عنوان خطب صلاة الجمعة

((نظرية المعرفة))
 

 إن المعرفة من حيث هي أما أن تتعلق بالأمور الحسية كالمشاهدات البصرية أو الإدراك بواسطة السمع أو اللمس أو الذوق أو الشم فان هذه الأمور تقع طرفا لأصل الحصول على المعرفة وان كانت في بعض الأحوال تقع في معرض الخطأ والاشتباه كما لو رأى الإنسان عن بعد فاعتقده ماءا وهو سراب في واقعة الموضوع فالمرئي غير الرؤيا ولذا فانه إذا حصل الالتباس وقع في حقيقة الأمر من المرئي دون البصر إذ البصر يعطي دور الوظيفة البصرية في أن يشاهد وان كانت هناك نظرية تقول إن البصر وقع في خطأ دون ما وقع عليه البصر .

وعلى أية حال فالمعرفة الحاصلة بواسطة الحواس لا تعطي المعرفة الحقيقية وإنما هي إلى الواقع وليست هي الواقع وعليه لابد من الفرق بين الواقع وما وقع عليه الواقع وأما أن تتعلق المعرفة في عالم الأمور غير الحقه كالإرجاع إلى معرفة الأمور النظرية كمعرفة الدور والتسلسل والخلف والتناقض وعدم اجتماع المثلية ونحوها .

ثم إن المعرفة تارة تتعلق بالعالم والنظر إلى مقدار علمه فكلما انبسط له المجال في المعرفة معلومة لتطابق العلم مع المعلوم لدى العالم .

وأخرى تتعلق المعرفة في مقام واجب الوجود وان ما يتعلق بعلمه سبحانه بلحاظ معلوماته إنما هي أسماءه المشتقة من صفاته وهي على ذاته وليست عين ذاته كما يقال في مقام الإشارة إلى وجود الشيء فان الإشارة غير المشار إليه فإذا أشار إلى الماء فقال ما هو فان كانت الإجابة بأنه بارد أو أشار إلى النار فقال ما هي فأجيبت بأنها حاره فكل ذلك لايكون جوابا عن الفعل الحقيقي لهما فانه فرق بين الجواب عن ماهية الشيء والجواب عن خواص الشيء وإشارة أو معرفة الأسماء المشتقة من ذات الشيء مثل الماء والنار ونحوها كلها لا عن حقيقة الشيء .

وهكذا مثل العالم والقادر فإنهما وصفان لأمر مهم وهكذا الحال في قولك واجب الوجود عبارة عن استفتائه عن الفاعل ويكون مؤداه إلى سلب السبب عنه كما انه إذا قلت انه يوجد عنه كل موجود راجع في حقيقة الأمر إلى إضافة إليه سبحانه .

إذا عندما ترى وجود العلم في الإنسان أو حصول القدرة له فيكتشف على أن مثل هذه الأمور ليست داخلة في ذواتنا وإنما هي من فيض ذلك الوجود المطلق وأن العالم الحقيقي هو الله سبحانه كما انه القادر على الإطلاق هو من غير الإرجاع إلى معرفة كيفية صفاته .

كما انه عندما ترى وجود الكمالات كالوجود والقدرة والعلم والحياة والإدراك ونحوها فانه يوجد ما يقابلها من النقائض إذ الوجود يقابله العدم والقدرة يقابلها العجز والعلم يقابلها الجهل والحياة يقابلها الموت والفناء وهكذا وعندئذ نرجع إلى أن هذه الكمالات لا يمكن أن يعرض على المطلق نقائض لإمتناع وجوده عن تلك ثم إن المعرفة إن كانت في اتجاه خلق الله والتطلع عن آثاره في خلقة فهو كما ورد عن أبي بصير عن الباقر(ع) قال تكلموا في خلق الله ولا تتكلموا في الله فان الكلام في الله لا يزداد صاحبة إلا تحيرا .

وعن الصادق(ع) قال ان الله يقول وان الى ربك المنتهى- فاذا انتهى الكلام الى الله فاسكتوا .

وأما اذا كانت المعرفة في مقام ادراك كنهه فقد ورد في قوله تعالى ( ولايحيطون به علما وقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره ) وورد في الدعاء سبحان الله من لايعلم ما هو الاهو .

وقال أمير المؤمنين(ع) لاتقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين .

وقال(ع) من قال فيه لم فقد علله ومن قال فيه متى فقد وقته ومن قال فقد ضمنه ومن قال اني ومن قال فقد ثناه ومن ثناه فقد جزاه ومن جزاه فقد الحد فيه ولايتغير الله بتغاير ولا يتجدد بتجدد المحدود(1)

(1)- حق اليقين ص44