقصد استرباحه للزراعة و نحوها لم تكن مضاربة.

(مسألة 531) الأقوى صحة المضاربة بغير الذهب و الفضة المسكوكين بسكة المعاملة من الاوراق النقدية و نحوها، و في صحتها بالمنفعة اشكال، و أما الدين فلاتصح المضاربة فيه.

(مسألة 532) لا يعتبر في صحة المضاربة ان يكون المال بيد العامل، فلو كان بيد المالك و تصدى العامل للمعاملة صحت.

(مسألة 533) مقتضى عقد المضاربة الشركة في الربح، و يكون لكل من العامل و المالك ما جعل له من الحصة نصفاً أو ثلثاً أو نحو ذلك، و اذا وقع فاسداً كان للعامل اجرة المثل و للمالك تمام الربح.

(مسألة 534) يجب على العامل ان يقتصر على التصرف المأذون فيه فلايجوز التعدي عنه، فلو أمره ان يبيعه بسعر معين او بلد معين او سوق معين أو جنس معين فلايجوز التعدي عنه، و لو تعدى إلى غيره لم ينفذ تصرفه و توقف على إجازة المالك.

(مسألة 535) لايشترط في صحة المضاربة أن يكون المال معلوماً قدراً و وصفاً و لكن يعتبر ان يكون معيناً، فلو أحضر المالك مالين و قال: قارضتك بأحدهما لايخلو من اشكال و ان كان مقتضى الإحتياط التعيين.

(مسألة 536) لاخسران على العامل من دون تفريط، و إذا اشترط المالك الخسران على العامل او الخسارة عليهما كالربح في ضمن العقد فالظاهر بطلان المعاملة، نعم لو اشترط على العامل ان يتدارك الخسارة من كيسه اذا وقعت صح ولابأس به.

(مسألة 537) إذا كان لشخص مال موجود في يد غيره أمانة أو غيرها فضاربه عليه صح.

(مسألة 538) إذا كان المال في يده غصباً أو لغيره مما تكون اليد فيه يد ضمان فضاربه عليه، فهل يرتفع الضمان بذلك أم لا؟ قولان، الأقوى هو الأول; و ذلك لأن عقد المضاربة في نفسه و إن لم يقتض رضا المالك ببقاء المال في يده ـ لما عرفت من انه لايعتبر في صحته كون المال بيد العامل ـ إلا أن عقد المضاربة من المالك على ذلك المال قرينة على رضاه ببقاء هذا المال في يده و تصرفه فيه.

نعم إذا لم تكن قرينة على ذلك لم يرتفع الضمان.

(مسألة 539) عقد المضاربة جائز من الطرفين فيجوز لكل منهما فسخه، سواءاً كان قبل الشروع في العمل أم بعده، كان قبل تحقق الربح أو بعده، كما انه لافرق في ذلك بين كونه مطلقاً أو مقيداً إلى أجل خاص.

(مسألة 540) لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر لنفسه أو غيره الا مع الاذن المالك عموماً كأن يقول له اعمل فى كل ما ترى فيه مصلحة او خصوصاً، و عليه فلو خلط بدون إذنه ضمن ما تلف تحت يده من ذلك المال و لكن هذا لايضر بصحة المضاربة بل هي باقية على حالها و الربح بينهما بالنسبة.

(مسألة 541) مع اطلاق عقد المضاربة يجوز للعامل التصرف حسب ما يراه مصلحة من حيث البائع و المشتري و نوع الجنس، نعم لايجوز له ان يسافر به من دون إذن المالك إلا اذا كان هناك تعارف ينصرف الإطلاق إليه، و عليه فلو خالف و سافر و تلف المال ضمن.

و كذا الحال في كل تصرف و عمل خارج عن عقد المضاربة.

(مسألة 542) كما أنه مع إطلاق العقد يجوز البيع حالا و نسيئةً إذا كان البيع نسيئة أمراً متعارفاً في الخارج يشمله الإطلاق، و أما اذا لم يكن امراً متعارفاً فلايجوز بدون الاذن الخاص.

(مسألة 543) لو خالف العامل المضارب و باع نسيئة بدون إذنه، فان اجاز المالك صح البيع و الاّ بطل، سواء اطلع قبل استيفاء الثمن او بعده.

(مسألة 544) اطلاق العقد لايقتضي بيع الجنس بالنقد، بل يجوز بيع الجنس بجنس آخر ايضاً، نعم لو كان الجنس من الأجناس التي لارغبة للناس فيها أصلا فعندئذ لا يجوز ذلك لإنصراف الإطلاق عنه.

(مسألة 545) يجب على العامل بعد عقد المضاربة العمل بما يعتاد بالنسبة اليه، و عليه ان يتولى ما يتولاه التاجر لنفسه من الأمور المتعارفة في التجارة اللائقة بحاله، فيجوز له استئجار من يكون متعارفاً استئجاره كالدلاّل و الحمّال و الوزّان و الكيّال و المحل و ما شاكل ذلك.

و من هنا يظهر انه لو استأجر فيما كان المتعارف مباشرته فيه بنفسه فالأجرة من ماله لا من الوسط، كما انه لو تولى ما يتعارف عليه الإستئجار جاز له ان يأخذ الأجرة ان لم يتصد له مجاناً.

(مسألة 546) نفقة سفر العامل من المأكل و المشرب و الملبس و المسكن و أجرة الركوب و غير ذلك مما يصدق عليه النفقة من رأس المال اذا كان السفر بإذن المالك و لم يشترط نفقته عليه. و كذلك الحال بالإضافة إلى كل ما يصرفه من الأموال في طريق التجارة. نعم ما يصرفه مما لاتتوقف عليه التجارة فعلى نفسه. و المراد من النفقة هي اللائقة بحاله، فلو أسرف حسب عليه، نعم لو قتَّر على نفسه أو حلّ ضيفاً عند شخص لايحسب له.

(مسألة 547) إذا كان شخص عاملا لإثنين أو أكثر أو عاملا لنفسه و لغيره ففي توزيع النفقة على نسبة العملين او على نسبة المالين قولان.

(مسألة 548) لايشترط في استحقاق العامل النفقة تحقق الربح بل ينفق من أصل المال، نعم إذا حصل الربح بعد هذا تحسب منه و يعطى المالك تمام رأس ماله ثم يقسّم الربح بينهما.

(مسألة 549) إذا مرض العامل في السفر، فإن لم يمنعه من شغله فله أخذ النفقة، نعم ليس له أخذ ما يحتاج إليه للبرء من المرض، و أما إذا منعه عن شغله فليس له أخذ النفقة.

(مسألة 550) إذا فسخ العامل عقد المضاربة في أثناء السفر أو انفسخ فنفقة الرجوع عليه لاعلى المال المضارب به.

(مسألة 551) إذا اختلف المالك و العامل في انها مضاربة فاسدة أو قرض(1) و لم يكن هناك دليل معين لأحدهما فقد يكون الاختلاف من جهة أن العامل يدعي القرض ليكون الربح له و المالك يدعي المضاربة لئلا يكون عليه غير أجرة المثل و يكون الربح له، ففي مثل ذلك يتوجه الحلف على المالك و بعده يحكم بكون الربح للمالك، و ثبوت أجرة المثل للعامل.

و قد يكون من جهة أن المالك يدعي القرض لدفع الخسارة عن نفسه أو لعدم اشتغال ذمته للعامل بشيء و العامل يدعي المضاربة الفاسدة فيحكم فيه بعد التحالف بكون الخسارة على المالك و عدم اشتغال ذمته للعامل.

هذا اذا كان الإختلاف بينهما في كونها مضاربة فاسدة أو قرضاً، و اما إذا كان الإختلاف بينهما في انها مضاربة فاسدة أو بضاعة فالظاهر في هذه الصورة ان يكون الربح تماماً للمالك بعد حلف الملك و لا يكون للعامل إلا أجرة المثل.

(مسألة 552) يجوز أن يكون المالك واحداً و العامل متعدداً، سواءاً كان المال أيضاً واحداً أم كان متعدداً، و سواءاً كان العمال متساوين في مقدار الجعل في العمل أم كانوا متفاضلين. و كذا يجوز أن يكون المالك متعدداً و العامل واحداً.

(مسألة 553) إذا كان المال مشتركاً بين شخصين و قارضا واحداً و اشترطا له النصف و تفاضلا في النصف الآخر على نحو ان يكون لإحدهما اكثر من الآخر مع تساويهما في رأس المال، أو تساويا فيه بأن كانت حصة كل منهما مساوية لحصة الآخر مع تفاضلهما فى رأس المال فالظاهر بطلان المضاربة إذا لم تكن الزيادة في مقابل عمل.

نعم لو كان المقصود من ذلك النقص على حصة العامل; بمعنى ان أحدهما قد جعل للعامل في العمل بماله أقلّ مما جعله الآخر، مثلا جعل أحدهما له ثلث ربح حصته و جعل الآخر له ثلثي ربح حصته صحت المضاربة.

(مسألة 554) تبطل المضاربة بموت كل من المالك و العامل، و يكون ذلك على نحو الإنفساخ القهرى، اما على الأول فلفرض انتقال المال إلى وارثه بعد موته فابقاء المال بيد العامل يحتاج إلى مضاربة جديدة; و أما على الثاني فلفرض اختصاص الإذن به.

(مسألة 555) لايجوز للعامل أن يُوَكِّل وكيلا فى عمله أو يستأجر شخصاً إلا بأذن المالك، كما لايجوز أن يضارب غيره الا بأذنه، فلو فعل ذلك بدون إذنه و تلف ضمن.

نعم لابأس بالاستئجار او التوكيل في بعض المقدمات على ما هو المتعارف في الخارج عادة المنصرف اليه الإطلاق.

(مسألة 556) يجوز لكل من المالك و العامل ان يشترط على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالا او عملا ـ كخياطة ثوب او نحوها ـ او ايقاع بيع او صلح أو وكالة أو قرض أو نحو ذلك، و يجب الوفاء بهذا الشرط سواءاً تحقق الربح بينهما أم لم يتحقق، و سواءاً كان عدم تحقق الربح من جهة مانع خارجي أم من جهة ترك العامل العمل بالتجارة.

(مسألة 557) مقتضى عقد المضاربة خارجاً ملكية العامل لحصته من حين ظهور الربح و لاتتوقف على الانضاض(2)او القسمة.

نعم لو عرض بعد ذلك خسران أو تلف يجبر به إلى أن تستقر ملكية العامل من قبل فعلية الربح.

و هل يكفي في الإستقرار قسمة تمام الربح و المال بينهما فحسب من دون فسخ المضاربة خارجاً أم لا يكفي؟ وجهان، الظاهر هو الأول لأن القسمة فسخ فعلي.

و عليه فلا يكون التلف بعد القسمة محسوباً من الربح.

(مسألة 558) إذا ظهر الربح و تحقق في الخارج فطلب احدهما قسمته فإن رضي الآخر فلامانع من حصول القسمة و ان لم يرض قيل ان كان هو المالك فليس للعامل إجباره عليها، و إن كان هو العامل فالظاهر أن للمالك إجباره عليها، و لكن الفرق بينهما مشكل.

(مسألة 559) إن اقتسما الربح ثم عرض الخسران; فإن حصل بعده ربح جبر به اذا كان بمقداره أو أكثر، و اما إذا كان أقلّ منه وجب على العامل ردّ أقل الأمرين من مقدار الخسران و ما أخذه من الربح. و اذا اشترط العامل على المالك فى عقد المضاربة عدم كون الربح جابراً للخسران المتقدم على الربح او المتأخر عنه فالقول بالصحة لايخلو من وجه.

(مسألة 560) إذا باع العامل حصته من الربح أو وهبها أو نحو ذلك ثم طرأت الخسارة على مال المضاربة وجب على العامل دفع أقلّ الأمرين من قيمة ما باعه أو وهبه و مقدار الخسران.

و لا يكشف الخسران اللاحق عن بطلان البيع أو الهبة أو نحوهما، بل هو في حكم التلف

(مسألة 561) لافرق في جبر الخسارة بالربح بين الربح السابق و اللاحق ما دام عقد المضاربة باقياً، بل الأظهر الجبر و إن كانت الخسارة او التلف قبل الشروع في التجارة كما إذا سرق في أثناء سفر التجارة قبل الشروع فيها أو في البلد قبل الشروع في السفر، هذا في تلف البعض، و اما لو تلف الجميع قبل الشروع في التجارة فالظاهر انه موجب لبطلان المضاربة، هذا في التلف السماوي.

و اما إذا أتلفه العامل أو الأجنبي فقيل المضاربة لاتبطل إذا أدى المتلف بدل التالف، و عليه يمكن القول بعدم بطلان المضاربة بعد الضمان.

(مسألة 562) فسخ عقد المضاربة او انفساخه تارة يكون قبل الشروع في العمل فليس لكل واحد منهما على الآخر شيء، و اخرى يكون بعده و قبل ظهور الربح فحينئذ ان كان الفسخ من العامل فكذلك، و اما ان كان حدوث الفسخ من قبل المالك بامكان المالك اخذ رأس ما له و لا شىء للعامل و لاعليه شيء.

(مسألة 563) لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك و صرف مقدار من رأس المال فى نفقته فالإحتياط فى هذه الصورة بإرضاء المالك لا يترك.

(مسألة 564) إذا كان الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح فإن رضي كل من المالك و العامل بالقسمة فلاكلام و ان لم يرض أحدهما أجبر عليها.

(مسألة 565) إذا كانت في مال المضاربة ديون فهل يجب على العامل أخذها بعد الفسخ أو الإنفساخ أو لا؟ و جهان مقتضى الإحتياط اجابة المالك لو طلب منه ذلك.

(مسألة 566) لايجب على العامل بعد الفسخ إلا التخلية بين المالك و بين ماله، و أما الإيصال إليه فلا يجب إلا إذا أرسله إلى بلد آخر فعندئذ الأظهر وجوب الرد إلى بلده.

(مسألة 567) إذا اختلف المالك و العامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل بأن ادعى المالك الزيادة و أنكرها العامل، قدِّم قول العامل مع يمينه إذا لم تكن للمالك بيّنة عليها.

و لافرق في ذلك بين كون رأس المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل.

(مسألة 568) إذا اختلفا في مقدار نصيب العامل; بأن يدعي المالك الأقل و العامل يدعي الأكثر فالقول قول المالك.

(مسألة 569) إذا ادعى المالك على العامل الخيانة و التفريط فالقول قول العامل.

(مسألة 570) لو ادعى المالك على العامل أنه شرط عليه بأن لايشترى الجنس الفلاني أو لايبيع من فلان أو نحو ذلك و العامل ينكره فالقول قول المالك، فإن الشك يرجع إلى أن المالك هل أذن فيما يدعيه العامل أم لا؟ و الأصل عدمه.

(مسألة 571) لو ادعى العامل التلف و أنكره المالك قُدِّم قول العامل، و كذا الحال اذا ادعى الخسارة او عدم الربح او عدم حصول المطالبات مع فرض كونه مأذوناً في المعاملات النسيئة.

(مسألة 572) لافرق في سماع قول العامل في هذه الفروض بين أن تكون الدعوى قبل فسخ المضاربة أو بعده بل الأظهر سماع قوله حتى فيما إذا ادعى بعد الفسخ التلف بعده.

(مسألة 573) إذا مات العامل و كان عنده مال المضاربة فإن كان معلوماً بعينه فلا كلام، و إن علم بوجوده في التركة من غير تعيين فيأخذ المالك مقدار ماله منها و لايكون المالك شريكاً مع الورثة بالنسبة على الأظهر الأقوى.

(مسألة 574) إذا كان رأس المال مشتركاً بين شخصين فضاربا واحداً ثم فسخ أحد الشريكين دون الآخر فالظاهر بقاء عقد المضاربة بالإضافة إلى حصة الآخر.

(مسألة 575) إذا أخذ العامل مال المضاربة و أبقاه عنده و لم يتجّر به إلى مدة قليلة أو كثيرة لم يستحق المالك عليه غير أصل المال، و إن كان عاصياً في تعطيل مال الغير.

(مسألة 576) إذا اشترط العامل على المالك في عقد المضاربة عدم كون الربح جابراً للخسران المتقدم على الربح أو المتأخر عنه فالظاهر الصحة.