عنوان خطب صلاة الجمعة

(( المحبة والأنس ))

نتعرض في هذه المحاضرة عن المحبة والأنس ولا يخفى أن للمحبة مقدمات وهي الصبر والزهد كما أن للمحبة نتيجة وهي الأنس والشوق وان كان من مبادئ الإرادة إلا انه في هذا المقام يعتبر انه من النتيجة والثمر الذي يعقب المحبة وحقيقة المحبة كما يذكر علماء النفس تقارب النفسين ولكن بالنسبة إلى المحبة لله لا مجال له لعدم حصول التقارب بل لامتناعه ولذا ذكر في كتاب الحقائق وأما حقيقة المحبة فمحال إلا مع الجنس وان وردت المحبة في القرآن كثيرا كقوله تعالى( يحبهم ويحبونه) وقوله تعالى (الذين آمنوا أشد حبا لله وقوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم) إلى قوله تعالى( أحب إليكم من الله ورسوله ) .

وقال النبي(ص) لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه وقال(ص) في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من يحبك وحب ما يقربني إلى حبك واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد. وفي الخبر أن إبراهيم(ع) قال لملك الموت إذ جاء لقبض روحه ( هل رأيت خليلا يميت خليله فأوحى الله إليه هل رأيت محبا يكره لقاء حبيبه فقال يا ملك الموت الآن فاقبض) .

1- مسند احمدج9 ص132 ---ج5 ص143 2- الحقائق ص171 للمحدث الكاشاني

وفي مناجات موسى بن عمران كذب من زعم انه يحبني فإذا جنه الليل نام عني أليس كل محب يحب خلوة حبيبه ها أنا ذا يا بن عمران مطلع على أحبائي إذا جنهم الليل حولت أبصارهم إلي من قلوبهم ومثلت عقوبتي بين أعينهم يخاطبوني عن المشاهدة ويكلموني عن الحضور يا بن عمران هب لي من قلبك الخشوع ومن بدنك الخضوع ومن عينك الدموع في ظلم الليل فانك تجدني قريبا .

وفي علل الشرائع عن نبينا(ص) ان شعيبا (ع) بكى من حب الله عز وجل حتى عمى فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره ثم بكى حتى عمي فرد الله عليه بصره فلما كانت الرابعة أوحى الله إليه يا شعيب إلى متى يكون هذا أبدا منك إن يكن هذا خوفا من النار فقد أجرتك وان يكن شوقا إلى الجنة فقد أبحتك فقال الهي وسيدي أنت تعلم إني ما بكيت خوفا من نارك ولا شوقاً إلى جنتك ولكن عقد حبك على قلبي فلست أصبر أو أراك فأوحى الله جل جلاله أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا سأخدمك كليمي موسى بن عمران .

وقال أمير المؤمنين(ع) في بعض أدعيته( في دعاء كميل) فهبني يا الهي وسيدي ومولاي وربي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك .

وعن الإمام الحسين(ع)في زيارة عرفه أنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجأوا إلى غيرك وقال(ع) يا من أذاق أحباءه حلاوة المؤانسة فقاموا بين يديه متعلقين

فظهر من هذا العرض إن الحب تارة بالمصطلح النفسي كما ذكرنا وأخرى بالمصطلح الأخلاقي عبارة عن الميل إلى الشيء ولا يكون الحب إلا بعد معرفة المحبوب فتدركه إما بطريق الأمر الحسي أو الوجود وكلما كانت المعرفة به أقوى واللذة أشد كان الحب أقوى ولذا ذكر إن ما يقع في البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر والقلب أشد إدراكا من العين وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار .

وبذلك تكون الأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات هي طرق المحبة لله وكلما تعمق في إتيانها كان ابلغ في التقرب إلى الله ويكون محبوبا إليه وكلما بعد عنها كان بعيدا عن ساحة القرب وعدم الوصول إلى محبة الله ولذا أن من يشاهد اتجاه الماديين فإنهم أقرب إلى البهائم لحصول الحجاب بينهم وبين تلك الحقائق النورية التي كلما صقلت نفوسهم تجو هرت وزاد لمعانها وبريقها .

ولذا يمكن أن يقم الحب إلى ما يلي.

1- الحب الجمالي الصوري ( الحسي ) .

2- الحب الجمالي المعنوي كالمتمتع بالأخلاق والفضيلة والكمال .

3- الحب النفعي وهو ما يحصل عم طريق الشعور بالمصلحة كحب الدواء والعلاج لرفع المرض أو حب المال لرفع الفقر أو حب الأكل والشرب لتقوية البدن .

وكلما ازداد الحب فان كان في اتجاه عقائدي أو أمر معنوي كحب الإيمان فانه مستمر ودائم وأما الحب المادي الذي يقوم على أساس الوجود المادي والأمر الحسي فانه زائل ألا فانظر إلى من عشق امرأة صفاء فائقة الجمال وعرض عليه الابتعاد عنها بسبب السجن مثلا ولم يشاهدها إلا بعد عشرين سنه فإذا خرج لا يرى ذلك الجمال الذي كان وإذا امتلك المال الكثير ثم انعدم المال من يده وأصبح فقيرا يستنكر منه أحب أصدقائه وأخلائه .

ثم إن الحب في نظر العلوم مختلفة

1- حب العرفاء وهو الفناء في ذات المحبوب وانه إلى الله .

2- حب الاجتماعيين فينظرون إلى وجود العلاقة بين الفرد والفرد وبين الفرد والمجتمع أو بين المجتمع مع المجتمع الآخر لدوافع بيئيه أو إقليمية أو حضارية .

3- حب علماء النفس تقارب النفسين .

4- حب هو الميل نحو الشيء والوصول إلى مرتبة تعادل الصفات وهو الحب الحقيقي .

5- حب المشرعين إن بالعمل والتكليف على نحو الإخلاص دون الرياء  .