عنوان خطب صلاة الجمعة

(( سلوك الخائفين ))

مقتضى الخوف إن يتوقع ما يكرهه أما في الحاضر أو في المستقبل فمثلا الخوف من الموت بما إن الإنسان في أصل كيانه غريزة حب البقاء والموت إعدام لذلك الحب الكامن في قرارة نفسه فيصطدم بين حب البقاء والفناء فيخاف منه أو نظير المرض إذا كان في مما فيه الخطر على حياته في المستقبل فانه يخاف منه لذلك السبب من توقع وقوعه أو الخوف من تلف المال فان الإنسان من طبيعته يحب المال فإذا اصطدم بعوامل تسبب عليه سلب أمواله وعقاراته تجده خائفا قلقا وكذا الخوف في سلب جاهه واعتباره أو الخوف لتوقع العقاب كما لو قدم على أمر يستوجب منه مؤاخذته ومحاسبته قانونا وشرعا فانه أيضا تعرضه حالة الخوف والقلق النفساني فيظهر عليه عده عوامل نفسانيه وسلوكيه ولذا إن السارق والمخالف للقانون تظهر عليه إشارات المخالفة من وجهه ومنطقه وحركاته اللاإرادية .

وينقسم الخوف إلى فرعين.

1 الخوف القبيح والمذموم.
2 الخوف الحسن والممدوح.

إما الخوف القبيح والمذموم فيراد به الخوف من غير الله كالخوف من السلطان والخوف من الحيوان والخوف من الطبيعة كالهواء الشديد والطوفان والحريق فان بعضه ما يكون مألوفا عرفا وبعضه ما لم يكن مألوفا لدى الناس ومع ذلك فان المجموع مما هو قبيح ومذموم لما عند الله .

وإما الخوف الحسن والممدوح وهو الخوف من الله على اختلاف معرفته بالله فتارة يكون بالنسبة إلى العوام فان الإنسان يخاف الله لعقوبته وإدخاله النار وأخرى يكون الخوف بالنسبة إلى الخواص وهم الذين تترقى معارفهم وسلوكهم في معرفه الله فيكون الإنسان خائفا لعدم إدراكه ووصوله إلى المقامات العالية فمن جلس بعد صلاة الفجر ولم يصل الصلاة بوقتها يكون خائفا لعدم النيل إلى تلك المقامات من بخلاف غيره فانه يكفيه إسقاط الواجب وهذا ما يعبر عنه بخوف العارفين والمهم إن الخوف الحسن يعطى من نفس الإنسان إرادة التوجه والقرب إلى ساحة رحمته وغفرانه والنيل إلى المطالب العالية في درجاته وإحسانه .

وينقسم الخوف الممدوح إلى أقسام .

1 الخوف من الله ويسمى بالخشية والرهبة وهو المصطلح في عرف أرباب القلوب .

2 الخوف من جناية العبد إلى مولاه الحقيقي باقترافه المعاصي .

3 الخوف من الأمر من الخشية والرهبة والخوف من جناية العبد لمولاه إذا اقترف المعاصي وكلما اقترب إلى الله زاده الخوف كما زاده الحب والوصال إلى الله . اللهم زدنا خوفا وحبا . كما ورد في قوله تعالى( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) فاطر الآية 28 وقال سيد الرسل (ص) أنا أخوفكم من الله واقل درجات الخوف البعد عن المحظورات ويسمى بالورع فإذا زاد خوفه عن الكف عن الشبهات ويسمى بالتقوى إذ إن التقوى أن يترك ما يريبه إلى مالا يريبه .

وإما أقسام الخوف المذموم فهو على أقسام .

1- الخوف الذي يلزم عند الوقوع فهو كما لو قدم على المعصية فلا بد أن يعاقب عليها دينيه أو دنيويه .

2- احتمال الوقوع وعدم ويكون ذلك حذرا من الوقوع حتى يقابل بالعقاب وعدمه فلا يعاقب .

3 - أو يقع الخوف بسبب سوء الاختيار في بعض وعلاجه عدم ارتكابه حتى لا يقابل بالعقاب .

4 - الخوف بسبب الموت ولكن في نظر العارف فان الموت ارتقاء للكمال فلا خوف لديه بخلاف غيره فينظر إليه خوفا لكونه جاهلا إذ كما يقال إن الخوف قطع علاقة النفس بالبدن وهربا فيه .

5 - الخوف بسبب الم الأجسام في البدن ولكن عند العارف يجد الألم فرع الحياة والألم امتداد لمسيرة الحياة أيضا .

6 -عدم الإنجاب من الأولاد والأموال والمناصب والعارف يجد إن مثل هذه من في الحياة وهى متقدمه الوجود إذ السر في البقاء الدائم وليس في الحياة الزائلة .

7 -الخوف من الشماته وهو نوع من الوساوس الشيطانية والأمور التخيلية فان كل له إنما هو مصلحة لحياته أوبعد وإنما عليه أن يتصل بالله فانه الخيرات والبركات وان كل ما أستقر عليه الوجود فهو زائل وان البقاء لله وإنما هي أمور عرضيه زائلة فالمنعم يجد المصلحة في إجراء النعم على عبده في وقت ويزيلها في وقت آخر لمصلحة تتعلق في علمه وحكمته وعلى العبد ان يفكر بتأمل عميق حول ما يجرى في خلق الله من العطاء في وقت والامتناع في وقت آخر وكل ذلك لمصلحة قائمة في علمه لايدركها الإنسان.