عنوان خطب صلاة الجمعة

(( اضطرار الداعين ))
 

يقع الكلام تارة في مفهوم الدعاء وأخرى في فلسفة الدعاء وثالثة في علاقة الدعاء بين الداعي والمدعو ورابعة في حال اضطرار الداعي والتجائه عند خضوعه وتذله لله وانكساره أما بالنسبة إلى مفهوم الدعاء فيراد به معنى الطلب من السافل إلى العالي عندما يكون الداعي في مورد الحاجة وطلب المسألة منه إلى ربه فيعطى في نفسه حاله التذلل والخضوع وأما الكلام في فلسفة الدعاء فيكون النظر الى الدعاء على أساس انعكاس النفس في مقام التوجه نحو المدعو بأن بيده كل شيء من حيث الفيض في الوجود والعطاء المطلق وإنما يريد منه سبحانه أن لا يغلق باب رحمته منه ويفيض عليه من ذلك العطاء على طبق استعداده ولكن الداعي قد يلتمس الرحمة والغفران وأن ينشر عليه رحمته من فيض وجوده اللامتناهي وهذا يخص ذاته المقدسة و مؤدى الدعاء إلى الداعي وهذا يرتبط بمقام الحاجة في الطلب والاحتياج في مورد الفقر إليه وأما بالنظر إلى حقيقة الدعاء ، فيكشف عن حالة التعلق والاندكاك بين الداعي والمدعو وأن من كمال الداعي أن يكون في مقام الخشوع والخضوع والطاعة الى من له أهلية الخشوع والتذلل وعليه يمكن أن يتحدد الدعاء في الجانب الفلسفي إن الداعي يكشف عن الرابطة والصلة اولاً بينه وبين المدعو وأنه كلما قويت الصلة والتعلق الحقيقي أصبح الداعي يكون مثالا حقيقيا لتلك الصورة التي رسمت في مثال الله وهو مثال الله في أرضه يقول للشيء كن فيكون وثانياً أن ما يقوم به شخصية الداعي في مقام الاستجابة من الله إليه يخلق حالة المآنسة واللطافة بين نفسية الداعي مع نفسية المدعو وذلك عندما يجد المدعو مقدار ذلك الصفاء والشوق في مرحلة الداعية إلى الله .

وثالثا أن ما ينبعث في حقيقة الداعي في تأثيره بمجرد الدعاء أن يكون قد طوى مراحل من العروج والسفر من الخلق إلى الحق وأصبح لا ينظر إلا إليه سبحانه .

ورابعا يكون مورد الاستجابة قد يكون أمرا فوري المصلحة الفعلية في مقام علمه تعالى وقد تكون الاستجابة متأخرة الوقوع ولكنها قد تقع بعد فترة وقد تكون الاستجابة لا تتحقق في عالم الدنيا وإنما أرجعت إلى عالم الآخرة لمصلحة عائدة للداعي ولذا ورد في مضمون الحديث أن العبد عندما يجد ثوابا كثيرا فيقول العبد لربه ما هذا فأنا لم أعمل ذلك فيقال أن ذلك ثواب دعائك الذي لم يستجب لك الدعاء فيتمنى أن في ذلك الوقت أن كل دعواته لم تستجب لعدم معرفته بالمصالح الواقعة.

وعليه فاستجابة الدعاء ليس من شروط الدعاء وان قال الله سبحانه وتعالى إدعوني أستجب لكم ولكن قد تكون الاستجابة مقرونة بشروط تختص تارة في حقيقة الدعاء وقد تختص بالزمان والمكان والظروف الملائمة وقد تكون الاستجابة متأخرة لمصالح متعلقة بملاكاته.

وأما بالنسبة إلى تعلق الدعاء بالداعي فقد اتضح بما حررنا أن يكون العبد عبد من نفسه أنه عبد حقيقي أمام المولى الحقيقي ولا يكون إلا لمن انطوى لديه مقام سير العبودية كما سار عليه رسول الله(ص) فانه العبد الحقيقي وعليه عندما تقول فى صلاتك أشهد أن محمدا عبده ورسوله دلاله على أن رسول الله(ص) سار نحو الوصول نحو العبودية الحقيقية وان ما عداه من سائر البشر العاديين عبد الخوف وعبد ولذا يقول على(ع) ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك ولكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك .

ورسول الله(ص) وعلى(ع) لما كان نفسا واحدة كما يدل عليه قوله تعالى( قل تعالوا ندعو أبناءنا وأبناءكم و نساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) دلاله على وحدة المسيرة في مقام العبودية لأجل إثبات حقيقة الصلة والعلاقة الحقيقية بين الداعي والمدعو التي تجلت في وحدة نفسي رسول الله(ص) وعلي(ع) .

وأما بالنسبة إلى اضطرار الداعي كما ورد في قولة تعالى (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) فان المضطر إلى الله الدعاء عندما تنقطع لدى العبد جميع السبل ويتوسل إليه بأنه لا مفيض إلا الله ولا معطى إلا الله ولا دافع البلاء إلا الله وتكون معينا الصلة الحقيقية بين الداعي والمدعو آنذاكاك والفناء والانقطاع تتحقق الاستجابة و أبواب الدعاء كثيرة.