الفصل الثالث

شروط العوضين

يشترط في المبيع أن يكون عيناً، سواءاً كان موجوداً في الخارج أم في الذمة، و سواءاً كانت الذمة ذمة البائع أم غيره، كما إذا كان له مال في ذمة غيره فباعه لشخص ثالث، فلا يجوز بيع المنفعة ـ كمنفعة الدار ـ و لابيع العمل ـ كخياطة الثوب ـ و لابيع الحق كحق التحجير على اشكال فيه ـ و أمّا الثمن فيجوز أن يكون عيناً أو منفعة أو عملا.

(مسألة 81) الذى عليه المشهور ـ اعتبار أن يكون المبيع و الثمن مالا يتنافس فيه العقلاء، فكل ما لايكون مالا ـ كبعض الحشرات ـ لايجوز بيعه و لا جعله ثمناً ما لم يكن فيه منفعة محللة مقصودة كالتعامل على بعض الحشرات للتداوي.

(مسألة 82) بعض الحقوق التى تكون متعلقة بالأفعال فلا يمكن ان تكون مبيعاً، لانها ليست عيناً و حذف بعضها قابل لأن تكون ثمناً و صالحاً للإنتقال كحق الخيار فيصح جعله ثمناً، و اما ما لايقبل من الحقوق النقل و الأنتقال فيمكن ان يجعل اسقاطه ثمناً.

(مسألة 83) يشترط في البيع أن لايكون غررياً، و تكفي المشاهدة فيما تعارف بيعه بالمشاهدة، ولاتكفي في غير ذلك، بل لابدّ أن يكون مقدار كل من العوضين المتعارف تقديره به عند البيع، من كيل أو وزن، أو عد، أو مساحة معلوماً، ولابأس بتقديره بغير المتعارف فيه عند البيع، كبيع المكيل بالوزن، و بالعكس اذا لم يكن البيع غررياً، و اذا كان الشي ممّا يباع في حال بالمشاهدة، و في حال أخرى بالوزن أو الكيل، كالثمر يُباع على الشجر بالمشاهدة، و في المخازن بالوزن، و الحطب محمولا على الدابّة بالمشاهدة و في المخزن بالوزن، و اللبن المخيض يباع في السقاء بالمشاهدة و في المخازن بالكيل فصحة بيعه مقدّراً أو مشاهداً تابعة للمتعارف.

(مسألة 84) يكفي في معرفة التقدير إخبار البائع بالقدر، كيلا أو وزناً أو عدّاً، ولافرق بين عدالة البائع و فسقه، و الأحوط اعتبار حصول اطمئنان المشتري بإخباره، و لو تبيّن الخلاف بالنقيصة، كان المشتري بالخيار بين الفسخ و الإمضاء بتمام المبيع، او يرجع المشتري على البائع بثمن النقيصة في الأول و تكون الزيادة للبائع في الثاني.

(مسألة 85) لابدّ في مثل القماش و الأرض و نحوهما ـ ممّا يكون تقديره بالمساحة دخيلا في زيادة القيمة ـ معرفة مقداره، و لا يكتفي في بيعه بالمشاهدة إلاّ إذا كانت المشاهدة رافعة للغرر، كما هو الغالب في بيع الدور و الفرش و نحوهما.

(مسألة 86) إذا اختلفت البلدان في تقدير شيء، بأن كان موزوناً في بلد، و معدوداً في آخر، و مكيلا في ثالث، فالظاهر أن المدار في التقدير بلد المعاملة، و لكن يجوز البيع بالتقدير الآخر أيضاً إذا لم يكن فيه غرر و اذا حصل الإختلاف فى نفس البلاد فيرجع فيه الى ما هو الغالب.

(مسألة 87) قد يؤخذ الوزن شرطاً في المكيل أو المعدود، أو الكيل شرطاً في الموزون، مثل أن يبيعه عشرة أمنان من الدبس بشرط أن يكون كيلها صاعاً، فيتبيّن أن كيلها أكثر من ذلك لرقة الدبس، أو يبيعه عشرة أذرع من قماش، بشرط أن يكون وزنها ألف مثقال، فيتبيّن أن وزنها تسعمائة، لعدم إحكام النسج، أو يبيعه عشرة أذرع من الكتان بشرط أن يكون وزنه مائة مثقال، فيتبيّن أن وزنه مائتا مثقال لغلظة خيوطه و نحو ذلك، ممّا كان التقدير فيه ملحوظاً صفة كمال للمبيع لامقوّماً له، و الحكم أنه مع التخلّف بالزيادة او النقيصة، يكون الخيار للمشتري، لتخلّف الوصف، فإن امضى العقد كان عليه تمام الثمن.

(مسألة 88) يُشترط معرفة جنس العوضين و صفاتهما التي تختلف القيمة باختلافها، كالألوان و الطعوم، و الجودة و الرداءة، و الرقة و الغلظة، و الثقل و الخفّة، و نحو ذلك ممّا يوجب اختلاف القيمة، أمّا ما لايوجب اختلاف القيمة منها فلا تجب معرفته، و إن كان مرغوباً عند قوم، و غير مرغوب عند آخرين، و المعرفة إمّا بالمشاهدة، أو بتوصيف البائع، أو بالرؤية السابقة.

(مسألة 89) يُشترط أن يكون كل واحد من العوضين ملكاً، مثل أكثر البيوع الواقعة بين الناس، أو ما هو بمنزلته، كبيع الكلي في الذمّة، و لا يجوز بيع ما ليس كذلك مثل بيع السمك فى الماء و الطير فى الهواء و شجر البيداء قبل أن يحاز. و اما بيع مال شخصي مختص بجهة من الجهات فانه جائز مثل بيع ولي الزكاة بعض أعيان الزكاة و شرائه العلف لها.

(مسألة 90) يصح للراهن بيع العين المرهونة بإذن المرتهن، و كذلك لو أجازه بعد وقوعه، و الأظهر عدم صحة البيع مع عدم إجازته.

(مسألة 91) لايجوز بيع الوقف إلاّ في موارد:

منها: أن يخرب بحيث لايمكن الإنتفاع به مع بقاء عينه، كالحيوان المذبوح، و الجذع البالي، و الحصير المخرق.

و منها: أن يخرب على نحو يسقط عن الإنتفاع المعتد به، مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفاً.

و منها: ما إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر، من قلّة المنفعة، أم كثرة الخراج، أو كون بيعه أنفع، أو احتياجهم الى عوضه، أو نحو ذلك.

و منها: ما إذا وقع الإختلاف الشديد بين الموقوف عليهم، بحيث لايؤمن معه من تلف النفوس و الأموال.

و منها: ما لو علم ان الواقف لاحظ في قوام الوقف عنواناً خاصاً في العين الموقوفة، مثل كونها بستاناً، أو حماماً فبزوال ذلك العنوان، يجوز البيع ـ حينئذ ـ و إن كانت الفائدة باقية بحالها أو أكثر بقصد الجهة العنوانية فى نظر الواقف، فاذا زالت جاز له بيع الوقف.

و منها: ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدّي بقاؤه الى الخراب المسقط له عن المنفعة المعتدّ بها عرفاً، و اللاّزم حينئذ تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء.

(مسألة 92) ما ذكرناه من جواز البيع في الصور المذكورة لايجري فى المساجد، فإنّها لايجوز بيعها على كل حال، نعم يجري في مثل الخانات الموقوفة للمسافرين، و كتب العلم و المدارس و الرباطات الموقوفة على الجهات الخاصة.

(مسألة 93) إذا جاز بيع الوقف، فإن كان من الأوقاف غير المحتاجة الى المتولي كالوقف على الأشخاص المعينين لم تحتج الى إجازة غيرهم، و إلاّ فإن كان له متولّ خاص فاللاّزم مراجعته، و يكون البيع بإذنه، و إلاّ فالأحوط مراجعة الحاكم الشرعي و الاستئذان منه في البيع، كما أن الأحوط أن يشتري بثمنه ملكاً، و يوقف على النهج الذي كان عليه الوقف الأول، من غيرالإشتراط في الوجود الكمّى و الكيفى، نعم لو خرب بعض الوقف، جاز بيع ذلك البعض و صرف ثمنه في مصلحة المقدار العامر، أو في وقف آخر إذا كان موقوفاً على نهج وقف الخراب، و إذا خرب الوقف و لم يمكن الإنتفاع به و أمكن بيع بعضه و تعمير الباقي بثمنه، فالأحوط الإقتصار على بيع بعضه و تعمير الباقي بثمنه.

(مسألة 94) لايجوز بيع الأرض الخراجية، و هي: الأرض المفتوحة عنوة العامرة حين الفتح ـ لا بالإصالة ـ فإنها ملك للمسلمين من وجد و من يوجد، و لافرق بين أن تكون فيها أثار مملوكة للبائع من بناء أو شجر أو غيرهما و أن لاتكون، بل الظاهر عدم جواز التصرّف فيها إلاّ بإذن الحاكم الشرعي، إلاّ أن تكون تحت سلطة السلطان المدعي للخلافة العامة، فيكفي الاستئذان منه، بل في كفاية الاستئذان من الحاكم الشرعي ـ حينئذ ـ إشكال، و لو ماتت الأرض العامرة ـ حين الفتح ـ فلا يبعد أنها تملك بالإحياء، أمّا الأرض الميتة في زمان الفتح، فهي ملك للإمام (عليه السلام)، و إذا أحياها أحد ملكها بالإحياء، مسلماً كان المحيي أو كافراً، و ليس عليه دفع العوض، و إذا تركها حتى ماتت فهي على ملكه، لكنّه إذا ترك زرعها و أهملها و لم ينتفع بها بوجه، جاز لغيره زرعها، و هو أحق بها منه، و إن كان الأحوط استحباباً عدم زرعها بلا إذن منه إذا عرف مالكها، إلاّ إذا كان المالك قد أعرض عنها، بلافرق بين الإعراض الإختيارى او القهرى و إذا أحياها السلطان المدعي للخلافة على أن تكون للمسلمين لحقها حكم الأرض الخراجية.

(مسألة 95) في تعيين أرض الخراج إشكال، و قد ذكر العلماء و المؤرخون مواضع كثيرة منها، و إذا شك في أرض أنها كانت ميتة أو عامرة ـ حين الفتح ـ تحمل على أنها كانت ميتة، فيجوز إحياؤها و تملّكها إن كانت حيّة، كما يجوز بيعها و غيره من التصرّفات الموقوفة على الملك.

(مسألة 96) يُشترط في كل من العوضين أن يكون مقدوراً على تسليمه فلايجوز بيع الجمل الشارد، أو الطير فى الهواء، أو السمك في الماء، و لافرق بين العلم بالحال و الجهل بها، و لو باع العين المغصوبة ـ و كان المشتري قادراً على أخذها من الغاصب ـ صح، كما أنه يصح بيعها على الغاصب أيضاً، و إن كان البائع لايقدر على أخذها منه ثم دفعها إليه، و إذا كان المبيع ممّا لايستحق المشتري أخذه ـ كما لو باع مَن ينعتق على المشتري ـ صح، و إن لم يقدر على تسليمه.

(مسألة 97) لو علم من نفسه القدرة على التسليم، فباع فانكشف الخلاف بطل، و لو علم العجز عنه فانكشف الخلاف فالظاهر الصحة.

(مسألة 98) لو انتفت القدرة على التسليم في زمان استحقاقه، لكن علم بحصولها بعده، فإن كانت المدة يسيرة صح، و إذا كانت طويلة لايتسامح بها، فإن كانت مضبوطة كسنة أو أكثر، فالظاهر الصحة مع علم المشتري بها و كذا مع جهله بها، لكن يثبت الخيار للمشتري، و إن كانت غير مضبوطة فالمشهور هو البطلان، كما لو باعه دابة غائبة يعلم بحضورها لكن لايعلم زمانه.

(مسألة 99) إذا كان العاقد هو المالك، فالإعتبار بقدرته، و إن كان وكيلا في إجراء الصيغة فقط، فالإعتبار بقدرة المالك، و إن كان وكيلا في المعاملة كعامل المضاربة، فالإعتبار بقدرته أو قدرة المالك فيكفي قدرة أحدهما على التسليم في صحة المعاملة، فإذا لم يقدرا بطل البيع.

فرع ـ يجوز بيع غير المقدور تسليمه مع الضميمة، اذا كانت ذات قيمة معتدبها.